إلى جَهنَّمَ وبئسَ المصيرِ

 حكمت الحاج
2015 / 12 / 24

ما إن صدرت رواية الكاتب الأمريكي دان براون بعنوان (الجحيم) أو ما يقابلها بالإنكليزية Inferno، حتى ظفرت برأس قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في بريطانيا.
وينعم السيد براون الآن بحرير الشهرة ونعومة المال الوفير، ويجني من الأرباح ما سيؤهله للتفرغ تماما لإنجاز كتابه القادم، وهو في آخر انسجام وهدوء وراحة بال، ناهيك عن بعض الإزعاجات الجميلة، والتي لابد منها من قبيل حوار هنا ومقال هناك ولقاء متلفز على أعتى القنوات، ومحادثة على موجات إذاعات ال أف أم، وجدول طويل عريض لمحاضرات سيلقيها في جامعات عالمية عريقة.
ورواية (الجحيم) التي كم أتمنى لو أنها أخذت عنوان (جهنَّم) في حال ترجمتها للعربية، تندرج تحت مسمى أدب الغموض والإثارة، وهي الكتاب الرابع ضمن سلسلة بطلها شخصية البروفيسور روبرت لانغدون، الأستاذ في جامعة هارفارد، بعد كل من: ملائكة وشياطين، وشيفرة دافينشي، والرمز المفقود. 
ولقد قلت أفضّل عنوان (جهنَّم) بدلا عن (الجحيم) وذلك باعتبار البعد الديني لمرجعية عنوان الرواية في الثقافة الغربية المعاصرة، إذ إن عنوان رواية دان براون ما هو إلا رجع صدى لعنوان الجزء الأول من القصيدة الملحمية الكبرى الكوميديا الإلهية، التي ألفها دانتي أليغييري في القرن الرابع عشر. ويرى الكثيرون بأنها من أفضل الأعمال الأدبية على المستوى العالمي.
تلقي الملحمة الشعرية نظرة خيالية بالاستعانة بالعناصر المجازية على وصف الجحيم بحسب المفهوم المسيحي والتي تأثرت بفلسفة القرون الوسطى، وكان لها تأثير على تطور الكنيسة الغربية الكاثوليكية. ففي الجحيم، حيث مكث يومين، يصف دانتي عذابات من أدخلوا الجحيم بسبب معاصيهم خلال حياتهم ويتعرض إلى تفاصيل التعذيب والآلام التي ستصيبهم. ويعتبر دانتي الجحيم مركز الأرض والمنطقة الضرورية لحشر الأشرار وتهيئة الجو لصعود الأتقياء إلى المطهر. ومن ثم إلى الجنة. ويعد جزء الجحيم أو جهنم الأشهر في هذه الملحمة الخالدة.
وعلى المستوى الاستعاري، فالكوميديا الإلهية لدانتي تمثل رحلة الروح نحو الله، من الجحيم، مع التأكيد على الاعتراف ورفض الخطيئة.
وفي ثقافتنا العربية المعاصرة، حاول البعض من الباحثين الجادين أن يقنعوا ويقتنعوا بأن دانتي قد استفاد من رسالة الغفران لأبي العلاء المعري أو من رسالة التوابع والزوابع لابن شُهيد الأندلسي، ولكن دون فحص للأسانيد، ودون عقد مقارنات وافية ممنهجة ما بين نص دانتي ونصوص المؤلفين العرب.
