نوري السعيد / الحلقة الاخيرة 30/30

حامد الحمداني
2015 / 11 / 12

نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى
الحلقة الثلاثين / الأخيرة
حامد الحمداني 12 / 11/2015
العراق يرد بإقامة الاتحاد الهاشمي بوحي من بريطانيا:
لم تكد سوريا ومصر يعلنان قيام الوحدة بينهما، حتى بدأ النظامان الهاشميان في بغداد وعمان يفقدان صوابهما، فقد كان وضع النظامين قلقاً جداً، والحركة الثورية في كلا البلدين على أشدها، وبشكل خاص في العراق، الذي خاض شعبه خلال فترة زمنية قصيرة ثلاث معارك مع النظام، وكاد يسقطه.

لقد خاض الشعب معارك وثبة كانون المجيدة عام 1948، ومعارك وثبة تشرين المجيدة عام 1952، وانتفاضة عام 1956، أبان العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة، فقيام الوحدة بين سوريا ومصر، وتدفق المد الثوري العربي التحرري من المشرق إلى المغرب، حشر النظامين الهاشميين في زاوية حرجة، لا يعرفان كيفية الخروج منها.

لقد رفض النظامان الاعتراف بالوحدة، وتجنب السفيران العراقي والأردني تقديم أوراق اعتمادهما لكي لا يكون الاعتراف قانونياً، وتوجه النظامان إلى الولايات المتحدة وبريطانيا يطلبان الدعم والمشورة معاً. ولاشك أن الإمبرياليين كانوا يشعرون فعلاً بقلق كبير عما يمكن أن تؤول إليه الأمور بعد الوحدة، وإمكانية امتدادها ، ولذلك عقدوا العزم على تطويقها، وإفشالها، والقضاء عليها. (2)

كانت الخطوة الأولى في هذا السبيل هي حماية النظامين الهاشميين في العراق والأردن، ولذلك أشارت بريطانيا إلى ضرورة قيام اتحاد هاشمي بين البلدين لحماية النظام الأردني الضعيف نسبيا ،عن طريق استدعاء قوات عراقية لترابط في الأردن تحسباً لكل طارئ.
لقد أقترح وزير الخارجية البريطاني [ سلوين لويد ] خلال الاجتماع الوزاري لحلف بغداد المنعقد في اسطنبول ما يلي : (3)

1 ـ قيام اتحاد بين العراق والأردن والسعودية، ليكون أحسن رد على الوحدة المصرية السورية.
2 ـ تشجيع المقاومة السورية، وبث الدعايات لهدم الوحدة، والقيام بعمل عسكري لهدم هذه الوحدة إذا اقتضى الأمر.
سارع الملك حسين إلى إيفاد وزير بلاطه [ سليمان طوقان ] إلى بغداد، بناء على اقتراح سلوين لويد، وحمله رسالة إلى الملك فيصل وعبد الإله يدعوهما مع بعض وزرائهما إلى عمان للنظر في موضوع الاتحاد.
وفي 11 شباط 1958 طار الملك فيصل، وبصحبته وزراء الخارجية والمالية والعدلية السادة برهان الدين باش أعيان ونديم الباجه جي، وعبد الرسول الخالصي، ثم لحق بهم توفيق السويدي، ورئيس أركان الجيش رفيق عارف، ورئيس الديوان الملكي عبد الله بكر، وبقي الوصي في بغداد في بادئ الأمر لينوب عن الملك، إلا أنه غادر بعد ذلك إلى الأردن ملتحقاً بالركب، في 13 شباط 1958.

