وهم - الحرية -

فضيلة يوسف
2016 / 1 / 3

سيطرة الشركات على السلطة السياسية والاقتصادية لا شك فيها . من يمول ويدير الانتخابات عندنا ؟ من يكتب التشريعات والقوانين ؟ من يحدد سياسات الدفاع والنفقات العسكرية الواسعة؟ من هو المسؤول عن وزارة الداخلية؟ وزارة الأمن الداخلي؟ وكالات الاستخبارات عندنا ؟ وزارة الزراعة؟ إدارة الغذاء والدواء؟ وزارة العمل؟ مجلس الاحتياط الاتحادي؟ وسائل الإعلام؟ أنظمة الترفيه؟ السجون والمدارس؟ من يحدد السياسات التجارية والبيئية؟ من يفرض التقشف على الجمهور في حين ينهب Wall Street الخزانة الأمريكية والضرائب ؟ من يجرّم المعارضة؟
فُتحت شهوة المحرومين من الطبقة العاملة البيضاء للفاشية في مسيرات حملة Trump . سيتم بيع الليبراليون السذاجة والطبقة العاملة ، الذين يعتقدون بإمكانية المقاومة الفعالة في أحضان الحزب الديمقراطي، والالتفاف حول مرشحه للرئاسة Bernie Sanders ، الذي يعتبر المجمع الصناعي العسكري ،مقدس.. حقوقنا وآراؤنا غير مهمة . لقد استسلمنا للمجمعات الصناعية العسكرية . نحن لا وزن لنا داخل العملية السياسية. هذه الحقيقة، من الصعب قبولها عاطفياً لأنها تنتهك مفهومنا عن أنفسنا كشعب حر وديمقراطي. إنها تكّسر رؤيتنا لأنفسنا كأمة تجسد الفضائل العالية ، تحمًلت المسؤولية وهي بمثابة منارة للضوء في العالم. إنها تسلب منا "الحق" في فرض فضائلنا الوهمية على الآخرين عن طريق العنف. وتفرض علينا التطرف السياسي الجديد. وتكشف هذه الحقيقة، بشكل لا يقبل الجدل، أنه إذا أردنا للتغيير الحقيقي أن يتحقق، إذا أردنا أن يستمعوا لأصواتنا ، فإن النظم المؤسسية للشركات يجب تدميرها. هذا الإدراك يولد عندنا أزمة وجودية وسياسية. وعدم القدرة على مواجهة هذه الأزمة، لقبول هذه الحقيقة، يترك لنا مناشدة مراكز القوى التي لن تستجيب أبداً ويضمن إصابتنا بالشلل بسبب خداع الذات.
نستبدل الواقع بالخيال ، ونسرع نحو النسيان. ليس هناك ما يضمن أننا سوف نستيقظ. قد يجتاح التفكير السحري مجتمعنا كما حدث في الماضي عندما اعتقدت الحضارات أن القدر، وتاريخها ، والفضائل العليا أو القوة الإلهية تضمن الانتصار الابدي لها. وعندما انهارت، استبدلت الواقع المرير بالقمع. وفرضت الرقابة وأصبحت تتعامل مع الخيال وكأنه واقعي وحقيقي. أولئك الذين لم يتكيفوا اختفوا .
الفجوة الشاسعة بين الرواية الرسمية للواقع والواقع نفسه تخلق تجربة أليس في بلاد العجائب،. الدعاية متفشية بشكل كبير جداً، ونادراً ما نسمع الحقيقة، لا يثق الناس بحواسهم . نحن حالياً نتعرض لاعتداءات من قبل الحملات السياسية مثل الحملات الصليبية المستمرة من قبل الفاشيين والشيوعيين في المجتمعات الشمولية الماضية. هذه الحملات، التي لا جوهر لها وتتبع سراب المجتمع الحر، تُعادي السياسة.
