الطائرات المسيرة والعقلية الإمبريالية

فضيلة يوسف
2016 / 1 / 13

كطالب جامعي في أوائل السبعينيات كانت هناك بضع مناسبات عندما أسافر من شيكاغو موطني إلى جامعة جنوب إلينوي (SIU) في كاربونديل على بعد 300 ميل أو العكس ، وكانت الرحلة تستغرقني ست ساعات بالسيارة اذا كنت أنا السائق , وأكثر من ذلك اذا انتظرت توصيلة على الطريق Interstate 57 .
في إحدى المرات كنت مسافراً إلى منزلي لقضاء عطلة الربيع، وكنت على جانب الطريق السريع على نحو 40 ميلاً من الحرم الجامعي، وبعد توصيلتين قصيرتين من سائقين محليين. انتظرت حوالي نصف ساعة قبل قدوم رجل يقود سيارة حديثة تحمل لوحات ولاية ويسكونسن وأخذني معه.
عندما قال السائق انه ذاهب إلى شيكاغو، اعتقدت انه كان يوم سعدي. بدا السائق مثل رجل أعمال في منتصف العمر وكما اتضح كان في طريقه إلى منزله في ماديسون بولاية ويسكونسن من رحلة الى ممفيس. أوضح لي الرجل أنه يستمتع بالسواقة ، وهو ما يفعله لمتطلبات عمله مرتين أو ثلاث مرات في السنة، ولكن من الجميل أن يكون له مرافق كما حصل في هذه الرحلة لكسر الرتابة ولأن التقاط البث الإذاعي ليس جيداً على طول الطريق . شكرته لأنه نقلني مسافة طويلة، وعرضت عليه أن أدفع في محطة البنزين، لكنه رفض .
تجاذبنا أطراف الحديث كغرباء التقوا معاً على امتداد الطريق السريع مجرد حديث عن هذا وذاك، مثل الرياضة، وغير ذلك . قلت له أنني أدرس التاريخ كتخصص رئيس والفلسفة في جامعة جنوب إلينوي (SIU) وأنني أعيش مع عائلتي في ضواحي شيكاغو. علمت أنه وزوجته يعيشان في نفس المنزل في ماديسون منذ 20 عاماً، وبعد فترة وجيزة من زواجهما أنجبا ابناً واحداً، يدعى روبرت.
عندما سألته عن عمر ابنه، أجابني الرجل أن ابنه قد مات قبل ثلاث سنوات في فيتنام. وأوضح كان عمره 20 عاماً وكان جندياً في الجيش. قال هذا بشكل قاطع ودون انفعال. قلت :أنا آسف لسماع ذلك وشعرت بالإحراج ، كما لو دخلت فجأة على أكثر الأسرار العائلية إيلاماً لشخص غريب .
سادت لحظات من الصمت لبعض الوقت . ولاحظ أخيراً أنني أحس بالقلق، وكسر الصمت قائلاً أن زوجته أفضل كثيرا الآن. قلت له مرة أخرى أنا آسف، ولكن كنت أريد أن أقول أكثر من ذلك. أردت أن أقول له كم كنت أكره الحرب، وكيف أنظر إلى السياسيين والجنرالات المسؤولين عن ذلك كمجرمي الحرب، كانت هذه الحرب جريمة ضد الإنسانية. ولكن لم أعرف ما هي وجهات نظر هذا الرجل السياسية، وظللت صامتاً.
لقد كرهت الحرب أكثر من هذا الرجل الذي دمرّت الحرب أسرته ؟

"أضرار جانبية"، من يهتم؟
تذكرت هذا اللقاء القديم في الخريف الماضي ، عندما تم كشف برامج الطائرات المسيرة المسلحة التي تديرها وكالة الاستخبارات المركزية وقيادة العمليات الخاصة الأمريكية المشتركة (JSOC). ببساطة ، استعادت ذاكرتي بصدمة مشاعر رجل واحد نتيجة فقدان ابنه والتجاهل الكاسح للحياة الذي تجسدّه الولايات المتحدة في عمليات الطائرات المسيرة العسكرية.