و جرت في عمان اجتماعات مطولة بين الطرفين انتهت إلى التوصل إلى قيام {الاتحاد العربي }!! بين القطرين اعتقاداً منهما أن هذا الاتحاد سيكون خير ضامن للعرشين الهاشميين في العراق والأردن، لكنه لا يعدو أن يكون في الحقيقة سوى رداً على الوحدة السورية المصرية، بإيعاز بريطاني ـ أمريكي. (4)

الإعلان عن قيام الاتحاد العربي:
في 14 شباط 1958 صدر بيان مشترك أذيع من محطتي إذاعة بغداد وعمان يعلن عن قيام ما دعوه بالاتحاد العربي، وهذا هو نصه :
تلبية لدعوة حضرة صاحب الجلالة الملك حسين بن طلال، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، حضر إلى عمان يوم الثلاثاء المصادف 11 شباط 1958 حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل الثاني ملك العراق المعظم، وحضر أيضاً يوم الخميس الموافق 13 شباط حضرة صاحب السمو الملكي الأمير عبد الإله، ولي العهد المعظم .

وقد عُقدت اجتماعات عدة كانت تظللها ذكرى الثورة العربية الكبرى، وأهدافها، خلال هذه المدة برئاسة جلالتهما، وحضور سموه الملكي، وحضرها عن الجانب العراقي كل من أصحاب الفخامة والمعالي السادة [توفيق السويدي]عضو مجلس الأعيان، و[برهان الدين باش أعيان] وزير الخارجية، [ونديم الباجه جي] وزير المالية، و[عبد الرسول الخالصي] وزير العدل، و[عبد الله بكر] رئيس الديوان الملكي، و[بهاء الدين نوري] سفير العراق في عمان، والفريق الركن[رفيق عارف] رئيس أركان الجيش.

وعن الجانب الأردني كل من أصحاب الفخامة والمعالي، والعطوفة السادة [إبراهيم هاشم ]،رئيس الوزراء،و[سمير الرفاعي ]،نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، و[سليمان طوقان ]، وزير البلاط، و[خلوصي خيري ]، وزير الاقتصاد الوطني،و[ أحمد طراونة ]،وزير التربية والتعليم والعدلية،و[بهجت التلهوني] رئيس الديوان الملكي الأردني، و[عاكف الفائز] وزير الدفاع والزراعة، و[فرحان شبيلات]، سفير الأردن في بغداد و[الفريق حابس المجالي ]،رئيس أركان الجيش الأردني، واللواء [صادق الشرع ]، ومعاون رئيس أركان الجيش . وكانت نتيجة المباحثات التي جرت في تلك الاجتماعات حول الاتحاد بين المملكتين العراقية والأردنية أن تم التوصل بين الطرفين إلى عقد اتفاق لقيام [ الاتحاد العربي ] بين الدولتين الذي أعلن اليوم.

صدر في يوم الجمعة 24 رجب 1377 الموافق 14 شباط 1958، في قصر بسمان العامر بعمان.

