تفكيك الأبنية المعرفية لمقاربة يوسف زيدان والأقصى

حاتم الجوهرى
2015 / 12 / 26

(رد النماذج السياسية والتاريخية والدينية)


مؤخرا أثار د. يوسف زيدان الرأى العام بمقاربته حول قداسة المسجد الأقصى فى فلسطين بالنسبة للمسلمين، من خلال تأويله إحدى الروايات التاريخية التى وردت فى كتب السيرة، ليؤكد على وجهة نظر سياسية فى قضية الصراع العربى الصهيونى.. وهو ما أثار حفيظة الكثيرين على المستوى السياسى والتاريخى والدينى، ودفعهم للتشكيك فى الدوافع الحقيقية لدى د.يوسف زيدان لإثارة مثل هذا الموضوع وبهذه الطريقة، فى حين يواجه الفلسطينيون أوضاعا صعبة إقليمية ودولية وينتفضون فى وجه جلادهم.

رواية المسجدين الأقصى والأدنى بالجزيرة:

قام د.زيدان بإعادة تأويل رواية تاريخية وردت فى كتب السيرة (رواية عن وجود مسجدين يحملان صفة القرب والبعد أو الأقصى والأدنى بالنسبة لمكة داخل شبه الجزيرة العربية)، لينفى سمة دينية وقداسة المسجد الأقصى بفلسطين بالنسبة للمسلمين، ليستدل بذلك على رأى سياسى قد يشى بقبول الصهيونية وسيطرتها على فلسطين والقدس، بدافع قد يبدو إنسانى مناطه السلام والتعايش!

نقد مقاربته وتفكيكها معرفيا:
والحقيقة أن د.زيدان ضرب مثالا على المفكر الشامل الذى يستطيع مقاربة الظاهرة الإنسانية بوصفها ظاهرة متكاملة، يتداخل فيها السياسى والتاريخى والدينى والإنسانى والفلسفى.. الخ، بصفته عالما موسوعى المقاربة يملك قدرة على فك وإعادة تجميع الأشياء.. لكن يمكن أن يوجه من النقد الكثير لأطروحة زيدان كمقاربة ثقافية للصراع العربى الصهيونى، أخذت البعد الدعائى أكثر من كونها مقاربة لها أعمدة واضحة يمكن أن تصمد فى وجه النقد والرد.

أولا: الرد التاريخى لمقاربة زيدان
(رواية فى مقابل رواية)

على عكس ما قد يعتقده د.يوسف زيدان، فإن أضعف الحلقات فى بناء نموذجه المعرفى لمقاربة المسألة، هو البعد التاريخى، فاختصارا اعتمد زيدان على رواية بعينها (وجود تسمية لمسجدين بالأقصى والأدنى فى شبه الجزيرة العربية) ، تؤكد وجود المسجد الأقصى المبارك والمقدس عند المسلمين فى شبه الجزيرة العربية، وليس فى فلسطين..!
وهذه الرواية يمكن دحضها بسهولة، باستخدام نفس المنهج التاريخى، عن طريق العديد من الروايات التاريخية الأخرى التى تنفيها وتؤكد على موقع المسجد الأقصى المبارك فى فلسطين، منها رواية وواقعة "مسجد القبلتين" فى المدينة المنورة (بعد تغيير قبلة الصلاة من المسجد الأقصى للمسجد للحرام بمكة، وتغيير المصلين لوجهتم، وهو ما كان ليحدث لو كان المقصود المسجد الأقصى الذى فى الطائف، لأن الطائف والمسجد الأقصى المذكور بها يقعان فى نفس الوجهة بالنسبة للمدينة المنورة جنوبا، وبما كان لا يستلزم تغيير القبلة، ووجود قبلتين!)
وهناك العديد من الروايات الأخرى والأحداث الأخرى التى وردت فى كتب السيرة حول "المحاججة" بين عرب قريش وبين الرسول (ص) عن إعجاز سفره من الجزيرة للشام فى غضون ليلة، وهم يقضون فيها رحلة طويلة، ووصف المسجد الأقصى أو المبنى الذى كان متعارفا عليه فى ذلك الحين.. ولا يستطيع د.زيدان أن يشكك سياسيا فى روايات المحاججة بين الرسول وأهل قريش، لأنه حينها لم يكن هناك من سبب سياسى يدعو لذلك.

