الرأسمالية الشريرة

فضيلة يوسف
2015 / 12 / 12

انتهت تمثيلية قمة المناخ ال21 التي تنظمها الأمم المتحدة ، وانتهت القمم المناخية الماضية ، والخطب الرنانة والإصلاحات التجميلية غير الفعالة. منذ أول قمة منذ أكثر من 20 عاماً، زاد انبعاث ثاني أكسيد الكربون. إيماننا بنخبنا السياسية والاقتصادية، الذين اتقنوا فنون النفاق والدعاية بالشراكة مع قوة الشركات، هو تغليب الأمل على الخبرة. يوجد طرق قليلة للتعامل بصدق مع تغيّر المناخ: العصيان المدني الذي يعطل آلية الاستغلال المستديم؛ الاستعداد للاضطرابات والكوارث التي ستأتي ولا مفر منها نتيجة ارتفاع درجات الحرارة. واختزال انبعاثات الكربون الشخصية، مما يعني تخفيض استهلاكنا من المنتجات الحيوانية.
كتب الدكتور Richard Oppenlander : "حضارتنا" في "اختيارنا الغذائي والاستمرارية"، "تُعرض غريزة غريبة عندما نواجه مشكلة تتعلق بالاستهلاك المفرط، نحن ببساطة نجد طريقة لإنتاج أكثر ، بدلاً من الحد أو وقف الاستهلاك ".
ليس لدى النخب العالمية نية للتدخل في مصادر الأرباح ، أو إنهاء الدعم الحكومي لصناعة الوقود الأحفوري والصناعات الاستخراجية. ولن تحد من استخراج أو فرض ضرائب باهظة للحفاظ على الوقود الأحفوري في الأرض. ولن تحد من الاستهلاك المفرط وهذا هو المحرك للرأسمالية العالمية. يتصرفون كما لو أنهم أكبر مساهم في ظاهرة الدفيئات ومسبباتها من الغازات ، ويستولون على تريليونات من الدولارات، وتوظف الخبرة العلمية والتقنية - التي ينبغي أن توجه نحو التحضير للكارثة البيئية القادمة والاستثمار في الطاقة المتجددة- في شن حروب لا نهاية لها في الشرق الأوسط. ما قدموه لتطوير توربينات الرياح والألواح الشمسية كما يقول الباحث جيمس لوفلوك، يعادل ما قدمه الأطباء في القرن ال18 لعلاج الأمراض الخطيرة بالعلق والزئبق. وبينما تتحدث النخب بالتفاهات عن إنقاذ المناخ فإنها ما زالت تدافع عن اتفاقية أخرى للتجارة ، والشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP)، على رقابنا. تسمح TPP للشركات بتجاهل اتفاقات المناخ غير الملزمة بها في مؤتمرات مثل مؤتمر باريس، وتسمح لهم، في المحاكم التجارية السرية، بتحدي الأنظمة البيئية التي تفرضها الدول على المستوى الفردي.
التكنولوجيا الجديدة للحفر بحثاً عن النفط والسيارات ذات الكفاءة التي لا تستهلك الوقود أو الأغذية المعدلة وراثياً، ليست للحد من الاستهلاك المفرط أو الحفاظ على الموارد. وانما لضمان بقاء الاستهلاك في مستوياته التي لا يمكن تحملها. الابتكار التكنولوجي، المستخدم لبناء نظم أكبر وأكثر تعقيداً، له كوادر من المتخصصين. خبرتهم تقتصر على جزء صغير من الآلات التكنولوجية والعلمية والبيروقراطية المعقدة التي تحركها رأسمالية الشركات للأمام – مثل الآلية البيروقراطية المتخصصة التي قادت الإبادة الجماعية التي نُفذّت على أيدي النازيين. هذا التكنوقراط جزء من، خلية غافلة ضخمة تصنع أي نظام عمل، حتى نظام الموت. إنها تفتقر إلى القدرة الفكرية والأخلاقية للتشكيك في آلة "يوم القيامة" التي ولدّتها الرأسمالية العالمية. وتسيطر عليها.
أنشأ ميل الحضارات إلى الانهيار هياكل ، وتخصصات أكثر تعقيداً، لاستغلال الموارد المتناقصة. ولكن في النهاية سيتم تدمير الموارد أو تُستنفد. وعندها تصبح النظم والتقنيات التي صممت لاستغلال هذه الموارد عديمة الفائدة. يدعو اقتصاديون مثل هذه الظاهرة " تأثير جيفونز ". والنتيجة هي انهيار النظم.
