فرنسا تعود إلى حالة الطوارئ

جلبير الأشقر
2015 / 11 / 28

ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو


بإعلان “الحرب” كانت ردة فعل فرنسوا هولاند على الهجوم الإرهابي الذي ضرب مرة أخرى قلب باريس- تماما كما فعل جورج بوش من قبله بمواجهة “أكبر الهجمات الإرهابية” التي ضربت قلب نيويورك. وبذلك، اختار الرئيس الفرنسي تجاهل الانتقادات الكثيرة لاتخاذه خيار إدارة بوش، على الرغم من أنها تشكل الرأي السائد حيال هذه القضية حتى في فرنسا (وهي وجهة نظر يتشاركها كل من هوبير فيدرين ودومينيك دو فيلبان). وهذا على الرغم من أن النتائج الكارثية لـ”الحرب على الإرهاب” التي شنتها إدارة بوش أعطت كامل الحق لهذه الانتقادات. حيث ذكر سيغمار غابريال نفسه، نائب المستشارة الألمانية ورئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الحزب الشقيق للحزب الاشتراكي الفرنسي، بأن الحديث عن الحرب، هو لعب لعبة داعش.‬

‫في البداية، يمكن لخطاب الحرب أن يبدو ردا كلاميا لتخفيف التشنج: من جهة هو وسيلة للرد على المخاوف المشروعة التي ولدها الهجوم المروع الذي أوقع 130 قتيلا، حتى الآن. مع ذلك، يجب أن نتذكر أن الموضوع ليس مبارزة بين داعش وفرنسا، إنما هجوما- مماثلا للهجوم الذي حصل في أنقرة في 10 تشرين الأول/أوكتوبر وأدى إلى مقتل 102 قتيلا، أو للانفجار الذي استهدف الطائرة المدنية الروسية موقعا 224 ضحية فوق سيناء في 31 تشرين الأول/أوكتوبر، أو للتفجيرَين الانتحاريين، قبل يوم واحد من المجزرة الباريسية اللذين استهدفا الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت حيث وقع 43 ضحية (الرقم الأخير المعروف)، وهي الهجمات الأحدث- يشكل في الدرجة الأولى تداعيا قاتلا للصراع الذي تركته القوى العالمية يتفاقم في سوريا.‬

‫نتيجة مجمل الاعتداءات التي شهدتها السنوات الأخيرة تبدو محدودة مقارنة مع الكارثة الإنسانية السورية. المسألة الأساسية لضفتي البحر المتوسط الجنوبية والشرقية، بالمقارنة مع “قلب الظلام” في وسط أفريقيا، تكمن بأن المآسي التي تصيب الناس هناك عادة ما تمتد فتنال أوروبا، أو حتى الولايات المتحدة نصيبا منها. إن اللامبالاة بآلام الآخرين (بالمعنى العميق لكلمة الآخر)- في تناقض عميق مع ما أسميه “التعاطف النرجسي” (لأولئك الذين يشبهونا)، بعد هجمات نيويورك-ستكون لها عواقب حتميّة على الغرب حين يكون الأمر متعلقا بالشرق الأدنى، وقد تكون عواقبها وخيمة للغاية.‬

‫ولكن خطاب الحرب ليس مجرد مسألة لغوية، بل على العكس من ذلك. فهو يهدف إلى تحويل الاستثناء إلى قاعدة، على العكس ما يعني اسمها. هذا هو حال الحرب التي هي الأطول. و”الحرب” هي أطول لأنها لا تستهدف دولة يحتمل أن تبرم اتفاقية هدنة وسلام، أو استسلام، أو حتى احتلالها وقهرها، إنما “عُداراً” إرهابياً قادرا على تجديد نفسه وزيادة قدرته، كما اتضح من المسار الذي نقلنا من القاعدة إلى داعش مرورا بـ”الدولة الاسلامية في العراق” التي هزمت في الفترة الممتدة بين عامي 2008-2010. وبهذه الحرب، للعدار الإرهابي القدرة للصعود من الرماد لأنه يتغذى من الحرب نفسها. هذه هي طبيعة العدو الذي دفعت العديد من المعلقين النقديين أو الموافقين، عقب هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، إلى القول إن “الحرب على الإرهاب” ستستمر عدة عقود. الأحداث اللاحقة أثبتت أنهم كانوا على حق.‬

‫وبالفعل بدأت النتائج الطبيعية لخطاب الحرب هذا: فقد جرى تمديد حالة الطوارئ التي أعلنها فرنسوا هولاند لمدة ثلاثة أشهر، والتي كانت تقتصر على 12 يوما بموجب القانون المعمول به. وأعلن عن رغبته بتعديل الدستور الفرنسي لزيادة حالات الاستثناء للقواعد الديمقراطية المحددة فيه، هذا الدستور الذي وضع عام 1958 في ظروف استثنائية والذي ينص على إعطاء صلاحيات واسعة للدولة خلال الظروف الاستثنائية (المادة 16) وفرض الأحكام العرفية (المادة 36). منذ اليوم، تقترف الحكومة الفرنسية دون مبالاة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان: نزع الجنسية عن الأشخاص الذين يحملون جنسية أخرى، والسجن دون توجيه اتهامات، وإعطاء الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة.‬

