الصراع الروسي من اجل شرعية الدولة في سوريا

ميثم الجنابي
2015 / 11 / 20

الصراع من اجل الشرعية

الشرعية تلازم جوهرية وأولوية القانون والحقوق. وشرعية الدولة ونظامها السياسي تعني سيادة القانون والحقوق في إدارة شئون الدولة والمجتمع، مع ما يلازمها بالضرورة من اختيار للنظام السياسي وتداول السلطة عبر الانتخاب الحر بالشكل الذي يستقيم مع مواد الدستور الثابت. وهذه جميعا عرضة للتغير والتبدل مع تطور الحاجة الاجتماعية والسياسية إليها، أي مع تعمق وترسخ التجارب التاريخية للأمم والدول. من هنا فان الصراع من اجل الشرعية يظهر بأثر نتوء الآثار الخربة لانعدام الشرعية من جهة، ونضوج الرؤية السياسية، من جهة أخرى. بمعنى نضوج الفكرة السياسية في شقيها النظري والعملي فيما يتعلق بجوهرية وأولوية الحق والحقوق والقانون بالنسبة لتطور الدولة واستقرار نظامها السياسي وارتقاء مجتمعها المدني. وبالتالي، فان تجارب الأمم والدول الناضجة والحية فيما يتعلق بفكرة الدولة الشرعية ونظامها السياسي هي نتاج مراحل طويلة ومعقدة، لا تخلو من دموية وهمجية من اجل أن تصل بمحض تجاربها الذاتية إلى أنماط ودرجات معقولة عن الشرعية.
ولا يشذ العالم العربي ودوله الحديثة عن هذه العملية المعقدة. بمعنى انه ينبغي أن يمر بمحض تجاربه الخاصة من اجل أن يبلغ مستويات الفكرة الشرعية. وهي مستويات لا يمكنها بلوغ المثال، إلا حالما تتمثل الدولة فكرة الحق بصورة تامة. وهذه بدورها عملية لا تتناهى، قد تكون امثل نماذجها اضمحلال أو تلاشي الدولة بمعناها التقليدي. ولكن قبل ن تموت الدولة ينبغي لها أن تولد. والمفارقة التاريخية والمنطقية لفكرة شرعية الدولة هي أنها مقدمة تحسين وتنسيق فكرة الحق في الدولة، ومن ثم إلغاء مكوناتها وأدواتها القاهرة. تماما كما نقول، بان موت الإنسان هو طور من أطوار الوجود، يكشف عن معدن الإنسان ومعناه وأثره وحقيقته. مثل أن نقول بان موت محمد جعل منه نبيا وروحا حيا للفكرة والتاريخ، بينما موت أبو سفيان جعل منه تهمة ومسبة ونموذجا للقبح والعدم. وكما جعل الموت من عبد الناصر بطلا قوميا، فان موت اغلب الملوك والأمراء والرؤساء يجعل منهم نسيا منسيا!
ذلك يعني، أن الشرعية هي مقدمة ولادة الدولة بالمعنى الدقيق والمعاصر للكلمة. وفيما لو القينا نظرة عامة على واقع الشرعية في العالم العربي الحديث، فإننا نقف أمام حقيقة تقول، بان الشرعية فيه مازالت في طور المخاض التاريخي للولادة الحديثة. وبالتالي، فان الشرعية فيه تتسم بالنسبية، بوصفها ظاهرة تاريخية. بمعنى أنها جزء من صيرورة الدولة الحديثة بمعناها الجغرافي السياسي. ومن ثم فهي بحاجة إلى زمن ومعاناة وصراع قد لا يخلو من همجية ودموية لكي تتكامل فيها بصورة تدريجية فكرة الشرعية بشكل عام وشرعية النظام السياسي شكل خاص. ولعل مثال تونس ومصر والعراق وسوريا من بين أكثرها وضوحا، أي في الدولة التي تجري فيها بصورة عنيفة صيرورة الشرعية، ومن ثم صيرورة الدولة الحديثة بالمعنى الدقيق للكلمة. أما الدول العربية الأخرى فإنها في أطوار مختلفة. واغلب البقية الباقية في طور الأجنة الأولية. ومنها ما لم يبلغ هذه الحالة، كما هو الحال بالنسبة لممالك وإمارات الخليج. فهي ليست دولا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل تجمعات ومعاشر، الشرعية فيها مازالت للسلطة فقط بوصفها عقدا عائليا أو قبليا محكوما بالعنف البدائي والرشوة الخشنة. أما القانون والشرعية فهي مجرد لوائح وقواعد لتقييد السلوك بالشكل الذي يجعل من قهر الجميع فعلا ملزما للإقرار بشرعية حكم العائلة والقبيلة. وبالتالي لا علاقة لهذه الشرعية بفكرة القانون والحق والشريعة.
وفيما يخص الدولة السورية ونظامها السياسي، فأنهما قد قطعا الأشواط الأولية لفكرة الدولة والشرعية، إلا أنها لم يبلغا حالة التوليف المتناسق بينهما بمعايير الرؤية الاجتماعية والانتخاب الحر. الأمر الذي يجعل من الشرعية في سوريا حالة اصدق وأدق وأحق بما لا يقاس بمن يناصبها العداء والحرب من بين الدول العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص. أما بالنسبة لدول الغرب الاوروامريكي، فان فكرتها ومواقفها من الشرعية والديمقراطية خارج حدودها، هو مجرد غلاف لمصالح جيوسياسية، أي أداة لبلوغ مآرب سياسية ومصالح اقتصادية وجغرافية عسكرية. وبالتالي، فان عدم اعترافها بالشرعية في الدولة السورية ونظامها السياسي، هو مجرد أسلوب سياسي للتعبير عن مصالحها المعلنة والمستترة. ومن ثم لا علاقة جوهرية له بفكرة الشرعية. وذلك لان بلوغ الشرعية ممكن فقط بمعايير التجارب الذاتية للأمم والدول. وبالتالي، فأن أي تدخل خارجي هو تخريب لها تحت أي شعار جرى.