في أعقاب الانهيارات، كما يتضح عبر التاريخ، تتفتت المجتمعات سياسياً وثقافياً واجتماعياً. وتصبح دولاً فاشلة، وتُقفر البؤر الاستيطانية الكئيبة حيث ينهار القانون والنظام ، وهناك جنون التدافع وغالباً العنيف لضروريات الحياة الأساسية وتسود الهمجية.
"وحده القوي ينجو؛ يقع الضعفاء ضحايا السلب، والقتل "، يكتب الأنثروبولوجي Joseph Tainter " عن انهيار المجتمعات المعقدة. "هناك صراع من أجل الغذاء والوقود. ويفتقر كل ما تبقى من السلطة المركزية للموارد اللازمة لإعادة فرض النظام. تنتشر العصابات ، الناجية المشوهة بين أنقاض العظمة. ينمو العشب في الشوارع. ليس هناك هدف أسمى من البقاء على قيد الحياة ".
لا تحل النخب، التي تدربت في كليات إدارة الأعمال والبرامج الإدارية مشاكل حقيقية ولكن تحاول الحفاظ على النظم الرأسمالية العالمية ، بأي ثمن وتربح شخصياً من البطش. يجمعون مبالغ لا يمكن تخيلها من الثروة بينما تستغيث ضحاياهم، والطبقات الدنيا في جميع أنحاء العالم، من ظاهرة الاحتباس الحراري والفقر وانهيار المجتمعات. الجهاز الحكومي، الذي استولت عليه عصابة الشركات، يعادي أي تغيير حقيقي. ويمرر القوانين، كما فعلت في Denton ، تكساس، فبعد أن صوّت السكان لحظر الحفريات في مدينتهم، ولسيطرة المجتمع المحلي على مواردهم الخاصة. تم اضطهاد المعارضين ، جنباً إلى جنب مع نشطاء البيئة وحقوق الحيوان، الذين حاولوا وقف الجنون. لا تعمل النخب لصالحنا. ولا تعمل لكوكب الأرض. إنهم ينسقون الإبادة، و يتقاضون رواتب جيدة مقابل ذلك.
لم يتسبب أحد في تاريخ البشرية، في انقراض جماعي للأنواع النباتية والحيوانية وتلوث التربة والهواء والمحيطات كما يحدث الآن . تتسارع وتيرة الدمار. يقول علماء المناخ أن مستويات البحر، على سبيل المثال، ترتفع ثلاث مرات أسرع مما كان متوقعاً وأن الجليد في القطب الشمالي آخذ في التلاشي بمعدلات لم تكن متوقعة. كتب Clive Hamilton في ( ترتيلة الموت للكائنات الحية) "اذا وصل تركيز ثاني أكسيد الكربون إلى 550 ppm (جزء في المليون) وبعد ذلك انخفضت الانبعاثات إلى الصفر، فإن درجات الحرارة العالمية تستمر في الارتفاع لقرن آخر على الأقل." لقد وصل التركيز بالفعل إلى 400 جزء في مليون، وهو رقم لم يحصل على الأرض عبر 3-5 مليون سنة. نحن نسير على الطريق الصحيح للوصول إلى 550 جزء في المليون على الأقل بحلول عام 2100.
انهيار الكوكب، كما يتوقع سيكون غير خطياً ، وهذا يعني أن مختلف النظم التي تدعم الحياة كما يروي Tainter في دراسته حول انهيار الحضارات، سوف تتفكك في وقت واحد. البنى التحتية التي توزع المواد الغذائية، وتوفر الطاقة لنا، وتضمن أمننا، وستنهار المؤسسات التي تحافظ على القانون والنظام في وقت واحد. و لن يكون هناك الكثير من المرح: ارتفاع في درجات الحرارة، غمر الدول الجزرية والمدن الساحلية. هجرات جماعية. انقراض الأنواع ، العواصف الوحشية، الجفاف، والمجاعات وانخفاض غلة المحاصيل. وستستخدم أجهزة الأمن ، جنباً إلى جنب مع الشرطة العسكرية، أساليب أشد وأقسى لمواجهة الفوضى.
