أنا والرقّة, قبل ان يغزوها الدواعش ... شريط الذكريات

حمزة رستناوي
2015 / 12 / 21

في صيف 1999 شاءتِ الأقدار أن أشدّ الرحال إلى مستشفى الرقة الوطني لأعمل كطبيب متدرب هناك , لم أكن أملكْ أي تصوّر مسبق عن الرقة عدا كونها احدى محافظات سوريا الأسد , سوريا الاستبداد و الكآبة , و كذلك صورة نمطية سمعتها من جِواري بكونها ( محافظة متخلّفة ) و أنّ سكانها من الشوايا و البدو! صورة نمطية لم أكن مؤمنا بها أساسا, فالشعب السوري يملك بطبيعة الحال هكذا تصورات تجاه بعضه البعض, و هي تصورات تنمو في عهود الاستبداد حيث تنغلق المجتمعات على بعضها بفعل الجهل و الخوف و العصبية. حال وصولي الى مديرية الصحة اصطدمتُ بالبيروقراطية الادارية و فساد مديرية الصحة آنذاك, أتذكر جيدا الحاج ابراهيم.. و هو رجل اربعيني بقيتُ يومين و أنا ابحث عنه فقط لتوقيع ورقة ..كان مواظبا على صلاة الظهر, بيدهِ مسبحة و يكثر من التسبيح. و أتذكّر جيدا موظفا فاسدا كنيتهُ الصعيّد أسنانه البيضاء الكبيرة اللامعة تذكرني بأسنان المنشار, يأكل الرشاوى على الطالع و النازل! و هذا متوقّعٌ جدا في سوريا الأسد . و لدى بدأ عملي في قسم الطوارئ أنداك لفتَ انتباهي جمال اللهجة الفراتية و استخدامها لكلمات و تعابير أسيرة على القلب, مرة جاءتني امرأة تريد أن تأخذ حقنة عضليّة ( أتت بها من خارج المشفى) و رفضتُ طلبها, فقد كان هذا ممنوعا وفقا لقوانين المشفى و لكنّها توسّلتْ طلبها بكلمة: قُرُبَانَكْ يا دكتور! ( تلفظ القاف جيم مصرية) فما كان منّي إلا أن طلبتُ من الممرضة اعطائها الحقنة بلا تردد, بعد فترة ألهمتني هذه الكلمة كتابة قصيدة عنوانها ( القربان) و من التعابير الجميلة كذلك ( راعي البيتْ) كناية على الرجل ربّ الأسرة. و ما أسرني في الرقّة كذلك طيبة أهلها و بساطتهم و كذلك وجود أريحية كبيرة في التعامل معهم و اقامة صداقات و علاقات اجتماعية طيبة , و أنا أكتبُ هذا المقال بعد خمسة عشر عاما قد يكون الرقاويون هم من أكثر أصدقائي حتّى الآن! عندما قدمتُ الى الرقة كنتُ حديث العهد بكتابة الشعر نشرتُ فقط بضع قصائد في دوريات سورية, بدأ احتكاكي بالوسط الادبي في الرقة من خلال القاص عبداللطيف الجاسم, و سرعان ما تعرّفتُ بعدها على الشاعر المرحوم عبد اللطيف خطاب و الشاعر حسام الفرا, الشاعر عايد سراج و الشاعر ابراهيم النمر و القاص يوسف دعيس ( أبو محمد) الذي كنّا نلتقي عند استديو التصوير الضوئي الخاص به و الذي كان بمثابة جمعية أدبية مصغّرة, و انخرطتُ بعدها في الوسط الادبي في الرقة. شهدتْ قاعة المركز الثقافي ( القديم ) في الرقة أوّل أمسية شعرية لي , و نشرتُ بضع قصائد و مقالات في جريدة صوت الرافقة الصادرة عن مديرة الثقافة هناك, كنّا نلتقي بشكل شبه يومي في مقهى الفنان التشكيلي الراحل ياسين الجدوع برفقة القاص/ الروائي ماجد العويد و الشاعر باسم القاسم و الصديق ( المختار) نجم الدرويش و كان من عادة الدكتور عبد السلام العجيلي أن يأتي الى مقهى ياسين الجدوع عقب صلاة العشاء حيث كنّا نستمتع الى أحاديثه المُقتصدة و الرصينة, كان المرحوم ياسين يقيم معرضا شبه دائم في المقهى , لرسوم سريالية بقلم الرصاص على الكرتون, رسوم أشبه برسومات سكان الكهوف أو خربشات طفل صغير.. رسوم تثير الكثير من التساؤلات و تبعثُ على القلق. كان ياسين الجدوع عصبي المزاج لا تتناسب شخصيتهُ مع ادارة المقهى , فكثيرا ما كان يلزمنا – نحن أصدقائه- بشرب شاي أو قهوة سيئة التحضير.. و أحيانا يدخل في معارك كلامية و عراك مع المقهى المجاور الذي كان لأقرباءٍ له, و مع ذلك كان قريبا الى نفسي.