الغرب الكولونيالي وفكرة الشرعية

ماذا يعني الصراع من اجل الشرعية بالنسبة للغرب الكولونيالي؟ انه يعني إضفاء صفة "الشرعية" على نزوعها الكولونيالي الجديد. مع انه أتخذ في العقدين الأخيرين، بدأ بغزو العراق وأفغانستان وليبيا واليمن (بأيدي آل سعود) صيغة الكولونيالية التقليدية. وذلك لان استعمال القوة ودعم القوى المأجورة من مرتزقة "الحداثة" المزيفة والدين الوهابي – السعودي في العدوان العلني والمستتر على سوريا، بما في ذلك عبر دعم الإرهاب الشامل والمنظم للقوى الهمجية "الإسلامية"، تحت يافطة "الدفاع عن الشرعية"، هو مجرد تغليف لسحق الشرعية الفعلية. فالشرعية هي تجارب الأمم في تراكم فكرتها عن أولوية وجوهرية القانون والحقوق وتجسيدها المتنامي في نظم سياسية-اجتماعية وحكومية. أما تجارب الغرب الكولونيالي بهذا الصدد، فإنها تصب جميعا في تيار التخريب والتدمير الفعلي لفكرة الشرعية.
لقد دعم الغرب الكولونيالي على امتداد تاريخه الحديث كل الأنظمة الاستبدادية والمتخلفة والبدائية، وحارب على الدوام كل القوى العاملة من اجل إرساء فكرة الدولة الوطنية والقومية الحديثة، أي الدولة المستقلة بقرارها وإرادتها السياسية الحرة. إن تجارب الغرب الكولونيالي بهذا الصدد، تكشف عن سعيه للحفاظ والإبقاء على حكومات وسلطات وأنظمة سياسية متهرئة وفاسدة، ورؤساء بلا رأس، وزعماء بلا عزيمة، وقيادات قوّادة لرغباته. وبالتالي، فانه لا يريد الشرعية بوصفها قوة بناء الدولة الحديثة ونظامها السياسي المحكوم بالقانون والحقوق الوطنية والقومية. بعبارة أخرى، انه لا يريد دولة بالمعنى الدقيق والحديث للكلمة.
فقد كان الغرب الكولونيالي (الأوربي الأمريكي) في مجرى أكثر من قرنين من الزمن العدو اللدود لفكرة الشرعية. وكل تاريخه السياسي والعسكري والدعائي والقانوني خارج حدوده الخاصة، هو زمن الانتهاك الفض لفكرة الشرعية عبر استعمال القوة والدسائس والمغامرات. الأمر الذي جعل من القوة الغاشمة عنده معيارا للقانون. ولم يتغير شيئا من هذه المعادلة لحد الآن. ولن تتغير هذه المعادلة ما لم يجر كسرها بالقوة. بمعنى سحق وتدمير أساليب التدخل المباشر وغير المباشر للغرب الكولونيالي وأدواته المحلية تجاه قضية بناء الشرعية في الدولة والنظام السياسي. إذ لا يمكن إحلال الشرعية في سوريا عبر احتلالها من قبل قوى أجنبية وأخرى مرتزقة. فهو فعل لن يؤدي إلا إلى تخريب الدولة والأمة والقيم والشرعية. كما انه فعل فاسد وخاسر بالضرورة. إن الطريق الوحيد للشرعية في سوريا يسير عبر إحلال المصالح الوطنية (السورية) والمشرقية (العربية). فهو الأسلوب الذي يعطي لهذه الشرعية بعدا عالميا أيضا من خلال كسر شوكة القوة العسكرية للمراكز الكولونيالية وأوهامها عن إمكانية استعادة أساليب القرن التاسع عشر والعشرين في التعامل مع الشعوب الأخرى. إضافة إلى تعرية أدواتها المحلية والإقليمية. مع الإبقاء على حق سوريا (والعراق واليمن) اللاحق باسترجاع قيمة وثمن خسائرها البشرية والأثرية والاجتماعية والمعنوية والاقتصادية والعلمية، إضافة إلى إلزامها بدفع جزية الردة والخيانة للمصالح القومية.

