عبدالرزاق عبدالواحد كما عرفته (3)

ابراهيم الحريري
2015 / 11 / 13

... وحدث ان توفيت زوجة احمد حسن البكر، رئيس الجمهورية آنذاك، فانهالت برقيات ورسائل التعازي، من كل حدب وصوب، رؤساء احزاب ومنظمات وشخصيات اجتماعية الخ... من الداخل، ورؤساء دول وبرلمانات ومنظمات عالمية (مجلس السلم العالمي الخ...حتى لا تطول القائمة)، واهرقت اطنان الورق والحبر: عشرات، ان لم يكن المئات من المقابلات والمقالات والشهادات في الصحف والمجلات واذاعة الدولة، كلها تتحدث عن فضائل المرحومة: دورها كأم وزوجة وفية، دورها في النضال البعثي، الحزبي والوطني والقومي؛ اخفاء النشرات والأدبيات، البعثية طبعا، وقطع السلاح بين ثنايا الحشايا وغير ذلك من الأمكنة والزوايا التي يصعب الوصول اليها، لدى التحضير لثورةِ/ انقلاب17 تموز(طال الجدل حول هذا الأمر حتى استقر على "الثورة" ثم انقلب الى "انقلاب" بعد ان قلب البعث ظهر المجن، وانقلب على حلفائه، الواحد بعد الآخر، محنة! الله لا يبلي عبده!).
وكان لا بد ان يكون لشاعرنا الغرّيد، رب القصيد، عبدالرزاق عبدالواحد، ان يعزي، مرّة باسم نادي التعارف، وكان رئيسه، ومرة اخرى (مع مراعاة التشكيل!) كشاعر، فانهال على البكر والإعلام والناس ، بقصيد خرّييييييدة كانت، بحق، عِمت عيني وسلَمت عيون الشاعر، كالعادة، من عيون الشعر...
التقيت عبدالرزاق في اليوم التالي او بعد بضعة ايام (لا اتذكر) في الدائر ة(دائرة الفنون الموسيقية). هنأته على القصيدة، فأطال التحديق بعينيّ يحاول ان يكتشف أ جاد انا ام هازل. صبّ لنا شايجي الدائرة استكانين فاقترحت على رزاق ان نشرب شاينا في الحديقة. انتحيت به جانبا. سألته: شلون دبّرتها؟ فهم. قال: شكو بيها؟ الحزب عزّا، بريجنيف عزّا، رئيس مجلس السلم عزّا. كرّ لي قائمة تعازٍ(عزا العزّانا) من الوزن الثقيل.
كانت الخطوط والخيوط اشتبكت وتداخلت حتى ضاع راس الشليلة. ثم اما كنا "سنبني الاشتراكية معا"؟
قلت: افهم ان ترسل تعزية باسم النادي، كعرف دبلوماسي ملزم اما قصيدة خرييييييدة (اطلت الياء حتى كادت تطاله).
"بعدين آني شاعر، عندي عواطف اريد ان اعبّر عنها، البكر رئيس جمهورية العراق، ابونا كلنا (لم افهم ابو شنو؟ ومنو؟) ابو كل العراقيين" اضاف مستطردا.
قدّته الى زاوية في عمق الحديقة. سألته: "انت جاد"؟ لم يجب. اطرق طويلا، ثم قال:"تريد الصدكَ، واقفة عالصبّة" وأطرق خجِلا.
كان قد شرع في بناء بيت (اعتقد بيته الحالي، ملاصق للمندي) ويبدو انه اشتط في الإضافة والتوسع حتى نضب معينه، وتوقف البناء عند "الصبّة" (الصبّة: السقف الكونكريتي)
كان يتوقع ان تكون "عطيّته" لقاء القصيدة لا اقل من ألف دينار، تسعيرة ذلك الوقت، وهي، وفق حسابات المقاول، تكفي وربما تزيد.
"ما تقول كده عالصبح" عاجلته بالمصرية الدارجة. "خبصتنا: ابونا وامنا الخ جان فضّيتها من الأول". ضحكنا معا.
لم يمض وقت طويل حتى جتي "الرزقة" الثانية: قُتل ابن البكر، محمد، ان لم تخني الذاكرة. في حادث قيل انه مدبّر، قلت في سري وفي بالي رزاق: جتي والله جابها! صدكَ لوكَالو رزق الشعراء (في الأصل البزازين /القطط) عالمعثرات).
لم يكذّب رزاق الخبر؛ "جِفَتَه" (عاجله) لأبونا، الأب القائد، بخريييييدة اخرى (مع مراعاة التشكيل ثانية) "اقمش" من الأولى .
