الدين الكوسمولوجي كبديل للدين التاريخي عند كانط

عماد الحسناوي
2016 / 1 / 12

الدين الكوسمولوجي كبديل للدين التاريخي عند كانط :

لاشك أن الإشكال المرتبط بالدين التاريخي و الدين الكوني له علاقة قوية بكل أعمال كانط٬-;---;-----;--- مع الرغم أن الكتب الأولى تنصب حول فكرة الله لا على الدين من حيث هو نظام عقائدي وسلوكي متكامل. لكن الكتب الأولى ركزت على مفهوم مهم له دور كبير في الإنتقال من الدين التاريخي الى الدين الكوني، الأمر يتعلق بمفهوم الحرية. كانط في كتابه نقد العقل الخالص وجه نقد قوي للعقل الذي لا يعرف حدوده ولا ينتج سوى نقائض لأن من الناحية المعرفية نقائض العقل تجعله خارج العلم. إذن هدف كانط هو إخراج الحرية من العقل الخالص لكي تكون المعرفة محدودة في العالم الظاهري فقط وهو عالم نيوتن الذي يؤمن بالحتمية٬-;---;-----;--- لذلك عندما أخرج كانط الحرية من العقل النظري ماهي سوى بداية لكتاب أخر وهو نقد العقل العملي الذي يمثل المشروع الأخلاقي٬-;---;-----;--- وكما نعلم لا يمكن الحديث عن الأخلاق بعيدا عن مفهوم الحرية. بالتالي كانط أعاد الحرية للعقل و غير عالم نيوتن بعتباره ليس قيمي لأن القيمة مرتبطة بالقانون الأخلاقي بعالم إنساني. وفي هذا الصدد أريد الإشارة إلى نقطة مهمة وهي أن بداية تأسيس العقل العملي موجودة في رسالة ما الأنوار1784 وليس كتاب نقد العقل العملي 1788 والأفكار القادمة ستوضح هذا. من هذا المدخل نكتشف أن مفهوم الحرية مفهوم مهم في كل أعمال كانط وهنا سأركز على موقفه من الدين٬-;---;-----;--- لأن الحرية ستلعب دور كبير في الإنتقال من الدين التاريخي إلى الدين الكوني. ويرى كانط في كتابه الدين في حدود مجرد العقل أنّ العقل البشري في منحاه الكوسمولوجي، يسعى دوماً إلى التمييز بين دين طقوسي مصلحي أناني، قائم على إقامة الصلوات وتصنع الابتهالات، والاعتناء بالمظهريات في الصوامع والكنائس والمعابد، وبين دين أخلاقي يتجسّد في الأعمال السلوكية الطيبة الحسنة، دين لا ينتظر من الإله أن يريه طريق مرضاته، بل يكون بسلوكياته وسيرته الحسنة أهلاً لأن يعينه الله ويخلصه. فهناك إيمان وثوقي قطعي تزمتي، يجزم أصحابه بالقطيعة ويعرفه صفوة من الخلص، ودين مفكر عاقل لا يأتي بالخوارق ليعتقد به الناس، ولا يستعين بالطاقات الغيبية الماروائية المستهينة بالعقل ليفرض سطوته، دين يدعي العمق في خباياه، وتشجبه الحماسة، ويؤمن بالمعجزات والخرافات، ويقول بالألطاف الروحية الفياضة الإلهية التي تنبجس عنها الرحمات ويتكشف معها المستور من الحجب، وينار القلب بالأسرار الملكوتية، العرفانية، الصوفية، بخلاف الدين الذي يدعونا إليه كانط الذي يقتدر بفضل الفكر والعقل أن يجعل الإنسان يعرف نفسه بنفسه، و يغيره ما بداخله ذاتياً، دين حر لا ينتظر معونة ملائكية خارجة عن فيزيقا. في هذه النقطة أريد أن أوضح فكرة مهمة وهي أن الإنتقال من الدين التاريخي إلى الدين الكوني هي الإنتقال من العقل النظري إلى العقل العملي٬-;---;-----;--- لأن الدين الكوسمولوجي يقوم على العقل العملي٬-;---;-----;--- والعقل النظري عند كانط عقل دوغمائي لا يعرف حدوده والدين التاريخي نفس الشيء٬-;---;-----;--- هنا كانط يقول "إنّ الوهم والتعصب الديني هو الموت الأخلاقي للعقل، وبدون العقل لا يكون هناك دين ممكن". إذن التعصب الديني يؤدي إلى الموت الأخلاقي في العقل وليس العقل نفسه أي موت العقل العملي. وفي رسالة ما الأنوار؟ يقول كانط أن التنوير هو خروج الإنسان من القصور الذي يرجع إليه هو ذاته٬-;---;-----;--- وسبب هذا القصور هو الكسل و الجبن وهي نفسها المفاهيم ساهمت في إستمرار الدين التاريخي، ولكي نتجاوز هذا الدين قال كانط تجرأ أنت على إستخدام عقلك الخاص وهذا ما جعل فوكو يقول أن كانط هو عتبة الحداثة٬-;---;-----;--- والدين الكوسمولوجي هو دين الحداثة وهذا ما يقول كانط في كتابه الدين في حدود مجرد العقل "إذا كان ثمة شيء يحق للإنسان الحديث أن يفخر به على سائر البشر السابقين؛ فهو إيمانه العميق بالحرية، بأنه كائن حر، لا يدين بقدرته على التفكير بنفسه، ومن ثمة على إعطاء قيمة خلقية لأفعاله أو لمصيره الخاص، إلى أية جهة كانت مهما علت أو بسطت هيبتها على عقولنا". ويقول أيضا إنّ ديناً يعلن الحرب على العقل، سيصبح مع مرور الزمن غير قادر على الصمود أمامه". والأطروحة المركزية التي يتبلور حولها الكتاب هي أنّ الأخلاق بحكم طابعها الإنساني، والكوسمولوجي، لا تحتاج إلى الدين، بل لها قيومية ذاتها بذاتها، والعكس هو الصحيح. إذن مسعى كانط من كل هذا هو الإنتقال من دين تاريخي إلى دين كوني و تحقيق فكرة شعب الله، وذلك عن طريق جماعة أخلاقية يعتمد فيها على قوانين وقواعد أخلاقية موحدة، ولتحقيق فكرة شعب الله وملكوته في الأرض، لا بد من أن تجتمع هذه الجماعة الأخلاقية على فكرة موحدة عن القوانين الأخلاقية يشتركون بها جميعاً، وأن تصفو هذه القوانين من كوادر التعصب الديني والخرافة، إذ لا يفرض أيّ مذهب ديني أو عقدي على الناس، وبالتالي يسهل انتقال البشرية من إيمان مستبد إلى الدين المحض والاقتراب من ملكوت الرب، ويقترح علينا كانط طريقة صاعدة في قراءة الكتاب المقدس، وذلك بنمطية السرد؛ أي أن نسرد عظات الكتاب، لا لنفرضها على الناس، بل لتهذيب وإيقاظ الضمير الخلقي الحر فينا، دين نحكيه للناس بغية مساعدتهم على التحرر من الخرافة، وجعلهم يحذقون ما يخبو في ضمائرهم الخيرة والوصول إلى الإيمان الحر، وتتحول الصلوات والابتهالات، ونطهر بها ضمائرنا الخلقية من الطابع الوعظي الطقوسي إلى منحى صلوات عمومية تكتسي صبغة عمومية، إنّ الدين الحقاني ليس سراً يصل إليه البعض من الناس فقط، بحكم صوفيتهم أو رهبانيتهم، بل بممارسة حرّة كونية موصلة إلى المقدس الإلهي فينا، ونقيم ملكوت الرب في قلوبنا الطاهرة النقية. وبهذا تكون العبادة الحقيقية التي ينبغي على المؤمنين من حيث هم رعايا ينتمون إلى ملكوته، إنها عبادة القلوب والنوايا النقيّة التي تصدر عن قوانين الحريّة، نوايا نذرت نفسها إلى ملكوت الله في أنفسنا الراسخة في صلبه، إنها عبادة حقيقية صادقة تنبجس عن النية الباعثة على الخير الموقظة لوجداننا، إنها صلاة خاصّة، فمثلاً الصلاة من حيث هي عبادة باطنية شكلية لله ومفكر فيها على أنها نعماء علينا، هي في الحقيقة وهم ناجم عن الإيمان بالخرافة والطلاسم، بخلاف الصلاة الحقانية التي نتحلى فيها بالنيّة التي تصاحب كلّ أفعالنا، إنها روح الصلاة التي توجد فينا بدون انقطاع، وليست مجرّد ألفاظ وكلمات، إنها إخلاص ونيّة حقانية. "إنّ الضمير الخلقي وحده كفيل بهداية البشريّة إلى مسائل الإيمان "