خطوط عريضة لتقدير الموقف في مصر

مصطفى مجدي الجمال
2015 / 12 / 13

خطوط عريضة لتقدير الموقف في مصر

أزعم أن الكثير من اليساريين المصريين لا ينطلقون في صياغة مواقفهم و"خططهم" السياسية والطبقية من تقدير موضوعي ملموس للموقف الحالّ في وطنهم وإقليمهم وعالمهم، وفي الحيز الزمني المنظور، وإنما ينطلقون من تصورات شبه ذهنية لذلك الواقع أو أجزاء منه، أو من منطلقات نظرية أو قياسًا على تجارب أخرى سابقة، والأسوأ: الانطلاق من مواقع الإرادة والحماس النبيل فحسب.

قد تكون التوجهات الاستراتيجية واضحة ومتفقًا عليها، لكن المواقف التكتيكية كثيرًا ما تكون متباعدة، لذات السبب سابق الذكر، فيضيع جهد كبير في اجتهادات خاطئة، ويُهدر وقت ثمين في مجادلات بين أنصار التكتيكات المتناقضة، وحتى لو كان أحدها هو الأصوب فإننا نؤذيه ونحدّ من فرص نجاحة بسبب التشرذم والمكايدة ولغة الحوار الهابطة.

كما أزعم أن البعض يخلط أيضًا بين الاستراتيجية والتكتيك، فيدمجهما عنوةً في غلاف من الصياغات "الثورية" البلاغية، وربما مع الكثير من المقتبسات من ثوريين عظام هنا وهناك. وأنا هنا أتحدث عن تكتيكات لا يجوز أن تدوم لأكثر من شهور مثلاً، خاصة في ظل التطورات المتلاحقة والمتقلبة التي تشهدها مصر الآن.

والآن .. لندخل في صلب النقاش.

ماذا يمكن أن نقول عن اللحظة الحالية؟

أهم معالمها:
## إن مصر اليوم تتعرض لموجة عاتية مضادة للثورة، وأهم ما استفادت منه هذه الموجة وما نتج عنها: الخسائر الهائلة التي لحقت بالطبقات الشعبية (في حياتها اليومية المباشرة والمخاوف المستقبلية شبه المؤكدة) منذ 25 يناير 2011، وبالطبع فإن مستويات الوعي عند الطبقات الشعبية قد تجعلها تربط بين هذا التردي وبين الثورة، وأخطاء وجرائم وخيانات القوى الليبرالية والإخوان وحلفائهم، وأيضًا أخطاء الائتلافات الشبابية (المنهارة حاليًا) والقوى الديمقراطية واليسارية والقومية.

## من الواضح أن "جبهة الأمر الواقع" التي تكونت لإنجاز انتفاضة 30 يونيو وأطاحت بحكم الإخوان قد تفككت فعليًا، خاصةً بعد هروب البرادعي وخروج وزارة الببلاوي، والصعود الوقح من جديد لكوادر الحزب "الوطني"، والتوغل المتزايد للقيادات العسكرية الحالية والسابقة في مفاصل الدولة والاقتصاد والمجتمع وحتى الإعلام والثقافة.

## إن النظام الحالي لم يتبلور بعد بشكل نهائي، فمازالت هناك عمليات حثيثة لزيادة وإنقاص أوزان بعض النخب في التحالف الحاكم، وهو ما ينتج صراعات "غير منضبطة" في أحيان كثيرة، الأمر الذي قد يشتبه على بعض المحللين التقدميين فيسارعون إلى استنتاج تغييرات لم تتأكد بعد. ومن الممكن جدًا أن يجري استخدام فعاليات بعض القوى الديمقراطية (من خارج التحالف الحاكم طبعًا) في خدمة هذا الجناح أو ذاك.