السياسية الروسية تجاه فكرة الشرعية في سوريا

تخلو السياسة الروسية تجاه العالم العربي على امتداد القرن العشرين، أي زمن الصيرورة الحديثة للدولة العربية، من أي نزوع كولونيالي. بل يمكن قول العكس. فقد كانت السياسة الروسية، ما بعد الحرب الامبريالية الأولى، مرتبطة بالانقلاب البلشفي، أي بالاتجاه الداعم للمرة الأولى في التاريخ العالمي، لحق الشعوب في تقرير مصيرها، والدفاع عن استقلالها السياسي والاقتصادي، ودعم منظومة الفكرة الاجتماعية والحرية.
وإذا كانت سياسة الدولة الروسية بعد انحلال الاتحاد السوفيتي قد مرت بأطوار مختلفة ومتناقضة لتاريخها الحديث والمعاصر، فأنها أخذت بالاستتباب النسبي بعد عقدين من "الثورة الليبرالية" في إرساء أسس الفكرة القومية ومصالحها الكونية على قواعد ثقافية وحقوقية من طراز آخر. انه طراز البحث عن توازن واعتدال عقلاني مبني على أساس إرجاع هيبة القانون الدولي والتنوع المتوازن بين الدول. وتحتوي هذه السياسة في أعماقها على تحد للمرجعيات العميقة الراسخة في السياسية الكولونيالية الاوروامريكية. ومن ثم فان السياسة الروسية تجاه سوريا، كما هو جلي، لم تكن ارتجالا ولا رد فعل على ما جرى ويجري فيها وحولها، بقدر ما أنها استجابة للمرجعيات العقائدية الكبرى الآخذة في التراكم في الرؤية الروسية عن نفسها وموقعها وأهميتها الجيوسياسية العالمية. وبالتالي، فان المساهمة الروسية في الدفاع عن الدولة السورية ضد الهجمة الشرسة للمراكز الكولونيالية وأذنابها في المنطقة هو عين الدفاع عن الشرعية. وذلك لان حقيقة الشرعية في الحالة السورية هي الدفاع عن الدولة والأمة، وليس عن النظام السياسي أو قادته. وهذه كلها تستجيب في الظروف الحالية للفكرة الروسية عن مصالحها القومية والإقليمية والعالمية. من هنا تلاقي وتطابق المصالح الروسية والسورية فيما يخص فهم وبلوغ فكرة الشرعية.
إن السياسة الروسية تجاه سوريا مبنية على ثلاثة مبادئ كبرى عامة ترتقي إلى مصاف المرجعية السياسية، وهي:
• إن الشرعية في سوريا هي شرعية ذاتية، أي ملاصقة لفكرة الدولة ونظامها السياسي،
• إن الشرعية هي نتاج تطور سياسي وإصلاح بنيوي للدولة والأمة والثقافة السياسية،
• إن تجارب التدخل الأجنبي في تغيير النظم السياسية تؤدي إلى تخريب وتدمير الدولة والمجتمع والقيم.
ذلك يعني، أن الشرعية ليست وصفة طبية يعطيها الطبيب الأمريكي لعلاج سوريا، ولا رغبات غريزية لسلطات بدائية لا تفقه معنى الشرعية وغريبة عنها بصورة مطلقة كما هو الحال بالنسبة لممالك وإمارات الخليج التابعة، ولا أوهام تركية عن عثمانية هي عين التخلف والخراب والخزي بالنسبة للوعي القومي العربي بشكل عام والسوري بشكل خاص. كل ذلك جعل ويجعل من إشكالية الشرعية في سوريا الحالية إشكالية حياة وموت الدولة والأمة. وذلك لأنه لا معنى للحديث عن شرعية وعدم شرعية إنقاذ الغريق، عندما نحكم على القيم بمعايير العقل وليس بمعايير الحنابلة. فالحنابلة تنابلة في العقل وجهابذة في نقيضه. من هنا يمكن أن نفهم دوافع الدعم الروسي للدولة السورية بوصفها سياسة الدفاع عن الشرعية الحقيقية. بعبارة أخرى، إن دخول روسيا الحرب إلى جانب الدولة السورية هي سياسة مركبة مرتبطة بالحالة الروسية ودورها العالمي الجديد وطبيعة إدراكها للصراع الحالي في المشرق العربي. بمعنى أنها ليست شخصية ولا عابرة. بل مرتبطة بمرجعيات الفكرة السياسية والإستراتيجية للدولة الروسية. من هنا يمكن فهم معنى التشديد الروسي على فكرة أولوية الدولة. وعندما تقول روسيا، بأن القضية الجوهرية هي قضية الدولة السورية وليست قضية الأسد أو الرئاسة، فأنها تستجيب بذلك لتراثها وعقيدتها السياسية والثقافية من جهة، ولإدراكها طبيعة الترابط بين شخصية الأسد في النظام السياسي الحالي وبين فكرة الدولة السورية ووحدتها واستقلالها، من جهة أخرى.
إن المشرق بشكل عام والعربي بشكل خاص (والروس يطلقون على المشرق العربي عبارة المشرق الأدنى وليس الأقصى أو الأوسط) هو الأقرب (بالمعنى الجغرافي والثقافي والديني أيضا) للدولة الروسية. وإن استقراره السياسي يستجيب أيضا لمصالحها القومية. انطلاقا من ذلك، فان الاستقرار في سوريا هو المقدمة الضرورية لاستقرار المنطقة ومن ثم إرساء أسس الشرعية عبر الحوار السياسي والمساومات العقلانية وليس السلاح والعنف والإرهاب.