علينا مواجهة الوضع بلا هوادة ، والاعتراف بأننا نعيش في عالم تضرر بالفعل بشدة من جراء ظاهرة الاحتباس الحراري. وهذا يعني رفضنا المشاركة في تدمير هذا الكوكب. ويعني عدم التعاون مع السلطة، وتحدي الاستهلاكية الرأسمالية والنزعة العسكرية والإمبريالية بكل وسيلة ممكنة ، وهو يعني تعديل أسلوب حياتنا، بما في ذلك ما نأكله، لإحباط قوة عازمة على إبادة الحياة على هذا الكوكب.
تمكن رجال الصناعة والزراعة الحيوانية بطريقة مذهلة خنق النقاش العام حول تواطؤ هذه الصناعة في ظاهرة الاحتباس الحراري. تُذكر الماشية ومشتقاتها بالكاد في قمم المناخ. ، أشار Kip Andersen and Keegan Kuhn في كتابهما، "سر الاستدامة"، والفيلم الوثائقي Cowspiracy ، أن 32 ألف مليون طن على الأقل من غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2) التي تنبعث سنوياً، وتشكل 51 في المئة من جميع انبعاثات غازات الدفيئات التي تسبب الانحباس الحراري في جميع أنحاء العالم. ونادراً ما يتم ذكر الميثان وأكسيد النيتروز في محادثات المناخ، على الرغم من أن تلك الغازات مسببة للاحتباس الحراري ، وهما أكثر تدميراً كما يشير المحللون، 86 مرة و 296 مرة على التوالي، من ثاني أكسيد الكربون. وتنتج الماشية، في جميع أنحاء العالم، 150 مليار جالون من غاز الميثان يومياً. وينتج 65٪-;- من أكسيد النيتروز عن الأنشطة المتصلة في الصناعة والزراعة الحيوانية. تستهلك تربية الحيوانات للاستهلاك البشري 45 في المئة من أراضي الكوكب. وتسببت بنسبة 91 في المئة في اختزال غابات الامازون المطيرة، وتصل إلى 80 في المئة من فقدان الغابات المطيرة العالمية عن طريق تسخير الأراضي لرعي الماشية وزراعة محاصيل الأعلاف للحصول على اللحوم والألبان من الحيوانات. وباختفاء المزيد والمزيد من الغابات المطيرة، يفقد الكوكب إحدى الوسائل الأساسية للتخلص بأمان من ثاني أكسيد الكربون. الصناعة والزراعة الحيوانية، هي السبب الرئيسي في انقراض الكائنات الحية وإنشاء أكثر من 95 ألف ميل مربع من مناطق غمرتها المياه النيتروجينية الميتة في المحيطات.
يوفر الشخص الذي يتبع نظاماً غذائياً خالياً من اللحوم ومنتجات الألبان والبيض، 1100 جالون من الماء، و 45 رطلاً من الحبوب و 30 قدم مربع من الأراضي الحرجية، و 20 باوند من CO2، وحياة حيوان واحد كل يوم كما كتب Kip Andersen and Keegan Kuhn .
وقد شجعت هذه الصناعة والزراعة الحيوانية اقرار قوانين في العديد من الدول تجرم المشاركين في الاحتجاجات التي تنتقدها ، ومحاولات الإبلاغ عن المخالفات لجلب انتباه الجمهور إلى الدمار الهائل الذي تحدثه على البيئة ،وأفترض، أن تحدي هذه الصناعة والزراعة الحيوانية سهلاً وهو ان لا نضع في افواهنا المنتجات الحيوانية التي ثبت علمياً أن لها مضار صحية هائلة.
لدينا القليل من الوقت. أولئك الذين سلبوا الأرض ذلك لتحقيق مكاسب شخصية، معتبرين أنهم قادرين على الهروب من المصير الذي سيلقاه الجنس البشري. قد لا نستطيع وقف الاعتداءات ،ولكننا نستطيع عدم المشاركة في الجريمة . جريمة أصنام القوة والجشع الذين يهددون الجنس البشري ، كما حذر الأنبياء في الكتب المقدسة.
يروي Timothy Pachirat في كتابه "كل اثني عشر ثانية" : وكان يعمل في أحد المسالخ أن الريح تحمل رائحة من ما يقرب من ستة ونصف مليون رأس من الأبقار والأغنام والخنازير التي تقتل سنوياً في جنوب أوماها. تنتشر رائحة غثة في المباني في جميع أنحاء المنطقة.
"لقد كانت رائحة المال"، " كانت رائحة المال."
مترجم
Chris Hedges