## السمة الغالبة على أداء السلطة الحالية هي التركيز على إدارة أزمة النظام، ومن ثم فليس لدى هذه السلطة رؤية شاملة حتى لإدارة المنازعات الداخلية في التحالف الحاكم المضطرب. ومع ذلك يصح القول بأن الخيارات الاستراتيجية الكبرى للسلطة واضحة، أو لم يتغير الكثير منها: ليبرالية اقتصادية مقترنة بالفساد والمحسوبية والتبعية والرضوخ لإملاءات المؤسسات المالية الدولية وتخلي الدولة عن مسئولياتها الاجتماعية وتدليل "اللمستثمرين".. الخ، إلى جانب الارتهان النسبي لإملاءات وضغوط إقليمية ودولية باتباع سياسات دبلوماسية وعسكرية وحتى داخلية قد تضر جزئيًا بمصالح النظام نفسه. ويضاف إلى ماسبق من خيارات، أن أداء النظام ككل بالغ السوء، حتى في خدمة مصالحه طوية الأمد، ناهيك عن محاولة امتصاص الغضب الشعبي المتصاعد.

## تستغل القوى الخارجية الضاغطة أجنحة داخلية في النظام، ويعتقد قادة تلك الأجنحة من المدنيين والعسكريين (عنان، شفيق، ساويرس، أبو العينين، أبو هشيمة، الأمين..) بأن الاعتماد على الظهير الإقليمي والدولي لهم هو من أهم الأصول التي يجب أن يستندوا إليها. وغني عن القول أن ضغوط بعض القوى الخارجية تستفيد من، وتنسق موضوعيًا مع العمليات الإرهابية التي مازالت قادرة على توجيه الضربات الموجعة جدًا.

## ولعل من أهم أسباب تزايد هذه الضغوط الغربية والإقليمية ذلك التطور الاستراتيجي والنوعي بدخول روسيا الصريح إلى المنطقة (عسكريًا ودبلوماسيًا) بحجم وشكل غير مسبوقين تاريخيًا، فهي نقلة كبيرة تعكس تطورًا مهمًا جدًا ربما يعدّل بعض معطيات النظام الدولي القائم (وقد يسميه البعض بنظام دولي كُتَليّ فوضوي).. ومن المفهوم أن للدولة المصرية مصالح اقتصادية مهمة (السياحة أساسًا) مع روسيا. ويضاف إلي ذلك الاحتياج الشديد في القوات المسلحة المصرية إلى استعواض وصيانة وتطوير السلاح الشرقي المتقادم الذي تملكه، في ظل أوار الحروب الذي يلف المنطقة كلها. وبالطبع فإن "الورقة الروسية" تشكل قوة تفاوضية زائدة لمصلحة النظام في العلاقات مع الغرب الذي يصر على إملاءات معينة فيما يتعلق بالإخوان والإرهاب وتقسيم البلدان العربية والعلاقات مع إيران...الخ.

## لم يتضح للآن مستقبل الصراع الدائر في هذا النظام الدولي/ الكُتَلي الفوضوي، والاحتمالان الغالبان هما: إما أن تصل التفاعلات إلى تبلور نظام "منضبط" للكتل الدولية (روسيا والصين وغيرهما في جهة.. وأمريكا ومعظم أوربا في جهة) تتفق فيه الأطراف على حدود لكل منها (أي تقسيم للنفوذ والمصالح لمرحلة متوسطة فيما يشبه إلى حد ما التقسيمات بين القوى الاستعمارية أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20) وهو ما يعني السماح بحروب إقليمية وأهلية بالوكالة لا تتجاوز حيزها الجغرافي، والعودة إلى صورة منقحة للحرب الباردة .. وإما أن تندفع البشرية نحو صدام رهيب تفجره حماقات غير محسوبة. ومما يغذي الاحتمال الأول أنه لا توجد تناقضات جوهرية بين الطبيعة الاجتماعية للدول على جانبي المواجهة. ولكن الأزمة العامة للرأسمالية وندرة الموارد والانتشار الهائل للأسلحة قد يغري بعض الزعماء والنظم بتجاوز الحدود المقبولة للمنافسة.

## مازالت أرض المعركة الرئيسية للصراع/ النزاع الدولي الحالي، وستظل في الأمد المنظور، هي ذلك الإقليم الذي يتوسط جغرافيًا بين آسيا وأفريقيا وأوربا. وتحاول بعض القوى الإقليمية (تركيا، إيران، إسرائيل، السعودية.. وحتى إثيوبيا) تعظيم أدوارها ومكاسبها (بما في ذلك الطمع في الأراضي والموارد وتوسيع النفوذ السياسي والأيديولوجي) بالاستفادة من رحى الصراع الدائر في الإقليم، إلى حد ينذر باحتمال كبير لأن يُقْدِم هذا النظام أو ذاك على توريط القوى الكبرى في مواقف لا تطيقها في اللحظة التاريخية المَعْنيّة. ومن المخاطر الحقيقة هنا أن يتم استدراج الجيش المصري إلى سوريا أو اليمن أو ليبيا أو غزة، أو أن تستغل إسرائيل حالة ما من الفوضى كي تتدخل في سيناء، أو أن تجري تهجيرًا إجباريًا للفلسطينيين في شمال إسرائيل والتنفيذ الفعلي لتبادل الأراضي والسكان.. وذلك في سياق عمليات مضطرمة لتفكيك وإعادة تشكيل الدول والمجتمعات بالمنطقة.

## رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها السلطة الحالية في مواجهة الإرهاب فإنه آخذ في التغذي على عناصر عديدة من خارج مصر وداخلها، بل إن الإرهاب يتوغل أكثر ومتجهًا من سيناء وحدود ليبيا (والسودان بدرجة أقل) إلى قلب البَر المصري. ورغم اعتقال الآلاف من القيادات والكوادر الإخوانية فإن أعدادًا متزايدة من شبابهم (رغم السخط على قياداتهم وبسببه) أخذت تتجه إلى العمليات المنفردة، وأخذت بعض الفوارق بينهم وبين الجهاديين تضيق وتذوب. كما أن المناخ المواتي لنشر الفكر الإرهابي مازال قائمًا من خلال قوى السلفية "الدعوية"، في وقت تتصور السلطة أن من المهم لها الحفاظ على علاقات تحالف أو مهادنة مع هذا التيار الأخير حتى لا تتسع جبهة المواجهة مع التيارات "الدينية" ككل، وحتى لا يتم إغضاب دول الخليج.

## ويزداد الوضع سوءًا من خلال بعض ممارسات وطروحات المؤسسة الدينية الرسمية، حيث يتبين وجود قاعدة أيديولوجية مشتركة مع الفكر الوهابي، فضلاً عن إشاعة أجواء طائفية وحتى مذهبية محتقنة لم تعرفها مصر منذ أجيال بعيدة. ومن خلال المزايدة على الفكر المتطرف تتم ملاحقة العلمانيين ومحاربة حرية الإبداع، وتتوالى فتاوى تحقير واضطهاد المرأة، والافتئات على حقوق المواطنة للأقباط...

## تعتبر الأزمة الاقتصادية المصرية هي "بيت الداء المميت" للنظام المصري.. ولا داعي لسرد وتكرار مظاهر تفاقم هذه الأزمة من بطالة وركود وانهيار العملة الوطنية واستفحال الديْن الخارجي والداخلي والعجز الرهيب في الموازنة العامة وجمود الجهاز الحكومي وتدهور الخدمات وانتشار أنشطة السمسرة والفساد والاستيلاء على أصول الدولة وسلسلة القوانين والسياسات التي تعتدي- بصفاقة في أحيان كثيرة- على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للطبقات الشعبية والمتوسطة.. إلى آخر القائمة التي لا نهاية لها، وتُترجم في النهاية إلى عذاب يومي غير مسبوق للمواطن المصري..

## وبالطبع كان من الاختيارات الرئيسية للسلطة الحالية الاعتماد على "تفعيل" أدوار الجيش والشرطة والقضاء والإعلام في خدمة توجهات النظام العامة. ولا مراء في أن المواطنين المصريين عامةً قد رحبوا- بعد محنة الإخوان- بعودة الشرطة ولو حتى لفرض الأمن الجنائي، لكن من المؤسف أن عادت أجهزة الأمن سريعًا- وعلى نحو يبدو انتقاميًا- إلى ذات الممارسات السابقة على ثورة يناير من تعذيب في السجون وإهانة المواطنين في الأقسام والشوارع وسوء استغلال النفوذ..