كما يلاحظ Jeremy Scahill في مقدمة " أوراق علمية حول الطائرات المسيرة المسلحة " المنشورة في The Intercept ،أسرار جديدة من الداخل العسكري: " كُشف تطبيع الاغتيال كمكون رئيسي لسياسة مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة." ولكن ليس الاغتيال هو الوحيد الذي تم تطبيعه. أحدث فضيحة لعمليات الطائرات المسيرة في الصومال واليمن وأفغانستان تقدم تفاصيل جديدة حول كيفية تطبيع القتل العشوائي للأبرياء في هذه الاعتداءات العسكرية بحيث أصبحت هذه العمليات روتينية تماماً.
انه شيء مُثير للتفكير في ضوء الهجمات الإرهابية المروعة في خريف هذا العام على الأبرياء من الناس في باريس وبيروت من داعش ، والتفجير المزعوم للطائرة الروسية في مصر ، والهستيريا العامة حول اليمين "الإرهابي الإسلامي". وهو يستحق الإدانة الواسعة. ولكن في هذه الموجات اللانهائية من العنف هناك سؤال يُثير التفكير: لماذا تُعدّ الاعتداءات الإرهابية العشوائية بأسلحة شخصية على الأبرياء فضيحة أخلاقية أكثر من هجوم الطائرات المسيرة على الأبرياء؟
كثير من المعلومات والأسرار والتفاصيل التي تم كشفها حول عمليات الطائرات الاميركية المسيرة كانت معروفة . هنا سوف نلاحظ أنه في فترة خمسة أشهر في الأعوام 2012-2013 كان ما يقرب من 90 في المئة من الأشخاص الذين قُتلوا في الغارات الجوية بالطائرات المسيرة في افغانستان أشخاص لا علاقة لهم بالعمليات . أو أنه في عام 2012 وافق البيت الأبيض على اغتيال 20 شخصاً في الصومال واليمن. وكما ذكرت صحيفة الجارديان، أدى ذلك إلى اغتيال أكثر من 200 من المدنيين لا علاقة لهم بالعمليات .
وفي اليمن، وفقاً لتقرير مكتب الصحافة الاستقصائية، اُستخدمت تكنولوجيا التجسس المسيرة لشن هجوم بصاروخ كروز في كانون أول عام 2009 ضد تنظيم القاعدة قُتل فيه 44 مدنياً من بينهم 22 طفلاً. أُطلق هذا الصاروخ من سفينة تابعة للبحرية الامريكية أطلقت 166 قنبلة عنقودية فرعية وأكثر من 200 شظية فولاذية حادة.
وتسبب "القتل المستهدف" في باكستان، من قبل الطائرات المسيرة الأمريكية على مدى العقد الماضي في 4000 حالة قتل ، وتُفيد تقارير لمكاتب أخرى أن 423-965 من القتلى من المدنيين الأبرياء، بمن فيهم 172-207 من الأطفال. وقعت غالبية عمليات القتل هذه تحت رعاية ادارة اوباما.
أسئلة سيئة كما الأجوبة
وتمضي التقارير قدماً حول الوحشية المحبطة. ويتضمن أحدها الاعتداء الذي تم في أوائل 2015 من قبل وكالة المخابرات ( CIA ) الموجه ضد تنظيم القاعدة في اليمن والذي قتل رهينتين من الولايات المتحدة وإيطاليا، Warren Weinstein و Giovanni Lo Porto ورداً على عملية قتلهم ، ذكرّنا السيناتور Lindsey Graham (جمهوري من كارولينا الجنوبية ) بشجاعة "هذا جزء من الحرب. لا يمكن أن تكون حرب دون أضرار جانبية ".
هذه هي عقلية الإمبرياليين أصحاب الامتيازات القوية في العمل، دائماً كن شجاعاً عند مقتل الآخرين، وضمنياً يجب أن نكون على استعداد لتقديم أي تضحية لصالح أهدافهم الجيوسياسية. ظهرت هذه العقلية بصورة فجة في المقابلة التلفزيونية مع المرشح الجمهوري على قناة CNN "هل يمكن أن تأمر بضربات جوية من شأنها قتل أطفال أبرياء ، اعداد ليست قليلة ولكن مئات وآلاف؟" سأل المذيع اليميني Hugh Hewitt المرشح Ben Carson.
