مذبحة خيّوس

سعود سالم
2015 / 11 / 23

خيّوس جزيرة يونانية في بحر إيجة تقابل السواحل التركية ويفصلها عنها مضيق لا يتجاوز الثمانية كيلومترات. وعدد سكانها يقارب ال 25 ألف نسمة، واقتصادها مبني على السياحة وعلى إنتاج نوع من العلكة mastic والذي سجلته اليونسكو بإعتباره من الثرات الثقافي اللامادي للبشرية patrimoine culturel immatériel de l’humanité . إن هذه المنطقة من العالم قد شهدت في الماضي أحداثا كبيرة وأعطت للإنسانية العديد من كبار شعرائها وأعظم مفكريها. خيوس بدورها ساهمت في هذا الزخم الفكري، فقد شهدت ميلاد هوميروس صاحب الأوديسة والإليادة " إنه الأعمى الذي يسكن خيوس الصخرية "، وإن كانت توجد مدن أخرى تدّعي إنتماء الشاعر الكبير إليها. وخيوس أيضا شهدت ميلاد حركة الرابسود Rhapsode، والتي يمارسها بعض الشعراء قديما، حيث يتنقلون من مدينة إلى أخرى وينشدون أشعارهم أو أشعار شعراء آخرين غيرهم، عادة في شكل ملاحم مثل الإليادة والأوديسة لابسين ملابس حمراء أو أرجوانية فاخرة ويعتقد البعض أنهم أول من ثبّت بواسطة الكتابة أشعار هوميروس. وأعطت هذه الجزيرة الصغيرة الرياضي هيبوكرات Hippocrate الذي اكتشف الرياضيات والحساب والهندسة صدفة في أثينا، والذي كان في البداية تاجرا في بحر إيجة عندما هاجم القراصنة مركبه وأخذوا كل بضاعته، وذهب إلى أثينا للشكوى وهناك التقى بأحد الفلاسفة الذي بدأ في تعليمه بعض مباديء الهندسة. وهناك العديد من الأسماء الأخرى في الفلسفة والتاريخ والتراجيديا مثل إيون Ion، ثيوبومب Théopompe، ثيوكريت Théocrite، ميترودور Métrodore يقال أنهم من خيّوس أو عاشوا فيها فترة من حياتهم .. وتاريخها القديم حافل بالمعارك والحروب، وقد حوصرت أكثر من مرة واحتلها المقدونيون والرومان والبيزنطيون الذين بقوا فيها حتى بداية القرن الرابع عشر. وبداية من سنة 1455 أحتلها العثمانيون، وظلت هذه الجزيرة طوال تاريخها حلقة وصل في البحر الأبيض بين الشرق والغرب. وقد لعبت أيضا دورا كبيرا في التاريخ اليوناني الحديث وفي حرب الإستقلال التي خاضتها اليونان ضد تركيا. فالثورة اليونانية هي "حرب تحريرية" شنها الثوار اليونانيون ضد الإمبراطورية العثمانية بين عامي 1821 و1832م والتي أفضت في النهاية لتأسيس المملكة اليونانية. فاليونان كانت جزءا من الإمبراطورية العثمانية ، وقد بدأت بذور الثورة بالظهور من خلال نشاطات منظمة يونانية وطنية سرية تدعى "أخوية الصداقة"، تأسست سنة 1814 في "أوديسا" الواقعة اليوم في أوكرانيا. وقد ساهمت في تأجيج ونشر رغبة الاستقلال والحرية بين اليونانيين بجميع طبقاتهم وفئاتهم، بعد أن تم شحن مشاعرهم الوطنية لفترة طويلة من الزمن بواسطة الكنيسة الأرثوذكسية التي كانت تعمل على تعزيز روح القومية اليونانية والدينية في نفوس أتباعها، وكانت الكنيسة حينها أحد الحصون والمعاقل الأخيرة للغة اليونانية والثقافة، وكانت تعتبر المسؤول والممثل الإداري عن اليونانيين أمام سلطة الباب العالي العثماني. ومن العوامل التي ساعدت أيضاً على قيام الثورة وبداية حركة الإستقلال، النمو الاقتصادي في اليونان والتأثر بالأفكار الثورية الأوربية الغربية التي ألهبت في نفوس اليونانيين الغيرة على قوميتهم ووطنهم ولغتهم وثقافتهم. اندلعت شرارة حرب الإستقلال إذا في بداية شهر مارس عام 1821 حيث انتفض اليونانيون ضد الحكم التركي في شبه جزيرة "بيلوبونيس" شمال خليج كورنثوس، ثم امتدت الثورة إلى عدة جزر يونانية أخرى. وفي 13 مارس من سنة 1821، أي بعد اثنا عشر يوماً فقط من بدء حرب الاستقلال، رفع أول علم رسمي للثورة فوق جزيرة "سبيتسيس" بيد "لاسكارينا بوبولينا"، المرأة الثرية التي اشتملت أملاكها