لن يوجد تصويت يُطرح فيه تغيير تكوينات دولة الشركات. وسنمضي في الحروب قُدماً. وسيستمر استنزاف مواردنا الوطنية في النزعة العسكرية. وستستمر الشركات في سلب البلاد. وسيظل إطلاق النار على الفقراء من الملونين من الشرطة العسكرية في شوارعنا. وسيتم القضاء على حرياتنا المدنية بتسارع. وسيتوسع البؤس الاقتصادي الذي لحق أكثر من نصف السكان. وسيتم استغلال بيئتنا بلا رحمة من قبل شركات الوقود الأحفوري والشركات الحيوانية والزراعية ، ونحن نندفع نحو الانهيار البيئي. نحن "أحرار " فقط طالما نلعب أجزاء اللعبة المعينة لنا. مرة واحدة ندعو إلى تغيير مراكز القوة عما هي عليه، مرة واحدة نؤكد على حقوقنا ونقاوم ، فإن وهم الحرية سيتلاشى. وسوف نرى القبضة الحديدية لجهاز الأمن والمراقبة الأكثر تطوراً في تاريخ البشرية والغضب المرعب.
شبكة الشركات القوية المتشابكة خارجة عن سيطرتنا. أولوياتنا ليست أولوياتهم. الدولة للشركات، التي تهدف إلى الاستغلال والتوسع الإمبراطوري لزيادة الربح وهو الهدف الوحيد، تُغدق الأموال على البحث والتطوير في مجال الأسلحة ونظم المراقبة في الوقت الذي يتم تقنين التقنيات والأبحاث التي تعالج ظاهرة الاحتباس الحراري والطاقة المتجددة. تُغرق الجامعات في الأموال المخصصة للبحث في القضايا العسكرية ولا يمكن أن تجد الأموال للدراسات البيئية. تنهار الجسور والطرق والسدود عندنا من الإهمال. مدارسنا مكتظة، تتدهور وتتحول إلى مراكز للربح المهني. يتم التخلي عن كبار السن والفقراء والمعوزين. ويُعاني الشباب والشابات من البطالة أو العمالة الناقصة وعمل السخرة. مؤسسات الرعاية الصحية للمرضى على شفا الإفلاس. تتآكل أجورنا وتتقلص قدرة الحكومة على تنظيم الشركات بشكل كبير من قبل ثالوث اتفاقات شراكة تجارية جديدة عبر المحيط الهادئ، وعبر الأطلسي. واتفاقية التجارة والشراكة الاستثمارية والتجارية في الخدمات وخدمات المرافق الحكومية ، ومع تنفيذ اتفاق التجارة في الخدمات، سترى جميع الإدارات والخدمات ، من التعليم إلى خدمة البريد، تتفكك ويتم خصخصتها. أُرسلت وظائفنا في التصنيع إلى الخارج، ولا تعود. تتجاهل وسائل إعلام الشركات التسوّس لإدامة الخيال عن الديمقراطية الفاعلة، والاقتصاد الحيوي والإمبراطورية المجيدة.
المكون الأساسي في البروباغندا الشمولية ،حيلة . تستخدم البربوغاندا النخب الحاكمة، مثل المشاهير، لخلق شعور كاذب وإحساس زائف بالحميمية مع الجمهور.
القوة العاطفية من هذه الرواية هي الهدف الأسمى. القضايا لا تهم. الكفاءة والنزاهة لا تهم. المواقع السياسية السابقة أو المواقف لا تهم. المهم هو كيف علينا أن نشعر، أولئك البارعون في خداعنا بنجاحهم . أولئك الذين لم يتقنوا فن الخداع أصبحوا "غير واقعيين". السياسة في المجتمعات الشمولية مجرد وسائل ترفيه. الواقعية ، لأنها معقدة، فوضوية ومربكة، تُنفى من عالم وسائل الترفيه الشاملة. الكليشيهات والصور النمطية ورسائل النهضة المطمئنة وتهنئة الذات، جنباً إلى جنب مع المشاهد المتطورة ، تحل محل الخطاب الواقعي. كتب Neal Gabler في كتابه "الحياة: الفيلم: كيف غزت وسائل الترفيه الواقع": "اعتبرت وسائل الترفيه ممثلة للديمقراطية، وتم إبعاد السلاسل المزعومة للقمع الثقافي وهكذا أيضاً الاستهلاك، وأُبعدت سلاسل الثقافة الموجهة وسُمح لأي شخص اختيار طريقه الى خياله. و في النهاية، تقدم وسائل الترفيه و الاستهلاك في كثير من الأحيان نفس السم: محض متعة لا نهاية لها وتحرر من العقل، من المسؤولية، من الطبقة ومن جميع الارتباطات الأخرى التي تكبح الذات ".