نص اتفاق الاتحاد العربي : (6)
المقدمة :
لما كانت الثورة العربية الكبرى التي قادها جلالة المنقذ الأعظم [الحسين بن علي] إيذاناً ببزوغ فجر جديد للأمة العربية تمثلت بالتضحية والفداء في سبيل تحرير الوطن العربي الكبير، وتوحيد شعوبه وأقطاره، لاستعادة مكانة العرب بين أمم العالم، والمساهمة في تقدم الحضارة الإنسانية، ولما كانت تلك الثورة المباركة قد انبثقت عن إرادة العرب في الحرية والوحدة، مستندة في ذلك إلى ماضيها المجيد، وإيمانها بنفسها، وبرسالتها القومية الخالدة، ولما كانت رسالة الثورة العربية التي قضى باعثها في سبيلها، قد انتقلت إلى الأبناء والأحفاد، يتوارثونها جيلاً بعد جيل، لتبقى المشعل الذي يهدي الأمة العربية في سيرها نحو أمانيها المنشودة في الوحدة الشاملة المستكملة لجميع أسباب الحرية والسيادة والعزة، لاستعادة الأمجاد، والمحافظة على التراث والمقدسات، والتطلع إلى مستقبل مشرق في ظلال هذه الوحدة المباركة، فقد قررت الدولتان الهاشميتان إنشاء اتحاد بينما يقوم على هذه الأهداف السامية، وتحقيقاً لهذه الغايات والأماني القومية، تم الاتفاق بين الطرفين على ما يلي :
1ـ ينشأ اتحاد عربي بين المملكة العراقية والمملكة الأردنية الهاشمية باسم [الاتحاد العربي] اعتباراً من يوم الجمعة 24 رجب 1377هجرية والموافق ليوم 14 شباط 1958 ميلادية، ويكون هذا الاتحاد مفتوحاً للدول العربية الأخرى التي ترغب للانضمام إليه.
2ـ تحتفظ كل من الدولتين بشخصيتها الدولية المستقلة، وسيادتها على أراضيها، ونظام الحكم القائم فيها.
3ـ تكون المعاهدات، والمواثيق، والاتفاقات الدولية التي سبق أن ارتبطت بها كل من الدولتين قيل قيام الاتحاد بينهما مرعية بالنسبة للدولة التي عقدتها، وغير ملزمة للدولة الأخرى.
أما المعاهدات والمواثيق والاتفاقات الدولية التي ستعقد بعد قيام الاتحاد، والتي تدخل ضمن موضوعات الاتحاد من اختصاص وسلطة حكومة الاتحاد.
4ـ اعتباراً من تاريخ الإعلان الرسمي لقيام الاتحاد، تنفذ إجراءات الوحدة الكاملة بين دولتي الاتحاد في الأمور التالية :
أ ـ وحدة السياسة الخارجية والتمثيل السياسي .
ب ـ وحدة الجيش العراقي والجيش الأردني .
ج ـ إزالة الحواجز الجمركية بين الدولتين، وتوحيد القوانين الجمركية .
د ـ توحيد مناهج التعليم .
5ـ يتفق الطرفان بأسرع وقت على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوحيد النقد، وتنسيق السياسة المالية والاقتصادية بين الدولتين.
6ـ عندما تقتضي الظروف، ومصلحة الاتحاد، توحيد أي أمر من الأمور الأخرى، غير الواردة في المادة الرابعة، تتخذ الإجراءات اللازمة بموجب دستور الاتحاد، لإدخال ذلك الأمر ضمن اختصاص وسلطات حكومة الاتحاد.
7ـ يكون علم الثورة العربية علم الاتحاد، وعلماً لكل من الدولتين.
8ـ أـ تتولى شؤون الاتحاد حكومة اتحادية تتألف من مجلس تشريعي، و سلطة تنفيذية .
ب ـ ينتخب كل من مجلس النواب العراقي والأردني، أعضاء المجلس التشريعي من بين أعضائهما بعدد متساوي من الدولتين .
ج ـ يعين أعضاء السلطة التنفيذية وفق أحكام دستور الاتحاد، لتولي الأمور التي تدخل ضمن اختصاص حكومة الاتحاد.
9 ـ يكون ملك العراق رئيساً لحكومة الاتحاد، وفي حالة غيابه، لأي سبب كان، يكون ملك الأردن رئيساً لحكومة الاتحاد، ويحتفظ كل من الملكين بسلطاته الدستورية في مملكته، وعند انضمام دولة أخرى إلى الاتحاد، يعاد النظر في وضع رئاسة الاتحاد حسب مقتضيات الأمور.
10 ـ يكون مقر حكومة الاتحاد بصورة دورية في بغداد لمدة ستة أشهر، وفي عمان لمدة ستة أشهر أخرى.
11ـ أـ تضع حكومة الاتحاد دستوراً للاتحاد، وفق الأسس المبينة في هذا الاتفاق، ويعدل دستور كل من الدولتين إلى المدى والحدود التي تقتضيها أحكام دستور الاتحاد .
ت ـ تتخذ التدابير والإجراءات اللازمة لإقامة حكومة الاتحاد، ووضع دستور الاتحاد في مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر من تاريخ توقيع هذا الاتفاق.
12ـ يبرم هذا الاتفاق وفق الأصول الدستورية لكل من الدولتين.
صدر عن قصر بسمان العامر في عمان، في يوم الجمعة 24 رجب 1377 هجرية، المصادف ليوم 14 شباط 1958 ميلادية .

