التفكك الاخير

كامل الدلفي
2015 / 11 / 19

قصة قصيرة

انقض عليه ضجر مريع لمرأى المدينة المكتظ بالبشر عن آخر شبر فيها ، فاعتقد أن بدنه المترهل لن يحظى بمجال مريح للسير ، ترك قدمه بحذاء الكتان يتجول لوحده في استطلاع ضروري لشؤون تهمه كثيراً ، وعكف يقابل نفسه في منازلة ثأرٍ على رقعة شطرنج ، بعد قليل من نقلات وعلى غير عادته فقد وزيره و رخّين . القدم في غضون مهمتها أبرقت إلى أعضائه الحسية الأخرى مشاهدات ٍ تنطوي على أنباء خطيرة ولذات مذهلة ، جعلت من تركيزه ونباهته يتشتتان ، جسده غرق بطوفان حسي مذهل ، تصاعد فيه كمخدر " بيثيدين " فلم يعر انتباها لملكه المحاصر بالموت بعد أن تلقى "كشا ً " فنية لا تبقي ولا تذر ، اعترف بهزيمته و تطلّع إلى أن يهنىء غريمته بفوزها .. ودّ أن يصافحها أو يربت على كتفها ... لم يجد يداً لتقوم بذلك.. فرت أعضاء جسده إلى فناءات المدينة تتمتع بالبهجة واللذة وتتوه بعجائب التحرر من جهاز العصب المركزي...
أسرعت الزوجة إلى الصالون بعد أن أيقظها حركة التسلل التي سلكتها الأعضاء والمقتنيات ، دهشت حين رأت الغليون والقبعة والمسبحة وقلم الباركر و أشياء لم تعد تميزها وهي تتقافز إلى خارج المنزل...
كان المكان دافئا كأنه لم يزل يملأه بحضوره ، حتى أنها ندمت كيف لم تأتِ له بفنجان القهوة معها ، بيد أنها لم تجد سوى رماداً بنياً يتساقط على البلاط بانسياب متزن من محل جلوسه على الكرسي..
حرصت الوقائع الكثيفة أن لا تدع لها فرصة للتساؤل ، فلاح لها الملك مضرجاً بدماء الهزيمة على رقعة الشطرنج ..ولم يزل العاج ينزف وعلى رأسه يقف حصانان أسودان يحمحمان بأسف ويمرغان وجهيهما برماد بني ...