لاحقا التقيتُ بكوكبة من المثقّفين الرقاويين في مقهى الواحة المُجاور, حيث كان مقهى ثقافي بامتياز, التقيتُ بكوكبة من المثقفين الذين كان لهم تأثيرا كبيرا على شخصيّتي و تجربتي الأدبية, منهم الشاعر ابراهيم الزيدي و القاص/ الروائي محمد الحاج صالح و و القاص/ الروائي ابراهيم العلوش و القاص الروائي محمد جاسم الحميدي و القاص تركي رمضان و القاص المرحوم معن حسون و لا عجب أنّ جلّهم من القصاصين حيث كانت الرقة في حينها تلقّب بعاصمة القصة القصيرة في سوريا , و وفقا لإحصائية اجراها الدكتور نضال الصالح كان عدد المجموعات القصصية المطبوعة لأدباء رقاويين يتجاوز السبعين مجموعة آنذاك. تعرّفتُ هناك الى كوكبة من الفنانين التشكيليين عن طريق صديقي حسام دويدري المدرّس في معهد الفنون, كان شابا طيب الخلق عابثا فاجأنا لاحقا بكتابة وصيّتهِ والالتحاق بقتال الغزو الأمريكي في العراق, عادَ مُحبطا كافرا بالعروبة و الأيديولوجيات! تعرّفتُ الى المرحوم محمود غزال و النحات موسى الرمو و هاشم الالوسي الذي أهداني لوحة غلاف مجموعتي الشعرية ( ملكوت النرجس) . صادف وجودي هناك بدايات ما عُرف لاحقا بربيع دمشق, و هناك تعرّفتُ على مجموعة من المثقفين و السياسيين المعارضين للديكتاتورية أمثال د. اسماعيل الحامض ( مختطف من قبل داعش ) و خليل حمسورك و الشاعر معاذ هويدي و أحمد مولود طيار و د. محمود صارم و محمد غانم و د. محمد الحاج صالح غيرهم ..و كانتِ المرّة الأول التي أتعرّف فيها على معارضين من غير الخلفية الاسلامية, أتذكّر يوم خرجنا في مظاهرة جابتْ شوارع الرقة تضامنا مع أهلنا في مخيم جنين , مظاهرة حقيقية من دون صور أو شعارات ( الآب القائد ) و بهتافات مُحرجة للنظام الأسدي , مظاهرة فاجأت الحزب و أجهزة الأمن..
ما لفتِ انتباهي في الرقة أنداك وجود هذا الكم الكبير من المبدعين المُهمّشين في منطقة نائية , و كذلك لفت انتباهي حضور الحريات الاجتماعية في مدينة الرقة سواء من جهة مشاركة و لباس المرأة أو من جهة تناول المشروبات الكحولية في أماكن مفتوحة و مغلقة, و لم يكن أثر لظاهرة النقاب في الرقة, و هذا لم يكن حاضرا على سبيل المثال في مدينة إدلب أو حماة آنذاك. و لم يكن يخطر على بالي أنّ هذه المدينة ستتحول الى ( عاصمة دولة الخلافة الاسلامية في الشام)!! الآن و أنا استحضر ذكريات عمرها خمسة عشر عاما.. لقد تحوّلتْ الرقة الى مقبرة يستبيح سمائها طيران العالمين قصفا, و يستبيحها خفافيش الظلام الدواعش أرضا, و الغالبية العظمى من أصدقائي هناك غادروها...لتبقى مدينة الرشيد شاهدة على موتها , و ليس ثمّة هارون في حديقة الرشيد!!