## كما اندفعت السلطة إلى تعظيم أدوار القوات المسلحة والعسكريين في الحياة المدنية، ولم يتوقف الأمر عند حماية الدولة والدستور والرئيس. ويزحف العسكريون السابقون بأعداد كبيرة لتولي الوظائف الحكومية القيادية، مما يثير الضغائن فضلاً عن تراجع الأداء عامةً. ويتم إسناد المشروعات الكبرى إلى أجهزة عسكرية أو مكاتب مدنية يمتلكها عسكريون سابقون، ويقوم هؤلاء الأخيرون بدورهم بإسناد تلك الأعمال (بالمليارات) إلى مقاولين من الباطن وفي عمليات تنقصها الشفافية وشروط الكفاءة. وكذلك تتزايد ظاهرة تعامل بعض دوائر السلطة القضائية كـ "طائفة" مغلقة ومتعالية ومستحقة دون غيرها للامتيازات، وتتدخل في الحياة السياسية إلى حد مزعج. أما الإعلام الحكومي والخاص فقد تردى خطابه، وأصبح يدافع صراحةً عن مصالح جماعات رأسمالية وسلطوية بعينها، ويُمعن في إلهاء المتلقين في صراعات متدنية وبأسلوب غير مهني على الإطلاق.

## كان لما سبق أثره السلبي على صورة الزعيم الكاريزمي التي اكتسبها عبد الفتاح السيسي في الأيام الأخيرة من حكم الإخوان والفترة التي حكمها عدلي منصور. ومن المؤكد أن الأصول التي قامت عليها هذه الكاريزما آخذة في التآكل. بسبب التنصل المبطن والعلني من ثورة يناير ووعودها، وعودة ممارسات نظام مبارك في كل المجالات بسفور كامل أو تعديل شكلي، فضلاً عن تردي الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية للمواطنين. فالرئيس لا يمكن بالطبع أن يتخذ إجراءات جذرية في محاكاة توقعها البعض منه للتحول الذي قام به عبد الناصر من ذمؤتمر باندونج 1955، وذلك لأسباب عديدة، أهمها أنه على الأرجح ليس مؤمنًا تمامًا بالحلول الجذرية في مجالات العدالة الاجتماعية والتنمية والسيادة الوطنية والتنوير. فهو لم يكن بالطبع جزءًا من ثورة يناير، وإنما استمد جُلَّ شعبيته من الدور التاريخي والشجاع الذي لعبه في مواجهة المشروع الإخواني.

## من الواضح للجميع أن غضب الطبقات الشعبية وبعض الشرائح المتوسطة من السياسات المطبقة وما آلت إليه الأحوال والتنصل من الوعود، هذا الغضب يتسع بمتواليات متسارعة، ورغم طابعه العام إلا أنه يعبر عن نفسه في تحركات جزئية وفئوية ما يزال. لكن ستخطئ السلطة خطأ قاتلاً لو تصورت دوام هذه الحال. فمن الممكن جدًا أن تقع انفجارات جماهيرية يعجز النظام عن مجاراتها بأساليبه الحالية، ويضطر إلى انتهاج أساليب مفرطة في القمع تعرضه بدورها لعزلة داخلية وخارجية متزايدة. وهو ربما ما قد يدفع النظام إلى الإسراع في عقد مصالحات مع الإخوان والسلفية الجهادية، بل وحتى حل الخلافات مع الخليج وتركيا.

## تتصور السلطة أنها قد أكملت "خارطة طريق" 30 يونيو بانتخاب البرلمان الجديد الذي يجثم على كراسيه ممثلو الطبقة الرأسمالية الكبيرة التابعة والسماسرة والانتهازيون والرجعيون.. ناهيك عن فئة متزايدة النفوذ ولا تخطئها عين من العسكريين والشرطة السابقين. لكن هذا الإتمام الشكلي للخارطة المذكورة لن ينطلي حتى على القوى الأجنبية. فهو لن يكفي لضمان استقرار النظام، المزعزع بفعل معارضة داخلية مرشحة للاتساع (خارج المؤسسات) والصراعات البينية في النخبة الحاكمة، ناهيك عن الضغوط الخارجية.

