في افلاس الدولة و مايجري

مهند البراك
2016 / 1 / 20

في وقت يزداد فيه الألم و القلق من افلاس الدولة و تنشر انواع المقترحات لإيجاد حلول لأنين البلاد من الارهاب و الحرب و الفساد و الإفلاس بسبب انخفاض عوائد النفط . . التي تسببت بسيول متزايدة من المرحّلين و المهجّرين و الضائعين بين البلدان و العاطلين عن العمل و المفلسين بسبب عدم صرف رواتبهم، و في وقت تحجم فيه اوساط مالية كبرى عن الدعم لعدم الثقة بالحاكمين . .
يذكّر كثير من المحللين ، بأن اسباب النهب و الفساد و الجرائم المنظّمة بدأت منذ زمان الدكتاتورية و حروبها و الحصار . . حين جرى نهب و بيع مؤسسات بكاملها بسعر التراب لأشخاص، و حين نشأت و تكاثرت القطط السمان و ضباع الحروب، ثم تزايد النهب المنظّم من الدولة و من ثروات البلاد لصالح اشخاص بعينهم يحميهم نفوذهم في حزب الدكتاتورية الحاكم، و نشوء و تكاثر المجاميع المافيوية التي عمل قسم من افرادها بمقولة صدام عن البعثي الجيد بكونه ـ من يحمل شهادة الحقوق بالجيب و مسدس بالحزام ـ .
حين حكمت دكتاتورية عسكرية توسعية ريعية بحزب حاكم حكم بارهاب الدولة الشامل و وحشيتها التي قطعت طريق الإصلاحات على الاحزاب المعارضة، و اجبرتها على التحوّل دفاعاً عن نفسها و عن الجماهير الى احزاب نادت و عملت على اسقاط السلطة و الاطاحة بالدكتاتورية في الظروف العالمية و الاقليمية آنذاك. و بعد ان غيّرت الدكتاتورية المجتمع طيلة ماقارب نصف قرن و حطّمت قدراته الانتاجية و الفكرية و القيَمية و الاخلاقية، و شقّت صفوفه بأنواع الفتن القومية و العرقية و شجّعت الروح العشائرية و استحدثت مشيخات عشائرية تنفّذ مشيئتها و امدتها بانواع السلاح و بالاموال، بعد ان اغتالت و صفّت من عارض منهم . .
سقطت الدكتاتورية بحرب خارجية شُنّت لمصالح دول و قوى عظمى، و اتت ببدائل غير كفوءة، سعت الى بناء الدولة البديلة بذات العقلية الصدامية الانانية الاستحواذية على اساس المنافع الذاتية الضيّقة، الامر الذي ادىّ الى تحوّل عديد من الكتل الحاكمة الآن الى شبه شركات و شبه مافيات . . في بلاد استمر و تضاعف فيها نهج العسكرة بسبب منظمات الارهاب و اعمالها الوحشية.
و يرى متخصصون انه بالرغم من اهمية الموارد المالية للاحزاب، التي تتحقق في العادة في مشاريع قانونية هدفها النفع العام . . الاّ ان ما جرى و يجري هو نهب الاحزاب من الدولة بواسطة من هم قريبين من مصادر الدولة المالية، حتى صار النهب هدفاً اساسياً لأشخاص بعينهم و صارت مافيات النهب هي التي تشكّل (احزاباً) و تتحكم بسياسات و عمل حتى قسم من الأحزاب التي ناضلت لإسقاط الدكتاتورية حينها، ممن تغيّرت امام الإغراءات و صارت وسيلة لتحقيق الارباح . . و اضعفت الى حد كبير بالتالي ثقة الجماهير بعموم الأحزاب . .
وقد لعبت الأموال الفلكية التي هرب بها و استمر على تشغيلها اعوان صدام من جهة، و عدد من كبار الموظفين الامريكيين و الإيرانيين و المتعاونين الأوائل معهم، ممن صارت ثروات البلاد بمتناول ايديهم . . لعبت ادواراً هامة في تصعيد روحية الطمع لدى اوساط اعتاشت منذ ازمنة الدكتاتورية، على النهب و التهريب ـ خاصة تهريب المواد الخطرة كالاسلحة الثقيلة و المخدرات و تانكرات النفط الخام الى الخليج و الاردن وتركيا و ايران ـ حتى شكّلت شبه امارات تتحكم بالدولة اموالاً و سياسة وفق المحاصصة (القانونية).
