هل جنت على نفسها داعش

مصطفى مجدي الجمال
2015 / 11 / 14

هل جنت على نفسها داعش

ملاحظات سريعة رأيت لا بد من نشرها بعد الهجمات الإرهابية في باريس منذ ساعات.

كل الشواهد تشير بنسبة تفوق الـ 90% إلى أن داعش هي من ارتكب هذا الجرم الدموي في باريس..

شعرت أنه من المهم أن نفكر من زاوية أخرى غير المتداولة في معظم الكتابات السيارة.. فمن المهم في رأيي أن نعرف لماذا أقدم تنظيم "الدولة الإسلامية" على هذا الهجوم..

أولاً من المهم ربط الهجوم الإرهابي أيضًا بإسقاط الطائرة الروسية فوق سيناء، وبالهجوم الإرهابي في الضاحية الجنوبية ببيروت.. فهما الحادثان الأقرب جدًا لواقعة باريس..

ومن المهم ثانيًا ربط أحداث باريس بالاختراق الروسي لميدان الصراع (والتفاوض) في سوريا، وأيضًا بخسائر التنظيم المتوقع تزايدها في العراق..

أظن أن تصعيد التنظيم للهجمات خارج سوريا والعراق (معقله الأساس) وكشفه عمليًا- حتى لو بدون أوامر مركزية- لبعض خلاياه النائمة (حتى في المراكز الرأسمالية بالغرب) يعكس أن التنظيم يمر بأزمة وأن قيادته تتوقع المزيد من الهزائم..

وأكاد أصل إلى احتمالات لهذا التحول الذي أراه "خطأ استراتيجيًا" ترتكبه قيادة داعش المركزية أو قياداته المحلية.. والحديث عن "الخطأ" هنا هو حديث موضوعي لا يجوز للقارئ أن يتعامل معه بحساسية.. لأن العدو يمكن أن يخطئ الحساب، وعلينا أن نفهم فيم أخطأ؟ وكيف نستفيد؟

من المعروف أن داعش تختلف عن تنظيم القاعدة في قضايا فقهية (أيديولوجية) وتنظيمية وسياسية وتحالفية عدة.. لكن أهم خلاف بينهما- في رأيي- أن تنظيم القاعدة كان ولا يزال ميالاً إلى أن تكون له "قاعدة" في بلد ناءٍ (مثل السودان وبعدها أفغانستان) وأن تكون عملياته الإرهابية في أرجاء مختلفة من العالم لتوجيه رسائل لدول بعينها بضرورة تغيير سياسات ما.

أما تنظيم "الدولة الإسلامية" فهو يعلن الخلافة ويريد إقامة دولة تتمدد، ومن ثم اختار أن تقوم هذه الدولة في منطقة شديدة الالتهاب (الشام وبلاد الرافدين) مستفيدة من الخروج الأمريكي من العراق بعد تحطيم الدولة والمجتمع والجيش، وكذلك الاستفادة من الحرب الأهلية الدائرة في سوريا والتي فعلت بها (مع التدخلات الخارجية) مثلما وقع في العراق..

ورغم التقلبات الميدانية ومعارك الكر والفر، فإن الاتجاه العام للأحداث والرؤى المستقبلية تشير إلى اندثار هذا المشروع في غضون سنوات قليلة، حتى وإن ظلت ذيول لها هنا أو هناك.. خصوصًا وأن "تواطؤ أو تخاذل" الغرب إزاء داعش سيتراجع بسبب مخاطر حقيقية على مصادر الطاقة وإسرائيل والتهديد بموجات لجوء هائلة من الشرق الأوسط (تصور فقط لو أن مصر أنتجت موجات هجرة بنسبة تماثل المستويات السورية والعراقية!!).. فضلاً عن خطر حقيقي باندلاع صراع عالمي علني ومسلح على المنطقة..

إذن لماذا تتحرك الخلايا النائمة في الغرب الآن وبهذا المستوى من الدموية؟

ربما تكون هذه الخلايا قد تحركت من تلقاء نفسها، أو أنها من الأصل منتمية للفكرة الداعشية دون التزام تنظيمي، تحركت بهدف الانتقام (غير المحسوب) أو ربما تصور أن خلق بؤر توتر من هذا النوع في العواصم الغربية قد يردعها عن المضي قدمًا في التصدي لداعش..

وربما تكون هذه رسالة "حمقاء" من قيادة داعش المركزية للغرب كي يصمت أو يقلل من غلوائه، بل وربما مساعدة التنظيم في التصدي للتغلغل الروسي.. وهي رسالة "حمقاء" لأن رسائل بهذا الحجم لا يمكن أن تدفع أي حكومة غربية إلا باتجاه مواقف شديدة الشراسة..

أما أخطر الاحتمالات فهو أن تكون القيادة المركزية لداعش بصدد استفزاز وإهانة بالغة متعمدة للقوى الكبرى في عالمنا كي تأتي إلى الميدان الحقيقي في الشرق الأوسط، فإما أن يهزمها داعش "بمدد إلهي" (!!) وإما أن تتقاتل القوى الكبرى على أرضنا فيكون هلاكها و"نهاية العالم الذي نعرفه" ومن ثم تخرج دولة الخلافة من بين الركام..

الأمر الأكثر منطقية (من زاوية ومصلحة داعش) كان أن تحاول قدر الإمكان إبعاد القوى الكبرى عن المنطقة حتى تستطيع تثبيت أقدامها.. لكن يبدو أن الكلمة العليا في داعش هي للأيديولوجيا.. أي استدراج القوى الكبرى كي يُهلك بعضها الآخر..

لكن "الخطأ" القاتل هنا هو أننا لسنا في عصر الفرس والروم.. وأي حرب بين القوى الكبرى أصبح محفوفًا بالمخاطر النووية.. كما أن الطبيعة الاجتماعية للنظم في الشرق والغرب أصبحت واحدة.. ومن ثم فمن المرجح أن تصدع للتقسيم بينها وليس لمعادلة صفرية فيما بينها..

وهكذا لن تنجح داعش في نهاية المطاف (مهما كان بعيدًا) سوى في توحيد أو تهادن القوى الكبرى فيما بينها إذا تمكنت من التوصل إلى صيغة تقسيم مقبولة.. خاصة وقد بات من الواضح أن هناك خطرًا مشتركًا مثل حيوان خرافي بشع ينمو كأفلام الرعب الأمريكية..

لكن إذا هلكت داعش.. أو تم تحجيمها.. فلن يكون هذا إلا بعد عذابات وخراب في بلادنا وبمعدلات رهيبة مقارنة بما قد تعانية روسيا وفرنسا.. وربما بريطانيا وأمريكا في الطريق.