شرعية الحرب والمستقبل السوري

إن إحدى مفارقات الصراع الحالي في سوريا يقوم في ترابط فكرة الدولة والنظام السياسي. بحيث تجعل منهما كلا واحدا، وذلك بأثر توسع وتعمق الصراع داخل سوريا وخارجها. لقد أدى هذا الصراع إلى المواجهة بين قوى الدولة والأمة من جهة، وقوى المراكز الكولونيالية وأدواتها في المنطقة من جهة أخرى. الأمر الذي جعل ويجعل من المساومة السياسية العقلانية امرأ مستحيلا بينهما. أما المساومة الوحيدة الممكنة هنا فهي المساومة العقلانية بين السلطة والمجتمع عبر إعادة إرساء أسس جديدة للعقد الاجتماعي والسياسي. وهي مهمة ملازمة وتتجذر في مجرى تصفية الحساب مع جميع القوى التي ناهضت الدولة السورية العداء العلني والمستتر. فقد بلغ الصراع من حيث مقدماته وغاياته ووسائله والقوى القائمة وراءه حدا لا يمكن حسمه إلا بالقوة.
إن القوة هي أسلوب تطهير المجتمع والدولة والنخب، ومن ثم إرساء الرؤية المستقبلية لنظام اجتماعي محكوم بالقانون وفكرة المواطنة الدستورية. بمعنى ضرورة سحق القوى الهمجية الداخلية وتطهير الأرض السورية منها بصورة تاريخية، أي إعدامها التام. وفي مجرى ذلك فقط يمكن أن تتراكم حقيقة البدائل المستقبلية للدولة والأمة في سوريا عبر إعادة بناء مركزية الدولة على أسس اجتماعية تسودها فكرة السلم والمساواة، وأسس اقتصادية محكومة بفكرة التطور العلمي والصناعي والإنتاجي، وأسس وطنية محكومة بفكرة الشام الثقافية، وقومية مستنيرة بفكرة توحيد المشرق العربي.
***