تتكسر المزيد من المجتمعات ويتوسع الفقر، والناس أكثر قلقاً وخوفاً وتتراجع عن خداع الذات. وُصف أولئك الذين يتحدثون عن الحقيقة، سواء عن تغير المناخ أو نظامنا مقلوب الشمولية ، بأنهم يثيرون الفتنة وغير وطنيين. وسوف يكونوا مكروهين لتدميرهم " الوهم". هذا، كما لاحظ Gabler ، هو خطر المجتمع الذي تهيمن عليه وسائل الترفيه. مثل هذا المجتمع، كتب يقول: "... سيطرت الغايات المفلسة عند المثقفين على القيم العزيزة ". وكان هذا الموضوع انتصار للحواس على العقل، والعاطفة على المنطق ، والفوضى على النظام، والهوية على الأنا العليا. ... كانت وسائل الترفيه أسوأ كابوس عند أفلاطون. انها تخلع الرشيد وتنصب المثير وبذلك تخلع الأقلية الفكرية وتنصب الأغلبية غير المهذبة ".
يقلل اليأس والعجز من المرونة العاطفية والفكرية اللازمة لمواجهة الواقع. ويتم التشبث بالأشكال المسلية من خداع الذات الذي تقدمه النخب الحاكمة. هذه الشريحة من السكان يتم بسهولة تحشيدها نحو "تطهير" البلاد من المنشقين و" الملوثات " البشرية .لا تفتقر الأنظمة الشمولية، بما في ذلك بلادنا ، للمستعدين ليكونوا جلادين.
لن يستيقظ كثير من الناس، وربما معظم الناس، وهؤلاء المتمردين الذين يتصدون لمحاولة عودة السلطة للاستبداد سيتلقون ليس فقط عنف الدولة، ولكن الكراهية والعنف والاقتصاص من ضحايا الاستغلال الموهومين. وتشوّه نظم الدعاية بلا هوادة صورة أولئك الذين يقاومون، جنباً إلى جنب مع المسلمين، العمال غير الشرعيين، نشطاء البيئة، الأمريكيين من أصل أفريقي، المثليون جنسياً، النساء والمثقفين والفنانين أولئك الذين يعرقلون السم أو يحاولون إزالته ،. وتضمن أنظمة الدولة للدعاية أتباعها ،. يتبع Donald Trump هذا السيناريو.
أوضح المحلل النفسي الألماني وعالم الاجتماع Erich Fromm في كتابه "الهروب من الحرية" توق أولئك التافهين "للتنازل عن حريتهم. وتعمل" النظم الشمولية"، كما أشار مثل الطوائف الدينية المتعصبة.
كتب Fromm : يسعى "الفرد الخائف "،لربط نفسه بشخص أو شيء ما ؛ ولا يستطيع أن يكون أناه الذاتية الخاصة لفترة أطول، ويحاول بشكل محموم التخلص منه ليشعر بالأمن مرة أخرى عن طريق القضاء على هذا العبء، "الذات ".
هذا هو العالم الذي نعيش فيه. استخدمت الأنظمة الشمولية في الماضي رموزاً مختلفة، ومخاوف مختلفة. لقد صعدوا من سياق تاريخي مختلف. لكن رغبتهم في تجريح الضعفاء والمضطهدين قوية. ويعدون المحرومين بالقوة اذا انتموا إلى الديماغوجيين، أو الأحزاب أو المنظمات الأخرى ولا يوفون بوعدهم . ويؤدي الإحباط المتزايد، والعجز المستمر، والقمع المتصاعد، بهؤلاء الأفراد للمهاجمة بعنف، في البداية ضد الضعفاء ، وبعد ذلك للذين يفتقرون إلى النقاء الإيديولوجي الكافي. هناك، في النهاية، موجة من التضحية بالنفس. غريزة الموت، كما يفهمها سيغموند فرويد، لها جاذبية مغرية.
قد لا يعيد التاريخ نفسه ، ولكنه يحاكي نفسه. الطبيعة البشرية، بعد كل شيء، ثابتة . سنرد بشكل لا يختلف عن أولئك الذين سبقونا. وهذا لا ينبغي أن يثنينا عن المقاومة، ولكن سيكون النضال طويل وصعب. و قبل أن ينتهي سيكون هناك دماء في الشوارع.
مترجم
Chris Hedges