ثانيا: الرد السياسى فى مقاربة زيدان
(مركزية عربية فى مقابل مركزية صهيونية)

تبدو المعادلة عند د. زيدان على المستوى السياسى وتقوم فى بناء مقاربته، على وجود وجهة نظر سياسية يدعمها دليل أو شاهد! فالكلى أو الرئيسى هنا هو وجهة النظر الفكرية أو الفلسفية، والظرفى أو العابر هو الشاهد أو الدليل.! أراد د. زيدان التأكيد على وجهة نظر ما فى فكرة التعايش وقبول العرب للاحتلال الصهيونى كأمر واقع، وربما رأى أن البعد الدينى للصراع الذى يتمركز حول الهيكل اليهودى أو الأقصى الإسلامى، لابد من حله بطريقة ما، حتى يستقيم طرحه فى التعايش، فاختار تفكيك الرواية والشاهد العربى الدينى، فى مقابل التأكيد على الرواية والشاهد الدينى اليهودى!
حيث قرر الخروج بتأويل ينزع القداسة عن أقصى فلسطين، ليفكك به واحدة من مشكلات الصراع والتسوية السياسية التى يراها فكريا ومن وجهة نظره، والتى هى بالمناسبة حق أصيل له، ولكن عليه فى المقابل أن يقبل النقد والمراجعة والرد. وإن كانت هذه المقاربة السياسية بتفكيك الدينى لصالح الصهيونية، قد تدل على رغبة عارمة ومسبقة فى التأكيد على وجهة النظر السياسية ليوسف زيدان بغض النظر عن وسائل وشواهد ذلك.. يمكن القول أن مقاربة الصهيونية لاحتلال فلسطين، ليست كما يتخيل د.زيدان تقوم على فكرة التعايش، بل هى فكرة تقوم على الهيمنة وسلب مقدرات الوجود العربى والفلسطينى، ومهما حاولت أنت التنازل أو تفكيك بنيتك الذاتية بمستوياتها المختلفة، فلن يقبل هو – بالطبيعة- سوى بسلبك كل وجودك ، وتحويلك إلى حجر فى بنائه.
ويكون الرد على مقاربته السياسية؛ هو وجود بديل أكثر منطقية من طرحه السياسى وروايته التاريخي وتأويله الدينى، فالمقاربة السياسية التاريخية التى كان يمكن لزيدان أن يعتمدها هنا، هى على عكس ما فعل تماما، وهى أن يحول العرب لمركز والصهيونية لطرف! بأن يستشهد مثلا أن قبائل بنى إسرائيل التاريخية تعد إحدى البطون للقبائل العربية التى استوطنت العراق قديما، وعبرت إلى الشام، وتحولت إلى جماعة فى مصر، وإلى دولة فى فلسطين! فيمكنه وصفهم فى هذا السياق: بـ "القبيلة العربية التائهة"، التى عليها أن تندمج فى محيطها العربى وتتخلى عن أطروحات المواجهة والسيطرة، سيطرة الجزء على الكل.. يمكنه أن يدعوها للذوبان فى المحيط العربى كبديل سياسى يرسخ لاعتناقه فكرة السلام والتعايش، كان عليه أن يدعوها للتخلى عن أفكار مركزيتها وهيمنتها على العرب، ومحاولة سلب مقدراتهم الكامنة والمستقبلية.

ثالثا: الرد الدينى فى مقاربة زيدان:
(تجاور القداسة، وفصل السياسى عن الدينى)