هذا هو الوضع بين الجمهوريين "الأسئلة التي تُسأل سيئة مثل الإجابات التي تعطي" . ولكن جواب Carson كان سيئاً بما فيه الكفاية، التأمل في وجهة نظر طبية لهذا الرجل بأن القتل الجماعي الافتراضي لمئات أو آلاف المدنيين والأطفال المحظوظين بما يكفي ليكونوا قد ولدوا أو عاشوا تحت عنوان "أعداء" أمريكا سيكون "رحيماً"، تعبير يُعطي المتفائلين بهذا الرجل القوي الفظ ،الاستعداد ل "إنهاء المهمة".
ويبدو أن "إنهاء المهمة" يذكرنا بشكل مخيف بمصطلحات مثل "الحل النهائي"، لا أعرف كيف تكون مشاعر هؤلاء الناس. ولكن التطرف الجمهوري هو مجرد تعبير غير مصقول عن العقلية الامبريالية . النسخة "الذكية" تأتي من المرشح الديمقراطي للرئاسة هيلاري كلينتون، التي استشارت مهندس جرائم الحرب في حقبة حرب فيتنام، هنري كيسنجر عندما كانت وزيرة الخارجية الامريكية وليس من المستغرب هنا. أن كلينتون تدعم بشكل كامل الاغتيالات بواسطة الطائرات المسيرة. حتى السيناتور Bernie Sanders من فيرمونت مع القتل العالمي، كما أوضح في مقابلات في خريف هذا العام.
في الحقيقة، هذا أحد برامج إدارة أوباما حيث البيت الأبيض يداً بيد مع الغالبية من الجمهوريين، ويتمايل الجميع على أنغام Kumbaya حول المعسكر العسكري، مفتونون بانفجارات القنابل العنقودية ، رسالة لا تكل عن التفوق العالمي الأمريكي.
يُعبّر تطبيع الاغتيال عن نفسه ليس فقط في تدمير الحياة والخوف واليأس والغضب الذي يخيم مثل السيف المسلط على السكان الذين يعيشون في المناطق المستهدفة. هل يعتقد أحد بجدية أن القتل بالطائرات المسيرة لا يثير العداء الشعبي تجاه الولايات المتحدة في المناطق التي تتعرض للهجوم؟ وهناك أيضاً تأثير هذه السياسات على مرتكبي هذا العنف. كما ورد في تقارير Democracy Now ، أن العسكريين المشاركين في عمليات الطائرات المسيرة يُشيرون إلى الصور المستهدفة من الأطفال على شاشات الكمبيوتر، قبل أن يتم قتلهم بمتعة ، بأنهم "إرهابيون بحجم مضحك".
إذا قرأنا الأخبار حول الأفراد القتلة في مجتمعنا الذين تحدثوا في هذا السياق، فإننا سنجد بحق أنه دليل على الوحشية الباردة، والحالة النفسية الشاذة. فهي تنطوي على الزي الرسمي والرواتب الحكومية وفجأة تصبح مزايا أفعالهم الإجرامية مجرد موضوع آخر للمناقشة السياسة الجادة في لقاء مع الصحافة وغيرها من وسائل الإعلام الرئيسية.

وتظهر الأوراق حول عمل الطائرات المسيرة أنه عندما يُصيب هجوم الطائرة المسيرة هدفه المقصود، يُشار إلى الفرد المقتول من قبل الموظفين بأنه "الجائزة الكبرى". أما بقية الأموات، بغض النظر عمن هم، فيُسموا ( EKIA) ، أو " أعداء قتلى في المعارك". ويُضيف "انها تذكرنا بالممارسات في فيتنام في حقبة الحرب حيث قُتل المدنيون الفيتناميون الفارون من وحدات عسكرية أميركية أو طائرات هليكوبتر في كثير من الأحيان، وتم تبرير ذلك بقواعد الاشتباك التي تصنف المدنيين الفارين كما الفيتكونغ. وفقاً لذلك، خرج الجيش الأمريكي بمفهوم "منطقة حرة لإطلاق النار"، وهو مصطلح لقتل غير مقيد للمدنيين من قبل القوات تم تدريسه لجميع القوات بأن أي شخص في منطقة الاشتباك عدو شرعي. والآن تخدم هذه اللغة البيروقراطية كمنطقة عازلة ضد الجرائم التي ترتكب.