لقد كان واضحاً أن هذا الاتحاد الذي أقيم على عجل ـ بعد عشرة أيام من قيام الوحدة بين سوريا ومصر ـ لم يكن في الحقيقة سوى رداً على هذه الوحدة التي هزت أركان النظامين الهاشميين، مما حدا ببريطانيا والولايات المتحدة إلى حثّ الملك حسين، والملك فيصل الثاني على الإسراع بإقامة هذا الاتحاد، خوفاً من المد الثورة الوحدوي الذي اجتاح العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، وهدد بشكل جدي بقاء واستمرار هذين النظامين المرتبطين بالإمبريالية أمام ذلك المد الجارف .
كما جرت محاولات لجر المملكة العربية السعودية لهذا الاتحاد، إلا أن الحكام السعوديون الذين كانوا لا يشعرون بالارتياح للهاشميين، ولاسيما بعد أن أنتزع عبد العزيز آل سعود الحكم منهم في الحجاز ونجد، منعهم من الإقدام على اتخاذ على هذه الخطوة. (7)

ولاشك أن للصراع البريطاني ـ الأمريكي على نفط العرب كان له دور في ذلك، فالولايات المتحدة وإن كانت لها مصالح مشتركة مع بريطانيا، إلا أنها كانت ترمي إلى إزاحة السيطرة البريطانية المطلقة على منطقة الخليج، وهذا ما جرى فعلاً، حيث استطاعت الولايات المتحدة أزاحتها شيئاً فشيئاً عن المنطقة، ليصبح لها حصة الأسد في نفط الخليج .
ولابد أن أشير هنا إلى أن قيام الاتحاد بين المملكتين قد قوبل بكل برود، وعدم اهتمام ليس من قبل الشعبين العراقي والأردني فحسب، بل من سائر الشعوب العربية، على عكس ما جرى حين قيام الوحدة بين سوريا ومصر، حيث اجتاحت العالم العربي موجة عارمة من الأفراح بقيامها لأن الشعوب العربية كانت مدركة أن تلك الوحدة كانت موجهة ضد المؤامرات الإمبريالية على العرب، في حين كان واضحاً تماماً أن الاتحاد الهاشمي، هو اتحاد ملوك، لا اتحاد شعوب، اتحاد اقتضته مصالح الإمبرياليين وربيبتهم إسرائيل، لكي يقف سداً بوجه المد الثوري الوحدوي العربي التواق للتحرر من السيطرة الإمبريالية. (8)

ورغم كل ما خططه الإمبرياليون، فقد كان المد الثوري الجارف أقوى منهم ومن مخططاتهم، ولم يستطع ذلك الاتحاد الصمود سوى خمسة أشهر فقط، فقد انهار النظام الملكي في العراق خلال ساعات، أمام ثورة الرابع عشر من تموز 1958 المجيدة، وسقط ذلك الاتحاد المسخ، واضطر الإمبرياليون إلى إنزال قواتهم العسكرية في الأردن ولبنان، لحماية تلك الأنظمة التي صنعوها في هذين البلدين، ولمحاولة الاعتداء على العراق، وإجهاض الثورة.

لكن أحلامهم باءت بالفشل، بعد الدعم الحاسم من قبل الشعب العراقي، والجمهورية العربية المتحدة، والاتحاد السوفيتي، وسائر الشعوب العربية للثورة، واضطر الإمبرياليون إلى تبديل خططهم، وتكتيكاتهم، ومحاولة التآمر الخفي،بالتعاون مع عملائهم، ورجالهم ، ومرتزقتهم لإسقاط النظام الجديد في العراق، واغتيال الثورة بعد بضعة أعوام .