‫لكن هناك ما هو أسوأ من ذلك: على عكس مرتكبي هجمات نيويورك، فإن أغلبية المعتدين في كانون الثاني/يناير وتشرين الثاني/نوفمبر في باريس يحملون الجنسية الفرنسية (من هنا جاء التهديد على الجنسية). في حين أن حالة الحرب هي في جوهرها ظرفا استثنائيا، وهذا يعني، تعليق حقوق الإنسان، هناك فارق نوعي بين النتائج المترتبة عليها وبين تلك الناتجة عن حرب خارج التراب الوطني أو أن العدو المحتمل هو على هذه الأرض نفسها. تمكنت الولايات المتحدة من إعادة جذرية لممارسة الحقوق المدنية، على الرغم من تقليصها، بفعل تأمين أراضيها بفعل عزلتها الجغرافية، في حين مارست حالة الاستثناء في الخارج. ويظهر هذا النفاق في حفاظها على هذه الحالة في معسكر غوانتانامو القريب من سواحلها والذي يشكل انتهاكا لسيادة الدولة الكوبية، وممارسة الإعدام بواسطة الطائرات بدون طيار كل ذلك يجعل من وزارة الدفاع الأميركية الأكثر دموية بين المجرمين المتسلسلين.‬

‫ولكن ماذا عن فرنسا؟ مسألة “الجهاد” ليست خارج تاريخها. فيعود لقاؤها الأول مع الجهاد إلى احتلال الجزائر الدموي بواسطة جيشها، منذ قرنين، على الرغم من أن الجهاد اليوم يختلف نوعيا عن ذلك الممارس آنذاك بطابعه الشمولي. وواجه الجهاز الأمني-العسكري الفرنسي الجهاد مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية حتى أن صحيفتها كانت تسمى المجاهد. وعبر الانخراط في هذه الحرب الاستعمارية القذرة، عام 1955، أصدرت فرنسا قانونا يفرض حالة الطوارئ. وقد كانت المرة الأخيرة قبل 14 تشرين الثاني/ نوفمبر التي أعلنت فيها حالة الطوارئ على كامل الأراضي الفرنسية خلال الفترة الممتدة بين عامي 1961 و1963. خلال حالة الطوارئ هذه، كانت تمارس الفظائع الرهيبة على الأراضي الفرنسية، بالإضافة إلى ارتكاب الأعمال الوحشية التي أصبحت اعتيادية في الجزائر.‬

‫وقد اعلنت حالة الطوارئ، مرة أخرى على جزء من الأراضي الفرنسية في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2005، قبل 10 سنوات من اليوم. ولم يغب عن أحد ارتباط ما حدث بالحرب على الجزائر: حيث كان جزء كبير من الشباب المشاركين في “أعمال الشغب في الضواحي” من نتائج التاريخ الاستعماري الطويل لفرنسا في أفريقيا. تماما كغالبية الجهاديين الفرنسيين في السنوات الأخيرة، الذين نجموا عن تفاقم الاستياء المنفجر عام 2005، وتبدد الآمال بالوعود غير المنفذة. وهم الذين عانوا من مانويل فالس، الذي دعا، في لحظة عابرة من الوضوح السياسي،‬ إلى “أبارتهايد مناطقي، اجتماعي وعرقي”.

النتيجة المنطقية لهذا الاعتراف هو فك العزلة المناطقية والاجتماعية والعرقية للشعوب “المهاجرة” ووضع حد لكل أشكال التمييز الذي تعاني منه يجب أن يكون الرد على التهديد الإرهابي. هذا إلى جانب اعتماد سياسة خارجية تحل مكان سياسة بيع السلاح والاستعراض العسكري للدولة التي ترغب في لعب دور القوة الامبريالية (على عكس ألمانيا المجاورة والأغنى)، يكون قوامها سياسة السلام واحترام حقوق الإنسان وتحقيق التنمية المتوافقة مع ميثاق الأمم المتحدة التي شاركت في وضعه. وما فعله وزير خارجية السويد، الاشتراكي الديقراطي، حين حظر على الشركات السويدية بيع السلاح للسعودية يشكل نموذجا يحتذى به.

الرد المناسب على الخطر الإرهابي، يتم أيضا عبر تقديم الدعم الحاسم، ولكن دون تدخل مباشر، لأولئك الذين واللواتي يناضلون/ن من أجل الديمقراطية والتحرر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضد جميع الدول المستبدة في المنطقة، سواء كانت الملكيات النفطية أو الديكتاتوريات العسكرية والأمنية. لقد همش “الربيع العربي” الذي انطلق عام 2011 لفترة من الوقت الإرهاب الجهادي. ولكن هزيمة “الربيع”، بتواطؤ من القوى الكبرى، سمحت لهذا الإرهاب بالنمو من جديد وبوحشية لا سابق لها، تقويه إحباط الآمال التي ولدتها هذه الثورات.