في السياق ذاته ، تعمل التقارير التي يقدمها الاعلام السائد عمليات الطائرات المسيرة على فصل الجمهور الأمريكي عن أهوال العنف، لجعله أكثر بعداً. حتى عندما تعترف التغطية الإخبارية بالجدل الدائر حول هجمات الطائرات المسيرة العسكرية، وعن القتل "العرضي" وغيرها من القضايا، فإنها تقدمه بشكل روتيني ، كما لو يتم الإبلاغ عن سوء الاحوال الجوية في أماكن بعيدة. ويُنظر إلى كل شيء كأنه فيلم ثقافي يُفسد الحالة الحادة من العنف.
الجواب الليبرالي ل "غوانتانامو"
ومن المفارقات، أن عمليات الطائرات المسيرة العسكرية تصاعدت عام 2009 جزئياً عندما وصل اوباما إلى البيت الأبيض ، رداً على السمعة السيئة العالمية لموقع الاحتجاز العسكري في غوانتانامو، الذي أصبح رمزا للاستخفاف بحقوق الإنسان والإجراءات القانونية الواجبة الديمقراطية في "الحرب على الإرهاب" في عهد بوش .
في عام 2008، تعهد المرشح آنذاك اوباما بإغلاق سجن جوانتانامو في حال انتخابه . ولكن عندما وصل الى البيت الأبيض لم يُكافح المعارضة في الكونغرس لإغلاق القاعدة. وبدلاً من ذلك، اختار البيت الأبيض لتجنب اعتقال واحتجاز الإرهابيين المشتبه بهم دون أي اعتبار للإجراءات القضائية السليمة في عهد بوش، استخدام الضربات الصاروخية القائمة على الطائرات المسيرة كحل بديل وبذلك سيتم مسح استباقي "للإرهابيين المشتبه بهم" من على وجه الأرض.
أصبح هذا يعرف في المصطلحات العسكرية باعتباره سياسة " أعثر عليه، ثبّته ، وأقتله" . أو، إعادة صياغة الطريقة المفضلة لجوزيف ستالين في التعامل مع الأعداء: "لا يوجد أي شخص، لا يوجد مشكلة" من بوش إلى أوباما، والرسالة الآن واضحة : في حرب دائمة على الإرهاب، أصبح الكوكب بأسره ساحة المعركة. و في الحرب، حتى غير المعلنة، ليست هناك حاجة لمحاكمة "المقاتلين الأعداء". يتم تنفيذ الإعدام .
الكل في الكل، سياسة القوة الحديثة الآن مجرد مدرسة للكذب. تكذب داعش في الإسهاب الديني المتخلف عن "الوثنيين الذين تجمعوا لحضور حفل البغاء والرذيلة" في فرنسا وغيره من الكلام الفارغ الغبي . كيف بارك الله "إخواننا" ومنحهم رغباتهم عندما "فجروا أحزمتهم الناسفة في الجماهير من الكافرين ". وبالفعل، داعش المناهضة للامبريالية" أصولية مثل ألمانيا النازية "الاشتراكية الوطنية" التي لا تمثل لا اشتراكية ولا مناهضة للإمبريالية.
وفي الوقت نفسه، فإن الحكومة الأمريكية تكذب للتغطية على الوفيات الناجمة عن الطائرات المسيرة ، عن هؤلاء الضحايا المجهولين أو غير المقصودين الذين يصبحون بقوة سحرية "الأعداء" في السجلات. ولكن إذا كان المدنيون الأبرياء يُقتلون عمداً أو من اللامبالاة البيروقراطية ، في النهاية هذا لا يهم.
يبدو الأمر كما لو أننا دخلنا العصور المظلمة من جديد، والآن بإضاءة خلفية من التكنولوجيا فقط ، ويظل الضحايا كما هو الحال دائماً من العزل والأبرياء. في الواقع، كل ضحية بريئة سواء قُتلت على أيدي الإرهابيين أو قنابل الطائرات المسيرة ، تجسّد مأساة كبيرة في العصر الحديث، مأساة الحرب الدائمة في عالم منقسم حسب الطبقة، والثروة، والسلطة.