تصاعد التوتر في المنطقة، وعودة نوري السعيد للحكم
بالنظر للتطورات التي حصلت في المنطقة، بعد قيام الوحدة بين سوريا ومصر، وما سببته تلك الوحدة من قلق بالغ، ليس للنظامين العراقي والأردني فحسب، بل للإمبريالية ومشاريعها ومخططاتها في المنطقة، ولإسرائيل،لذلك وجد الإمبرياليون البريطانيون والأمريكيون أن خير من يستطيع تولي الأمور في العراق في ذلك الوقت هو نوري السعيد ـ رجل الإمبريالية الأول في المنطقةـ وهكذا جرى الإيعاز إلى عبد الوهاب مرجان لتقديم استقالة حكومته بذريعة ضرورة حل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة، وإجراء تعديلات على الدستور العراقي، اقتضاها قيام الاتحاد الهاشمي.

لكن الحقيقة هي أن رئيس الوزراء [ عبد الوهاب مرجان ] رفض خطط عبد الإله ونوري السعيد بإرسال الجيش العراقي للاعتداء على سوريا، وقلب نظام الحكم فيها، مما أثار غضب عبد الإله ونوري السعيد اللذان ظنا أن الظروف مؤتية للعدوان على سوريا، وتحقيق حلم عبد الإله بعرش على سوريا، وأن موقف مرجان يحبط طموح عبد الإله فأوعز إلي مرجان بتقديم استقالة حكومته. (9)

وهكذا تقدم عبد الوهاب مرجان باستقالة حكومته إلى الملك فيصل في 2 آذار 1958، وتم قبول الاستقالة في اليوم التالي، وصدرت الإرادة الملكية بتكليف نوري السعيد بتشكيل الوزارة الرابعة عشرة له منذ تأسيس النظام الملكي، وجاءت الوزارة على الوجه التالي : (10)
1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للدفاع .
2 ـ فاضل الجمالي ـ وزيراً للخارجية .
3 ـ سعيد قزاز ـ وزيراً للداخلية .
4 ـ جميل عبد الوهاب ـ وزيراً للعدلية .
5 ـ ضياء جعفر ـ وزيراً للاقتصاد .
6 ـ عبد الكريم الازري ـ وزيراً للمالية .
7 ـ سامي فتاح ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
8 ـ محمد مشحن الحردان ـ وزيراً للزراعة .
9 ـ عبد الحميد كاظم ـ وزيراً للمعارف .
10 ـ عبد الأمير علاوي ـ وزيراً للصحة .
11 ـ صالح صائب الجبوري ـ وزيراً للمواصلات والأشغال .
12 ـ رشدي الجلبي ـ وزيراً للأعمار .
14 ـ برهان الدين باش أعيان ـ وزيراً بلا وزارة .
15 ـ محمود بابان ـ وزيراً بلا وزارة .
16 ـ رابح العطية ـ وزيراً بلا وزارة .

وقد أعلن نوري السعيد فور تأليفه للوزارة أن هذه الوزارة تألفت في ظروف خاصة ومعلومة يجتازها العراق على وجه خاص، والبلاد العربية بوجه عام، وأن مهمتها ستكون العمل على دعم الاتحاد الهاشمي، وتقويته بجميع الوسائل الممكنة، وتثبيت الاستقرار في البلاد، والأمر المؤكد أن نوري السعيد قد عاد إلى الحكم من جديد بسبب قيام الوحدة بين سوريا ومصر، وما شكلته من مخاطر على النظام في العراق والأردن ولبنان وإسرائيل، وجاء السعيد يحدوه الأمل في تقويض تلك الوحدة وفصم عراها، حتى لو تطلب الأمر التدخل العسكري ضد سوريا، بدعم وإسناد من أسياده الإمبرياليين.