على الكثير من السفن والبواخر التجارية، قامت بالانضمام إلى القوى اليونانية الوطنية ووضعت في خدمتهم ثمان من سفنها وساهمت في حصار العديد من المدن الساحلية الحصينة في شبه جزيرة بيلوبونيس، حيث كانت تقوم بتوفير وجلب المؤن للثوار عبر البحر لإكمال حصارهم. وتعتبر "لاسكارينا بوبولينا" بطلة قومية في اليونان - رغم أنها كانت من أصول ألبانية - بسبب هذه الإسهامات، وواحدة من أوائل النساء اللائي لعبن دوراً محورياً في مسيرة ثورة الاستقلال، وبحسب رأي العديد من المؤرخين فإنه لولا "بوبولينا" ولولا سفنها لما تمكنت اليونان من نيل استقلالها أبداً.. وعندما وصلت أنباء الثورة إلى السلطان أمر بشنق بطريرك القسطنطينية الأرثوذكسي "غريغوريوس الخامس" المقيم في اسطنبول بعد أن اتهمه بالفشل في ضبط المسيحيين اليونانيين وحثهم على طاعة السلطات العثمانية، حسب المهمة التي كان من المفترض أن ينفذها، وتم ذلك مباشرة بعد احتفال البطريرك بقداس عيد الفصح عام 1821، حيث أعدم وهو مرتدٍ كامل زيه الديني. وكان من نتيجة ذلك أن بدأت حدة المعارك تتصاعد شيئاً فشيئاً متسببةً في مجازر من قبل الطرفين. ففي جزيرة خيوس قتل العثمانيون 25.000 يوناني، بينما قتل اليونانيون عشرة آلاف من الأربعين ألف تركي المقيمين في شبه جزير بيلوبونيس.
ولعل ما يسمى بمذبحة خيّوس هي من أهم هذه الأحداث التي هزت العالم الغربي المسيحي في ذلك الوقت. الجزيرة كانت من أغنى وأهم المناطق في بحر إيجة وكانت المقاومة اليونانية تحاول السيطرة عليها، وفي أبريل 1822 وبعد دخول حوالي ألف مقاوم يوناني إلى الجزيرة، أرسل الباب العالي التركي حوالي 45 ألف جندي لإستعادة الجزيرة. وفي نفس الوقت أعطى الأوامر بقتل كل الأطفال تحت السنتين وكل الذكور ما فوق الإثنى عشرة عاما وكل النساء ما فوق الإربعين عاما. ويحتفظ بالنساء والأطفال الباقين كعبيد للبيع في أسواق النخاسة. النتيجة حوالي 25 ألف قتيل و 45ألف مواطن يوناني بيع كعبيد وحوالي 15 ألف تمكن من الهرب إلى بعض الجزر القريبة. هذه المذبحة هي في حقيقة الأمر عملية عسكرية قام بها الأتراك للإنتقام من المقاومة اليونانية التي قامت بدورها بقتل عدة آلاف من المسلمين الأتراك فيما يعرف بحصار تريبوليتزا Le siège de Tripolizza ففي هذه الفترة تمكن القائد اليوناني "ثيودوروس كولوكوترونيس" Theó-;-doros Kolokotró-;-nis من الإستيلاء على مدينة تريبوليتزا العاصمة التركية لشبه جزيرة البوليبونيز في جنوب اليونان ويعتبر ذلك أول إنتصار كبير لقوات المقاومة اليونانية. وكانت هناك في بداية الحصار مفاوضات بين الجانبين بخصوص إستسلام القوات التركية غير أن قوات "كولوكوترونيس" تمكنت من مفاجأة الأتراك ودخول المدينة في 5 اكتوبر 1821، واستسلمت القوات التركية بعد ذلك، غير أن اليونانيين قاموا بقتل حوالي عشرة آلاف مسلم من الذين لم يتمكنوا من مغادرة المدينة. ربما تكون هذه الأرقام خيالية أو مبالغا فيها كما هو الأمر في هذا النوع من الأحداث التاريخية والتي يحاول فيها كل جانب سواء تضخيم عدد الموتى أو تقليل عددهم حسب الجانب الذي ننظر منه إلى الحوادث، ومع ذلك فإن مذبحة خيّوس حادثة تاريخية حقيقية مات فيها عدة آلاف من اليونانيين وأدت إلى مساندة دولية لليونان في ذلك الوقت وأدت إلى توسع حركة مساندة اليونان أو ما يسمى بالفيلهيللينية أو «محبة الإغريق» philhellénisme من قبل الطبقة المثقفة الأوربية من فنانين وشعراء وكتاب. وقد استخدم هؤلاء الفنانين والأدباء "الصورة" بمعناها الفني الواسع كوسيلة لإستقطاب الرأي العام العالمي واستمالته لمساندة الشعب اليوناني، وهذا ما سنتناوله في الموضوع اللاحق، بدون إذن الله بطبيعة الحال.