إن الاشارة الى وحشية الجهل في القرون الوسطى غير كافية، فواقع الحرب التكنولوجية في العصر الحديث أسوأ بكثير واكثر شمولية من أي شيء يُنظر إليه سابقاً في تاريخ البشرية.
وبطبيعة الحال، ورغم تبجح الحزبين الجمهوري والديمقراطي باستخدام القوة ضد الإرهاب، فإن عدداً قليلاً في الطريق الدائري في واشنطن على استعداد للاعتراف بالروابط بين صعود الجماعات الإرهابية والدعم الغربي التاريخي لحكام الشرق الاوسط الدكتاتوريين والطغاة. ولا دعم القادة الأمريكيين لدولة الفصل العنصري (إسرائيل) ، رغم أعمال العنف المتكررة في غزة والضفة الغربية. هذا الإرث الذي حرم الشرق الأوسط من الفرص السياسية التقدمية، والذي يعبّر عن نفسه الآن في رد فعل سلبي من أسوأ أنواع الوحشية الدينية الأصولية.
التكنولوجيا تتقدم ، والناس تموت
في هذه المرحلة من انحدار العالم بثبات نحو الهمجية. فإن "القرن الأمريكي" كما أسماه الناشر Henry Luce في نهاية الحرب العالمية الثانية وتم افتتاحه مع إسقاط أول قنبلة ذرية على هيروشيما وناغازاكي في آب عام 1945، مما أسفر عن مقتل أكثر من 210000 شخص على الفور. وتعرض آلاف آخرين للموت في السنوات التالية من الأمراض المرتبطة الإشعاع.
لقد كانت البداية فقط . واستمرت حروب الولايات المتحدة الاقتصادية والعسكرية الدائمة، انتشرت القواعد العسكرية في جميع أنحاء العالم، نما الإنفاق على الأسلحة والحروب بشكل مطرد، وأصبح التدخل في الخارج هو القاعدة. ألقت الولايات المتحدة ما يقدر ب 15 مليون طن من المتفجرات ضد الشعب الفيتنامي خلال تدخلها العسكري الطويل في ذلك البلد. وتقدر حكومة فيتنام أن الشعب الفيتنامي خسر أكثر من 3 ملايين قتيل من الجيش والمدنيين في الأعوام من 1954-1975، وكان الجزء الأكبر من القتل خلال ذروة الغزو الأميركي في الأعوام 1965-1975.
ويستمر عرض الرعب العالمي. أدّت الحرب الكورية في وقت مبكر من الخمسينيات إلى عدة ملايين حالة قتل وتختلف التقديرات للخسائر كبيرة من مصدر لآخر، من جانبه ،وضع الجيش الامريكي كوريا الشمالية تحت القصف، وحرق على الأرض كل مدينة أو بلدة، أو قرية طالها ، كما اعترف الجنرال الأمريكي Curtis LeMay في وقت لاحق. وصل عدد القتلى الى 3.5 مليون ، وفقا لسلسلة PBS الأمريكية منهم 2 مليون من المدنيين في كوريا الشمالية ، وتشير تقديرات أخرى أن الإصابات في صفوف المدنيين على جانبي كوريا وصل إلى 1.6 مليون نسمة.
تسبب الغزو العسكري الأمريكي للعراق في عام 2003 في سقوط مئات الآلاف من الضحايا المدنيين ، وفقا لتقدير جامعة براون. وما زال الشعب العراقي لهذا اليوم يموت من المرض والإهمال نتيجة تدهور المرافق الصحية والبنية التحتية العامة، والخنق البطيء الذي بدأ في عام 1990 مع الغزو الأمريكي الأول واستمر في ظل فرض الرئيس كلينتون العقوبات الاقتصادية الطويلة .
سواء كان القتل بالطائرات المسيرة ، أو نتيجة القصف الجوي، القتل بالنابالم أو العامل البرتقالي أو العقوبات الاقتصادية، لا يزال عدد الإصابات الفعلية في الصراعات العسكرية الحديثة غير دقيق إلى حد كبير. وهذا في حد ذاته اتهام صريح لدولة العالم ودعاة الحرب الذين يقودونها .