في الرواية هذه، يستيقظ روبرت لانغدون ليرى نفسه في المستشفى مع جرح في رأسه وفقدان تام لذاكرة الأيام القليلة الماضية. وبينما هو يسير في حرم الجامعة، سرعان ما يدرك أنه الآن في فلورنسا. أحد الأطباء يقول له انه تعرض لارتجاج في المخ ويروي تفاصيل دخوله إلى المستشفى، وبعد تفصيلات دقيقة يشك روبرت لانغدون بأن حكومة الولايات المتحدة تريد قتله. وفي فلورنسا يجد روبرت حاوية فيها أسطوانة تنتمي للقرون الوسطى وفيها نسخة معدلة من خريطة جهنم. في الجزء السفلي ثمة عبارة تقول "لا يمكن معرفة الحقيقة إلا من خلال عيون الموت". ومنذ تلك اللحظة يبدأ التشويق ولعبة شد الأنفاس ما بين القارئ والرواية.
كان والد بروان يعمل مدرسا للرياضيات وقد فاز بالعديد من الجوائز، أما والدته فكانت محترفة للموسيقى الدينية، وهكذا نشأ دان في بيئة تجمع بين العلم والدين. تزوج دان من بلايث وهي أستاذة في علم تاريخ الفن ورسامة، وكثيراً ما ترافقه في رحلاته الاستكشافية ورحلات البحث التي يقوم بها والتي كان آخرها في باريس، حيث قضيا بعض الوقت في متحف اللوفر بشأن أمور تتعلق بروايته شيفرة دافينشي.
لم يكن الطريق سهلا أمام دان براون لكي يرتقي قمة المجد والشهرة والمال. فبعد أن تخرج في جامعة آمهيرست، حيث عمل لبعض الوقت كمدرس للغة الإنكليزية، عمل أيضا كعازف موسيقي وكمغني بوب لعدة سنوات وله في ذلك المضمار أكثر من أسطوانة غنائية، قبل أن يوجه كل طاقاته إلى الكتابة. ولشغفه بفك الشفرات وأسرار المنظمات الحكومية، ألف أول رواية له بعنوان الحصن الرقمي ونشرها إلكترونيا على الإنترنت، والتي سرعان ما أصبحت الرقم واحد في قائمة أكثر الكتب الإلكترونية مبيعاً.
يجمع دان براون آلاف الصفحات من مئات المصادر والمراجع الورقية والرقمية، ويزور البلدان والمدن والأماكن التي ستدور فيها أحداث روايته، ويدرس كل الخرائط الممكنة والمتعلقة بتلك الأماكن، قديمها وجديدها، تعاونه في ذلك زوجته بلايث، وجيش من الراقنات (الكاتبات على الآلة الطابعة) والمحررين والمصححين والمراجعين، وحتى بعض الخبراء الأكاديميين وكل في مجال اختصاصه، ليستخلص من كل ذاك الركام المهول ثلاثمائة أو أربعمائة صفحة، هي معمار رواية يمهرها بقلمه لتأخذ طريقها إلى قائمات الكتب الأكثر رواجا ومبيعا عبر العالم.
الجدير بالذكر أن دان بروان عندما سُئل عن كونه مسيحياً، أجاب: "نعم. فإذا سألت ثلاثة أشخاص عن معنى كون المرء مسيحياً فستحصل على إجابة من ثلاث: بعضهم يعتقد أن المعمودية تكفي لأن يكون الشخص مسيحياً، والبعض يعتقد بحتمية قبول الكتاب المقدس على أنه حقٌّ مُسَلَّمٌ به، بينما يعتقد البعض الآخر بوجوب قبول المسيح كمخلص شخصي للحصول على الخلاص، وإلا ذهبت إلى الجحيم. أنا اعتبر نفسي دارساً لعدد من الأديان وكلما تعلمت المزيد، زادت أسئلتي".
لكن النقاد اعتبروا إن إجابته تلك هي إجابة مرواغة إلى حدٍ ما.
نجحت روايات دان بروان في الوصول إلى السينما. وأنتجت هوليوود فيلمين سينمائيين عن روايتين لدان بروان، هما "شيفرة دافينشي" و"ملائكة وشياطين"، وهما من بطولة النجم الأكثر شهرة وجوائز، توم هانكس.
وسلِّمْ لي على الروائيين والممثلين العرب!

لندن ـ المملكة المتحدة