وخلاصة التفاعلات المرجحة بين العناصر تنطوي على الأخطار المباشرة والوشيكة التالية:
(1) خطر تفاقم النشاط الإرهابي الذي أضحى من الواضح مدى تداخله مع قوى دولية وإقليمية، ويجد الدعم من مناخ أيديولوجي معادٍ للاستنارة وللآخر.
(2) خطر امتداد الصراعات الإقليمية أو توريط الجيش المصري في معارك خارجية.
(3) الخطر المتعلق بمياه النيل، ما لم تنجح مصر- بوسيلة ما- في التوصل إلى حل يكفل إطالة مدة ملء خزان سد النهضة في إثيوبيا.
(4) خطر انفجارات اجتماعية لا تقودها قوى ثورية، ويعجز النظام عن مواجهتها سوى بتدابير فاشية صارمة، خاصة إذا اقترنت هذه الانفجارات بمخاطر خارجية وإرهابية.
(5) خطر تفاقم الصراعات بين أجنحة و"زعامات" النخبة المدعومين من قوى خارجية مختلفة، والمستندين إلى ركائز معينة في مؤسسات الدولة، خاصة "الانضباطية" منها.
(6) هناك خطر مستبعد حتى الآن، ولكن ليس كل شيء في المستقبل مضمون، والمتمثل في فشل الدولة المصرية وعدم قدرتها على القيام بالحد الأدنى من وظائفها.. أي تعرض الدولة المصرية التاريخية لخطر وجودي، فعوامل تحصينها إزاء تيارات الاقتتال الأهلي والتقسيم في المنطقة لم تعد بذات القوة.

بالطبع يمكن مواجهة هذه التحديات وأكثر لو كان النظام الحاكم من نوع يحسم خياراته بالانحياز إلى الطبقات الشعبية. وهو بالطبع احتمال معدوم الآن. كما أنه لا يمكن لأي نظام أن يفكر حتى في "مداهنة" القوى الثورية بينما طلائعها السياسية المفترضة على هذه الحالة المزرية التي نراها جميعًا.

بوضوح نقول : يستحيل درء هذه المخاطر، ولا إيقاف مضادات الثورة، ولا الخروج من ثنائية الإخوان/ المؤسسة العسكرية.. إلا بتمكن الطلائع الثورية من بناء قواعد شعبية منظمة. وما زال هذا بعيد المنال جدًا.

= فأحزاب اليسار والقوميين والديمقراطيين ممزقة ومنقسمة على بعضها وفيما بينها، وتنكمش عضويتها وقواعدها الجماهيرية، وأصبحت الكلمة العليا هي للخلافات الذاتية والتكتيكية وحتى المصطنعة والمبالغ فيها. أما ائتلافات ثورة يناير فقد تبخر معظمها تقريبًا.
= ولم يعد للفعاليات النقابية (العمالية والمهنية) مواقف عامة موحدة، بل بلغ التشرذم مداه، خاصة وسط النقابات العمالية المستقلة التي تعاني أيضًا من أزمات تمويلية وقانونية وأمنية.
= وحتى على مستوى الزعامات (التي يمكن أن تسد مؤقتًا جزءًا من الفراغ التنظيمي للقوى الثورية) فمن المؤسف القول بأن معظم الزعامات التي قدمتها ثورة يناير غلب عليها الطابع الليبرالي، وتغليب المصالح الشخصية، والتأثر بنفوذ أجنبي أو احتكارات محلية.
= وبينما نعيش عصر ثورة الاتصال، نجد القوى الثورية والديمقراطية لا تملك وسيلة إعلامية واحدة نافذة.
= والأخطر من كل ما سبق هو عجز القوى الثورية والديمقراطية من بناء جبهة عريضة ومتماسكة للحفاظ على مطالب الثورة ومهامها، وردم الفجوات بين "النخب" الثورية والشعب، وتوحيد الكلمة في مواجهة أعداء الثورة، والتصدي للمخاطر المحيقة بالوطن والطبقات الشعبية.

لكن.. أي ثورة ؟

يجب أولاً الاعتراف- دون أي جلد مازوخي للذات- بأن رداءة التنظيم الثوري وتفكك القوى الديمقراطية كانا من أهم أسباب ما جرى لانتفاضة يناير بعد خلع مبارك، ولانتفاضة يونيو بعد خلع مرسي.. فالفراغ لا يملؤه إلا الأقوياء، وقد نجحت القوى المضادة للثورة في ملئه في الحالتين معتمدة على أسلحة ومؤسسات وأموال وإعلام وأيديولوجيا ورموز وظهراء في الخارج..

وهكذا فقد آلت فعاليات انتفاضة يناير إلى التوقف عند منع عودة مبارك أو توريث ابنه، كما آلت فعاليات انتفاضة يونيو إلى منع استمرار الإخوان في الحكم..