ويقول [ ارسكين تشايدلرز] في كتابه [ الحقيقة عن العالم العربي ] :
{توصل نوري السعيد، الذي كان على توافق تام مع كميل شمعون رئيس الجمهورية اللبنانية، إلى قراره الذي قُدر له أن يولد ميتاً، وهو الدخول إلى سوريا بقوة عسكرية عن طريق الأردن للقضاء على الوحدة السورية المصرية، والعمل على سحق الثورة في لبنان ضد نظام كميل شمعون. (11)

ولقد أكد رئيس الوزراء السيد عبد الوهاب مرجان أهداف وخطط نوري السعيد تلك للسيد عبد الرزاق الحسني حيث قال : (12)
{ لما رجع نوري السعيد من اجتماع ميثاق بغداد الذي عقد في أنقرة، أجتمع بي وبولي العهد عبد الإله، ورئيس الديوان الملكي عبد الله بكر، وقال: {إن سوريا مقبلة على ثورات، وإن الواجب على العراق إسناد سوريا، وإن أدى الأمر إلى تدخل الجيش العراقي، فأجبته أني لا أرى من المصلحة زج جيش العراق في أحداث سوريا الداخلية، وإن أية حكومة عراقية توعز إلى جيشها بالذهاب إلى سوريا سينقلب عليها}. فاستغرب نوري السعيد هذه المفاجأة وسألني قائلاً :
{من جاءك بهذا الخبر؟ فقلت له إنه مدير الأمن العام [ بهجت العطية] فأنكر السعيد صحة ذلك، وكان المطلوب أصلاً إرسال جيش عراقي على الأردن للوقوف على حدود سوريا والتدخل عند تأزم الساعة}.

استقبل الشعب العراقي وزارة السعيد بوجوم وقلق شديدين، فقد عوده السعيد عند ما ألف جميع وزاراته الثلاث عشرة السابقة أنه جاء لينفذ مهام خطيرة أوكلها له أسياده البريطانيون، وأنه مقدم على المزيد من الانتهاكات لحقوق وحريات الشعب، وتشديد الخناق عليه، وكما أسلفنا عند استعراضنا للفترات التي حكم فيها نوري السعيد أنه لا يتوانى عن استخدام أشد الأساليب القمعية ضد الشعب وقواه الوطنية من أجل تنفيذ ما أوكل له من مهام .

ولذلك فقد بادر 41 شخصية سياسية من رؤساء وزراء، ووزراء سابقين، ونواب وقادة الأحزاب الوطنية، وكبار المحامين ورجال القانون، وأساتذة الكليات، بتقديم مذكرة إلى نوري السعيد تحذره فيها من مغبة السير على نفس الطريق الذي سار عليه، وما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج . (13)