على مستوى البعد الدينى، هرب زيدان من مواجهة المعضلة الأوضح والأبرز، وكذلك هرب منها معظم من ردوا عليه إن لم يكن كلهم! هرب زيدان من مواجهة التفسير والموقف الدينى من الوضع الحالى للمسجد لأقصى والبقعة المقدسة بكاملها بالنسبة للأديان السماوية الثلاثة الكبرى! إذا نظرنا للأمر من وجهة النظر الدينية سنجد أن الأطر الكلية لمقاربة المسألة دينيا تدور فى المحاور التالية:
- أسرى بالرسول الكريم (ص) لبقعة كانت لها القداسة من قبل بالفعل.
- يؤمن المسلمون بأنبياء بنى إسرائيل عليهم جميعا السلام، وهناك عبادات أقرت على المسلمين اقتفاء لأثر النبى موسى عليه السلام.
- علاقة اليهود بالمسجد الأقصى والبقعة المباركة قبل الإسلام تكاد تكون مثبتة فى عقيدة المسلمين.. وباعتبار أن أنبياء بنى إسرائيل عرفوا هذه المنطقة المقدسة قبل المسلمين ومارسوا فيها شعائرهم.
- يمارس اليهود طقوسهم الدينية عند ما يسمى بـ "حائط البراق" منذ فترة طويلة وبعد تخريب الهيكل.
- المسجد الأقصى بشكله الحالى، ورد فى الأثر والروايات التاريخية أنه بنى فى العهد الأموى.
- حين استلم عمر بن الخطاب مفاتيح القدس، وجد بعض المخلفات فى البقعة المقدسة، ورفعها.
- يحاول اليهود البحث فى المنطقة عن حفائر تدل على الهيكل الدينى القديم الخاص بممارسة شعائرهم الدينية.
نستنتج مما سبق أن ما هو مقدس واقعيا عند اليهود هو "حائط المبكى" حيث يقيمون الشعائر حوله، وما هو مقدس عند المسلمين هو البناء الذى أصبح متعارفا عليه بالمسجد الأقصى والذى بنى بشكله الحالى فى العهد الأموى، كما للمسيحيين بالمكان كنيسة القيامة! إذن استقرت المقدسات الدينية عند الأديان الثلاثة فى البقعة المقدسة فى ثلاثة أماكن مختلفة وتجاوروا لا تنازع بينهم!

من طرف المشكلة فى علاقة الدينى بالسياسى؟ حفائر الصهيونية!

وتصبح المشكلة الآن فيمن يحاول البحث عن أدلة تاريخية تؤكد حقه فى الاستيلاء على كامل المكان وسيطرته السياسية عليه! العرب لا يخلطون الدينى بالسياسى د.يوسف! العرب واليهود والمسيحيين مستقرة أماكن شعائرهم فى البقعة المقدسة! لكن الذى يخلط الدينى بالسياسى هم يهود الصهيونية، الذين يحاولون البحث عن وجود تاريخى فى كامل البقعة المقدسة وينقبون أسفل المسجد الأقصى ليثبتوا حقهم فى طرد المسلمين والعرب وربما المسيحيين العرب بالمرة!
الرد الدينى الذى كان يمكن للدكتور زيدان أن يعتمده ويصبح أكثر موضوعية؛ هو استقرار أماكن المقدس الدينى فى الديانات الثلاث، وحق الجميع فى التجاور، والوجود بالبقعة المقدسة بـ"حائط المبكى" وبـ"المسجد الأقصى" وبـ"كنيسة القيامة"، وانه يجب الفصل بين ما هو سياسى تسعى من خلاله الصهيونية للسيطرة على المكان وفرض هيمنتها عليه، وإزاحة الآخر العربى المسلم وربما المسيحى!

خاتمة: بناء الذات أم الاستلاب للآخر
نعيش فى مرحلة شديدة الارتباك تاريخيا، نعانى من غياب النمط والمشروع الحضارى الذى تلتف حوله البلاد والمنطقة العربية وتواجه به العالم، ويرى المعظم الأزمة ومدى تدهور الحال، ويكون من الواجب على أصحاب العقول الإدلاء بما لديهم من أفكار وتصورات للخروج من المأزق الراهن للوجود العربى فى مواجهة العالم! لكن المقاربة التى قدمها د.زيدان فى إطارها الكلى بعد تفكيك أبنيتها الجزئية تقوم على "الاستلاب" للآخر وقبول هيمنته فى مقابل تهميش الذات وسحقها والدعوة لذوبانها فى الآخر.
ربما تكون النية عند د.يوسف زيدان هى البحث عن مخرج ما من أزمة حضارية وتاريخية ألمت بالعرب والبلاد، ولكن الذى يطرحه د. زيدان ليس سوى لب الهزيمة والانسحاق فى ذيل الآخر.
كان الأولى أن يقدم قراءات فلسفية ومعرفية لعلاقة الثورات العربية الوليدة، بمقاومة الاحتلال، وعلاقة النمط الحضارى الغائب باستعادته من خلال أبنية جديدة تلوح فى الأفق، وعلاقة ذلك النمط الحضارى الكامن بهيمنة الآخر الإقليمى والدولى على المنطقة! كان على د.زيدان أن يهتم ببناء الذات فى مقاربته، لا أن ينشغل بحلول تسلب وجود الذات العربية الكامن/الأزمة، ويدعوها للذوبان فى نمط حضارى آخر تمثله الصهيونية وتفعل كل ما فى وسعها لتبيت المشهد الأزمة وأبنيته، ومنع المستقبل الكامن والمشرق بنمطه الحضارى المنتظر والمقبل.