لا تزال الحياة رخيصة دائماً مقارنة بمكائد القوة العسكرية وأولئك الذين يحملون مقاليدها.
"كن واقعياً : اطلب المستحيل"
أتذكر الآن تلك الساعات القليلة التي قضيتها مع الأب الحزين في السبعينيات . وأشعر أنه التقطني من جانب الطريق ليس فقط لأنه يريد شخصاً ما للتحدث معه في رحلة طويلة. كنت في التاسعة عشر من عمري وهو عمر يقارب عمر ابنه المقتول ، ومن نفس الجيل. وقد شعرت أنه أراد لمساعدتي لهذا السبب.
لقد نسيت معظم ما تحدثنا عنه، ولكن أتذكر قوله عن ابنه أنه كان لاعب كرة سلة عظيم في المدرسة الثانوية. ولا أتذكر أنه تحدث عن السياسة و الحرب، غير ملاحظة عابرة أن الحرب هدر للطاقات . أُجبر ابنه على خوض الحرب و لم يعد أبداً. سيطر حزن الرجل ع بهدوء على تلك الرحلة.
كانت تلك أيامي الأولى في التفكير الناقد عن المجتمع. كنت مثالياً وعانيت من صعوبة فهم أعماق المجتمع الذي يمكن أن يغرق في مستنقع العنف. وبسذاجة الشباب، كنت أميل إلى الاعتقاد أن الحرب العالمية الثانية أكثر شذوذاً من أن تكون تعبيراً عن النظام الرأسمالي العالمي وانفجار التناقضات الهيكلية العنيفة. ولكن تدريجياً بدأت أدرك العالم الذي نعيش فيه، وان هذا النظام الرأسمالي والانقسامات الطبقية داخله ، هي جذور مشاكل المجتمع. باختصار، بُنيت الحرب في النظام.
المستقبل مثل الحاضر الحالي ، لا يوجد مستقبل في كل شيء، مع إمكانية أن ينتهي في حرب نووية عالمية على نطاق غير مسبوق تاريخياً. هذه ليست مبالغة مروعة وانما تبيان للحالة السياسية والتقنية الممكنة في ظل الحقائق العالمية الحالية.
أشار نعوم تشومسكي في إحدى المقابلات "أتذكر يوم تفجير هيروشيما أنني لم أكن قادراً على التحدث إلى أي شخص ". وكان مراهقاً عام 1945 عندما أسقطت الولايات المتحدة القنبلة الذرية الأولى على اليابان. " خرجت إلى الغابة وبقيت وحدي لبضع ساعات. لا يمكنني التحدث مع أي شخص حول هذا الموضوع ولم أتفهم رد فعل أحد. شعرت بعزلة تامة . "
هذا ليس رد فعل "الجناح اليساري الراديكالي" بقدر رد فعل إنسان "إنسانيته" بخير . وينبغي أن يكون رد فعل أي شخص يؤمن بكرامة الإنسان، ويطالب أن تكون السلطة اي سلطة ملزمة بتبرير أفعالها في هذا العالم، وكما يذكرنا تشومسكي وغيره ، سوف نجد سلطات غير شرعية.
أوضح تشي غيفارا، جوهر الرؤية الاشتراكية بالنسبة له، وقال ذات مرة: "وحتى لو ظهرت سخيفاً، اسمحوا لي أن أقول يجب أن تسترشد الثورة الحقيقية بشعور عظيم من الحب. فمن المستحيل أن نفكر في ثورة حقيقية تفتقر إلى هذه النوعية ".
ما نحتاجه الآن ليس موظفين سياسيين ينجذبون إلى الثروة، والامتيازات والسلطة، ويبكون دموعاً انتقائية ، ولكن ولاءهم للوضع الرأسمالي الراهن يجعلهم منحازون عندما يتعلق الأمر بواقع عالمي يشمل الظلم الاجتماعي. يحتاج عالمنا بشراً أكثر إنسانية يتبنون روح تشي في الحب والمقاومة، وحدسهم في السياسة الواقعية يتصور المستحيل، عالم ما بعد الحرب والقتل، عالم ما بعد الرأسمالية.
نقطة الانطلاق لا تزال كما هو الحال دائما الخيال الثوري.
مترجم
Mark Harris