ذاكرة عائشة المغربي المثقوبة في -يحدث-

محمود عبد الرحيم
2015 / 11 / 19

ذاكرة عائشة المغربي المثقوبة

محمود عبد الرحيم:
قليل جدا من الشعراء حين يتصدى لكتابة رواية يقدم لنا تجربة ذات قيمة، وليس مسايرة لسوق النشر الذي يحبذ الرواية عن الشعر، أو مجرد ثرثرة فارغة المضمون، وتجربة هشة للإعلان عن الوجود في الوسط الثقافي.
ومن هؤلاء القلة المدهشة تأتي الشاعرة والأكاديمية الليبية عائشة المغربي التي فاجأتني بأنها روائية مبدعة ذات صوت خاص وحساسية خاصة في السرد الروائي وتقديم عالم مدهش له خصوصيته، رغم اجوائه السوداوية، كما هو في روايتها "يحدث؟!"
وربما العنصر الأبرز في هذا العمل هو اللغة الشعرية، حيث وظفت الإدريسي خبرتها كشاعرة أو جرى بشكل عفوي ذلك، فكنا إزاء مقاطع عديدة أقرب لقصائد النثر، غير أن المجاز والاستعارة لم تعوق تدفق الأحداث أو تنال من البناء الروائي أو تخرج القارئ من أجواء العالم، وأنما ساهمت في تسريع الايقاع وحالة استمتاع برقي اللغة وفضائها الأرحب والهروب من الفجاجة والسطحية والمباشرة واللغة التقريرية الجافة.
وثان هذه العناصر هو تكنيك السرد الدائري واتباع "تيار الوعي" أي تداعي الافكار والمعاني بحرية، وتداخل الأزمنة والاحداث دون تشويش وبسلاسة، وهو ما يتلائم مع حالة التشظي لذاكرة البطلة التي تسيطر عليها مشاعر الفقد والاغتراب ويطاردها الماضي بشخوصه وتجاربه المليئة بالفواجع من خسارة دفء الاسرة التي بعضها مات كالأب والأم أو الاخ المشنوق على يد السلطات دونما جريمة فقط لوشاية، أو الصديقة التعسة في زواجها أو حبيبها الذي تخلى عنها بعد إن ترك بذرته في احشائها، وقصة عشق مجنون يسيطر عليها رغم اضطرارها للعيش في بلد بارد كفرنسا يمنحها الحرية لكن لا تشعر انها تنتمي إليه، وحبيب جديد يهتم بشأنها ولا تري فيه غير حبيب الأمس الذي كثيرا ما تخطئ وتناديه باسمه.
ولاشك أن استخدام الكاتبة لضمير "الانا" في السرد اعطي حميمية أكثر للاحداث، وقربنا من البطلة ومن اجواء الفضفضة كما لو كنا ازاء "سيرة ذاتية"، كما أنها نجحت في رسم شخصيات تبدو من لحم ودم نتعاطف معهم ونستشعر بثقل الضغوط عليهم كما لو كانوا ابطال هاربين من التراجيديات اليونانية، خاصة شخصية البطلة "حياة" وصديقتها "ليلى" واخوها " ماهر"، حيث إن تمردهم على الواقع المجتمعي والثقافة التقليدية ورغبتهم في التحقق جعلهم ينالوا عقابا قاسيا
سواء بالتشرد والمنفي الاختياري بذاكرة مشتعلة بالحزن والفقد كما في حالة "حياة"، أو بزواج تعس يفسد عليها سعادتها ويحليها لكائن مهزوم ينتهي به الحال في مستشفي للامراض العقلية، أو ذلك الشاب الصغير الذي يسعى لاسعاد كل من حوله ويترفق بالجميع بما فيها ذلك معتوهة الحي ثم يكون مصيره الشنق في ساحة المدينة باعتباره خائنا بعد وشاية لحقت به على يد اللجان الثورية.
وقد قربتنا الكاتبة من ملامح مجتمع تقليدي كليبيا، وكيف يحاصر الواقع الضاغط ابناء الطبقة الوسطى من المثقفين، خاصة النساء الذين يريدون كسر تابو العادات والتقاليد المتوارثة، ويخرجون عن مسار القطيع إلى التحقق بكافة اشكاله، فضلا عن فضخ نفاق وتناقض شخصيات تدعي الحرية والثقافة، لكن من داخلها لا تختلف عن السياق العام كزوج ليلي الذي لا يرى في المرأة سوى ربة منزل سجينة البيت ليس لها أية حقوق، أو حبيب حياة يوسف المهزوز الشخصية والضعيف أمام أمه.
وفوق هذا رصد بشكل عابر مرحلة صعبة في حياة الليبين ابان حكم القذافي، وكيف كانت ثمة سطوة للجان الثورية ول"دولة المخابرات" التي حتي حين خفت قبضتها لاحقا لم يتخلص الليبيون في داخلهم من هذه العقدة، وهذا الخوف الذي جرى زرعه فيهم، فضلا عن بقاء جراح عديدة ومآسي خلفتها هذه الحقبة وذكريات لاقارب واحبة قضوا على مشانق هوس النظام من اية أصوات تغرد خارج السرب.
إنها تجربة مهمة بحق تستحق القراءة، وتستحق كاتبتها كل تقدير على هذا العمل المشبع والمدهش.
*كاتب صحفي وناقد