و صار لقسم منها نفوذ متحكّم، يمتد الى البرلمان و الشرطة و السجون، اضافة الى العشائر المتحكمة بمنافذ الحدود، و مافيات في قطاع المقاولات و المشاريع الحكومية، يتحرك افرادها بستار انواع الميليشيات الطائفية، موظفة لذلك مصالح فئات متنفذة حاكمة و خططها . . وفق انواع المصادر الداخلية و الدولية المحايدة. حتى وصل النهب الى اسراع اعداد غير قليلة بالتكتل و تكوين انواع اخرى من تجمعات النهب، بهوية ضحايا الدكتاتورية زوراً، و بوثائق سوق مريدي المزوّرة وفقاً لوساطات و عمولات و غيرها . .
و يرى مراقبون ان مراهنات القوى الفاسدة على سذاجة الشعب اخذت تتحطّم، بدلالة مظاهرات الاحتجاج الحاشدة و المتواصلة التي تلعب فيها مواقع التواصل الإجتماعي ادواراً هامة، و التي عمّت و تعمّ البلاد من اقصاها الى اقصاها، حيث ادّت الى تغييرات هامة بسبب تخوّف حاكمين من العواقب، و تغييرات في الادراك الشعبي بعد ان اعلنت التظاهرات زيف رفع راية الدين و الطائفة، بل و ادانتها بشعار ( بإسم الدين باكونا الحرامية )*، بعد ان قدّمت الجماهير العديد من الشهداء الشباب على مذبح " الكرامة و الحرية " منذ الاحتجاجات الكبيرة الاولى التي قوبلت بالرصاص عام 2011 .
و اثبتت ان الشعب العراقي بأطيافه واعٍ لما يجري و لايمكن تخديره بتلك الشعارات بعد ان وصلت الأزمة المعيشية الى ذروة غير متوقعة بسبب الإرهاب المنفلت من جهة، و ضعف و تحطّم مداخيل العاملين ـ و المتقاعدين ـ في قطاعات الدولة خاصة، و التزايد المريع للارهاب و البطالة و و تزايد المسلّحين .
التي وصلت حدّ الوحشية الدموية غير المتوقعة بإحتلال داعش للموصل و سبي الايزيديين و ملاحقة المسيحيين، و تساقط مدن و مواقع هامة بيدها بعمليات تظاهرية لم يرفع الستار بعد عن حقائقها، رغم القيام بانواع التحقيقات الأصولية وفق الدستور و مؤسساته القائمة الآن (؟؟) . . داعش التي وصل النهب فيها الى نهب خيرات العراق الاساسية من النفط و المعادن الثمينة، الى الآثار التي لم يُعلن عنها قبلاً، بدعم من جهات دولية سوداء مستفيدة.
حتى وصل الفساد الاداري في البلاد حداً صار فيه رجال الحكم في البلاد، في المحافل الدولية من سيّئي السمعة ممن وصلوا الى مراكزهم بالتزوير، و اساءوا بذلك حتى الى مصداقية النظام الحاكم في حربه ضد داعش و الإرهاب رغم الشهداء، و الى مصداقيته في حل مشكلة النازحين، حيث تورد العديد من وسائل الاعلام الامريكية و الدولية تقارير تؤكد ان حجم حسابات 17 من المسؤولين الكبار و السابقين في العراق وحكومة اقليم كوردستان يصل الى 220 مليار دولار، لافتة الى ان هذا المبلغ يكفي لتغطية موازنة الاعوام الثلاثة المقبلة من دون بيع ولو برميل نفط واحد !!
و على طريق الحلول تدعو اوسع الاوساط المطّلعة الى الغاء حكم المحاصصة القائم لأنه اساس البلاء و الى نشوء جبهة اعتدال على اساس المشروع الوطني المرتكز على " الدين لله و الوطن للجميع " باجتماع كل القوى الفاعلة . . جبهة اعتدال تدعو الى السلام و الى سياسة التعايش مع دول المنطقة، تفعيل قانون ـ من اين لك هذا ـ ، اتخاذ اجراءات عاجلة لإيجاد حلول للافلاس و الضرب بيد من حديد على المسببات و الاشخاص، اقرار قانون الخدمة العسكرية الإلزامية لمدة عام و دفع البدل النقدي لغير الراغبين . . و الاّ فإن مايجري سيضعف مقاومة داعش و الارهاب رغم الانتصارات التي تحققت، مهما استبسل المقاتلون بأطيافهم و مهما استبسلت الجماهير المواجهة للإرهاب . .

20 / 1 / 2016 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) باكونا تعني سرقونا .