التقيت رزاق، بعد ايام في الدائرة. اقتدته الى ملاذنا من العيون والآذان، ركن قصيّ من الحديقة. سألته بين الجد والهزل: النوبه علويش واكَفه المحروسة؟ ردّ على الفور وبدون تردّد: "عالمسنّاية"! (صبّة كونكريتية تطل على النهر) وضحكنا معا... وانزلق رزاق، منذ ذلك الوقت، من الصبّه الى المسنّاية، وغاص عميقا الى ما انتهى اليه..
افكر الآن وانا استذكر امثلة رزاق ويوسف الصائغ (مع الفارق بينهما، مهما كان بسيطا، ولعلي سأكتب عن ذلك مستندا الى لقاءات عدة بيوسف قبل السقوط /الغزو وبعده) وربما غيرهم من المثقفين التقدميين، الذين ركعوا والتحقوا بركب السلطان، طمعا في ذهبه او خوفا من سوطه: لو انهم عاشوا في ظروف اخرى، في بلد يحترم حريات مواطنيه ويكرم مبدعيه، أ كانوا انتهوا الى ما انتهوا اليه؟
قرأت، مرة، وانا في المنفى، في سورية، عددا من القصائد تمجد السلطان. كان أسوأها قصيدة ظل فيها الشاعر ينحني، بعد كل مقطع، راكعا متذللا امام السلطان. عجبت كيف لم ينكسر ظهره! كتبت بعدها في صحيفة "الغد الديمقراطي" وكنت احد محرّريها ، وانا استعرض نماذج من هذا "الشعر" مقالة عنونتها: "دور الفاشية في تحويل الإنسان الى قرد" قالبا عنوان كتاب لأنجلز بعنوان "دور العمل في تحويل القرد الى انسان".
ونحن نستذكر امثلة رزاق ويوسف وغيرهم وندينهم؛ ينبغي ان لا ننسى المجرم الأول: الفاشية والبطش وان نركز الإدانة عليهما، لا على الضحايا، من دون تبرير سقوطهم، وان لا نسمح بعودتهما، والا فاِن نماذج يوسف ورزاق ستتكرّر.
من الجهة الأخرى، فانه تدهشني مواقف الشماتة التي تقابل بها سقوط قامات عملاقة، مثل رزاق ويوسف وغيرهما، وقد لاحظتم نماذج من هذه المواقف في بعض التعليقات. يبدو لي انه ينبغي ان يقابل اي سقوط من هذا النوع، بالأسف والحزن والأسى، لا بالشماتة التي تبلغ، احيانا، حد التلذّذ المرضي، كمن يتلذّذ بلعق جرحه.
لكن، من الجهة الثالثة، كيف سوّغ مثقفون بارزون، مثل يوسف ورزاق، ان ينضموا الى حاشية السلطان، وان"يطحنوا" هذا الطحن المذل، وهم على هذا القدر من الوعي الذي كان يمكن ان يعصمهم مما انتهوا اليه؟ كان يمكنهم الإنزواء، كما فعل كثيرون؟ اذا استبعدنا، لغرض البحث كما يقال، دور الفاشية والبطش، يتدخل هنا العامل الذاتي.
كان ل ابد ان يلجأوا الى الإيهام الذاتي باَن ما يفعلونه هو الصواب، وليس بسبب الخنوع للبطش والطمع بالمكاسب، وان يختلقوا لذلك الذرائع حتى يقتنعوا - بل يقتنعون فعلا وحقاً - ويقنعوا الآخرين بها. لعل غيري من المختصين اقدر مني على الخوض في هذا المجال.
اين يمكن ان نضع، اخيرا، نماذج مثل يوسف الصائغ وعبدالرزاق عبدالواحد؟
من الصعب، الآن، وحمى المعارك لم تهدأ بعد ولم ينجلِ غبارها، من الصعب ان يتوصل المرء الى حكم منصف بعيد عن الهوى. سيمضي وقت طويل قبل ان يتم التوصل الى رأي اقرب الى الصواب. وسيظلون مدار خلاف وجدل.
لنتذكر، فقط، مثال دوستييفسكي، الذي تحول من ثائر ديسمبري ضد القيصرية، الى مبرّر ومدافع عنها (الأخوة كرامازوف ، الأب الفاسد) وها هو الآن قامة من أعلى القامات في الأَدب الروسي والعالمي.
ولنتمثل بعظة المسيح: "اما الزبد فيذهب جفاءً، واما ما ينفع الأرض فيمكث فيها" وليسامحني المسيح، وهو المبشر بالتسامح، ان كنت أخطأت في الإقتباس.
13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015