أما عن المشروع الثوري نفسه فلم تتحقق منه سوى جزئيات ومكاسب وقتية تم التراجع عن بعضها في وقت لاحق مناسب.

إن مشروعنا الثوري العام في تصور الكاتب هو مشروع ذو أربعة محاور:
أولاً : الحفاظ على السيادة الوطنية وامتلاك القرار الوطني وحماية قواعد الاقتصاد الوطني.
ثانيًا : إقامة دولة ديمقراطية، تكون مدنية وتكفل المساواة مع التمثيل المناسب للطبقات الشعبية والفئات المستضعفة والمحرومة.
ثالثًا : تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة، مع ضرب الاحتكارات المحلية والأجنبية، والحد من الاستغلال والتفاوت الاجتماعي.
رابعًا : الاضطلاع بثورة ثقافية شاملة من أجل الاستنارة والتقدم واحترام قيم العلم والعمل والثقافة الإنسانية المتحضرة.

وربما كان من أهم أخطاء القوى "الثورية" أن بعضها قد ركز في هذه المرحلة أو تلك على أحد تلك المحاور مع إهمال الباقي. وبالطبع لا أقصد التعامل بالتساوي "الحسابي" بينها في كل المراحل، فلا شك أن كل مرحة تبرز فيها أولوية محور أو محورين.. غير أنه يتحتم على القوى الثورية أن تعتصم بتماسك وتداخل المحاور الأربعة.

ويرى الكاتب أن هناك مهامًا عاجلة جدًا يجب وضع برامج تفصيلية للعمل عليها خلال العام المقبل مثلاً، ويمكن اختصارها في:
(1) حماية الدستور من أي محاولات لتعديله باتجاه تقييد أو صورية الديمقراطية، أو التراجع عن الحقوق الاجتماعية الواردة فيه.
(2) حماية مدنية وديمقراطية الدولة، وخاصة التصدي للقيود على الأحزاب والإعلام، وممارسات التعذيب، والتشريعات المنافية للحريات والحقوق..
(3) حماية عاجلة لمستويات حياة وعمل الطبقات الشعبية، ومواجهة الغلاء والاستغلال وضبط الأسواق.
(4) مقاومة شعبية وإعلامية فعالة لمكافحة الفساد والإهمال الحكومي.
(5) حماية بنية الأمة المصرية من أية دعاوى تبث الكراهية والطائفية.
(6) عدم تورط مصر في حروب خارجية تحت معطف القوى الإمبريالية أو الرجعية، مع التأكيد على المواجهة الشاملة للإرهاب، وليس المواجهة الأمنية فقط.

بطبيعة الحال هناك مهام أخرى كثيرة.. غير أنني أظنها الأكثر إلحاحًا.

ولن يتسى تحقيق أي نجاح في هذا المضمار إلا بأحزاب قوية ومنضبطة، وتجميع المتشابه منها في كيانات حزبية موحدة.. فهناك خلافات لا معنى لها.. وهناك خلافات وطموحات ذاتية محضة.. وهو ما يساعد في اتساع ظاهرة النشاط الفردي العصيّ على التنظيم والذي لا يجد في المنظمات القائمة ما يشجعه.

وإلى جانب البناء الحزبي الموحد والعاجل، يجب العمل على إقامة مستويين من العمل الجبهوي:
++ مستوى ديمقراطي ثوري يتفق على برنامج محاور الثورة الأربعة سالفة الذكر.
++ مستوى حول أحد هذه المحاور.

ويجب أن تتسم الأشكال الجبهوية بالبناء من أسفل وأعلى معًا، وبالطابع الجماهيري، وتوحيد الأنشطة الإعلامية والفعاليات الجماهيرية والتثقيفية.

ومن المهم في كل الحالات ابتكار أشكال النضال الجماهيري، وتشجيع الإبداع الشعبي فيها.. مع الاهتمام بإيجاد ما يوحد بين القضايا الجزئية والفئوية والمحلية.

كما يجب على القوى الثورية أن تميز بوضوح بين التكتيك والاستراتيجية، بين الشعارات العملية والشعارات الدعائية.. والأهم ألا تنساق إلى مواجهات صدامية قبل الأوان، ولكن وبالطبع دون الابتعاد عن التحركات الجماهيرية التلقائية، مع الاستمرار في العمل من أجل تنظيمها.