إلا أن نوري السعيد منع نشر نص المذكرة في الصحف العراقية، وحاول تجاهلها، مما اضطر مقدمي المذكرة إلى نشرها في صحيفة الشعب المصرية في عددها الصادر في 4 نيسان 1958، وكان لها دوي هائل بين جماهير الشعب العراقي، وفيما يلي نص تلك المذكرة: (14)
{فخامة رئيس الوزراء المحترم :
عدتم إلى الحكم في ظروف يقف خلالها العراق في مفترق الطرق، ويتوقف على سلوك الطريق القويم منها مصير الأجيال المقبلة، وقد اخترتم من قبلْ سياسة معينة، أدت إلى تحويل وجهة العراق من الأمة العربية إلى الارتباط بحلف بغداد، والاتفاق الخاص مع بريطانيا، وفي سبيل تمشية تلك السياسة عُطلت جميع حقوق الشعب الدستورية، وأصبح من المتعذر في هذا الجو الخانق الذي يسود العراق أن يعلن أبناء الشعب وجهة نظرهم وهم آمنون من الأذى. لذلك رأينا نحن الموقعون أدناه أن نصارحكم بالحقائق التالية أملاً في أن نحمل الحكومة على سلوك الطريق الوحيد الذي يتفق مع مصلحة الشعب، ومطالبه الوطنية، وأمانيه القومية.
إن العراق يا صاحب الفخامة لا يمكن أن ينفصل عن الأمة العربية، فهو جزء لا يتجزأ منها، وقد رأيتم تجاوب الأمة العربية معه في استنكار حلف بغداد، كما رأيتم استحالة مدّ الحلف المذكور إلى أي بلد عربي آخر، فلا بدّ أولاً من الخروج من هذا الحلف، وتحريره من الاتفاق الخاص مع بريطانيا ليشعر العراق أنه أصبح مستقلاً من التبعية الأجنبية التي كانت وستضل مصدراً لجميع متاعبه الداخلية ومشاكله مع سائر الدول العربية، وبإقرار هذه الخطوات الأولى تنتفي أهم العوامل التي أدت إلى تعطيل حقوق الشعب وحرياته، فما مرّ في العراق عهد انتهكت فيه هذه الحقوق، وهدرت فيه هذه الحريات كالعهد الذي رافق عقد هذا الحلف، والاتفاق الخاص مع بريطانيا.

ونحن واثقون أن الشعب حين يجد نفسه حراً من القيود التي كبلته بها الروابط المصطنعة المذكورة طليقاً من الأصفاد التي غلّت حرياته، سيتجه بكل قواه نحو الاتحاد الشامل مع سائر الدول العربية، ولن يرضَ أن يزعم بضعة أشخاص أنهم يمثلونه حين يدعوه جهراً إلى تفريق الصف العربي، بإعلان عدائهم السافر لتحقيق خطوة كان العرب يعتبرونها حلماً بعيد المنال، ألا وهي اتحاد مصر وسوريا في دولة عربية واحدة، فما كان لمواطن مخلص أن يتمنى شيئاً أعز من أن تتحمل مصر مسؤوليتها في بناء الوحدة العربية.

وقد أعلن المسؤولون عن ميثاق الوحدة أن بابها مفتوح لأي دولة عربية، وبأي شكل تختاره من أشكال الاتحاد. وبالفعل بدأت فوراً مفاوضات الاتحاد بين الجمهورية العربية المتحدة والمملكة اليمنية، وأن مسيرة تحقيق الوحدة بين مصر وسوريا، وممارسة كل منها لحقوق السيادة الكاملة المجردة من أي تبعية لأية دولة أجنبية، فالقول بأن الوحدة بين مصر وسوريا تعتبر تحدياً للعراق هو قول لا يقره عاقل، لأن وحدة العرب قوة لجميع العرب، وليس في استطاعة أية دولة أجنبية حمل المواطنين في أي بلد عربي على الاستسلام لها.

ومن العجب أن يتظاهر البعض برغبته في إقامة اتحاد بين سوريا والعراق، وينكر إقامة اتحاد بين العراق من جهة، وسوريا ومصر من جهة أخرى، وكذلك الحال بالنسبة للأردن فإن دخوله مع العراق في اتحاد يشمل الجمهورية العربية المتحدة، أدعى إلى تعزيز وحدة الصف العربي.

إن العراقيين يا صاحب الفخامة، قد ملوا العهد الذي يبيح لبضعة أشخاص أن يدعوا التعبير عن إرادة الشعب، في وقت لا يجد فيه هذا الشعب أي وسيلة للإفصاح عن رأيه في صحف حرة، أو اجتماعات، أو انتخابات سليمة، بعد أن عُطلت أحكام الدستور التي هي كل لا يتجزأ، لذلك نرى أن من واجبنا أن نهيب بفخامتكم إلى الالتفات إلى رغبات الشعب، وهي رغبات صريحة توجب توحيد الصف العربي، والتحرر من ميثاق بغداد، والاتفاق الخاص مع بريطانيا، وإطلاق الحريات الدستورية، بما فيها حرية التنظيم الحزبي والنقابي، وحرية الصحافة، والاجتماعات العامة، والإفراج عن المحكوم عليهم في القضايا السياسية، ليستطيع الشعب الجهر بآرائه الرامية إلى تحقيق الاتحاد المنشود بين العرب كافة. وتفضلوا يا صاحب الفخامة بقبول فائق الاحترام} .

بغداد، في 24 شعبان 1377 هجرية المصادف ليوم 15 آذار 1958 ميلادية.
صورة منه إلى رئيس الديوان الملكي .
الموقعون :
محمد رضا الشبيبي ـ محمد مهدي كبه ـ ناجي شوكت ـ مزاحم الباجه جي ـ تحسين علي ـ سعد عمر ـ حسين جميل ـ فائق السامرائي ـ محمد صديق شنشل ـ سامي باش عالم ـ جمال عمر نظمي ـ حسن عبد الرحمن ـ علي الصافي ـ محمد حديد ـ جميل كبه ـ محمد أحمد العمر ـ نجيب الصائغ ـ صالح الشالجي ـ محمد بابان ـ فيصل حبيب الخيزران ـ كامل الشالجي ـ أحمد زكي الخياط ـ مظهر فهمي العزاوي ـ محمود رامز ـ زكي جميل حافظ ـ رمزي العمري ـ ناجي يوسف ـ عواد علي النجم ـ إبراهيم عطار باشي ـ محمود الدرة ـ عبد الحميد الياسري ـ هديب الحاج حمود ـ عبد الشهيد الياسري ـ نعمان العاني ـ فؤاد الركابي ـ جميل أمين ـ عبد الرحمن البزاز ـ محمد الطريحي ـ د .مصطفى كامل ياسين ـ
د . عبد الله إسماعيل البستاني ـ د . فيصل الوائلي ـ د . عباس الصراف .
وقد كلف الموقعون على المذكرة السيد ناجي شوكت ـ أحد رؤساء الوزارات السابقين ـ بمقابلة ولي العهد عبد الإله، وتقديم صورة من المذكرة إليه، والطلب منه العمل على تجميد ميثاق بغداد، وإبعاد نوري السعيد عن سدة الحكم، وتعينه سفيراً في الولايات المتحدة، وتكليف أحمد مختار بابان بتأليف وزارة مختلطة، وإعادة النظر في سياسة الخارجية والداخلية.

لكن عبد الإله رفض الاستجابة لما جاء في المذكرة، وحتى الاستجابة للمقابلة، كما تجاهلها نوري السعيد، وقد عزز هذا الموقف من قبل عبد الإله ونوري السعيد الرأي القائل أن لا أمل يرتجى من هذا النظام الذي ربط مصيره بمصائر الإمبرياليين، وان لا طريق أمام الشعب وقواه الوطنية سوى العمل على إزاحة هذا النظام بالقوة. (15)

مضى نوري السعيد في تنفيذ سياسته المرسومة، فعدل الدستور في 11 أيار 1958، ليسمح للعراق بإقامة الاتحاد الهاشمي، كما أقدم على حل البرلمان في 28 آذار من العام نفسه، وحدد موعداً لإجراء الانتخابات في 5 أيار 1958.

أعلنت القوى والأحزاب الوطنية، وجماهير الشعب مقاطعتها للانتخابات في ظل الظروف السائدة، حيث ألغيت الأحزاب والجمعيات، والصحف، وسلبت كافة الحقوق والحريات العامة التي نص عليها الدستور، وحيث تُحكم البلاد بموجب المراسيم غير الدستورية الجائرة، فقد كان معروفاً سلفاً نتائج مثل هكذا انتخابات، وقد أسفرت تلك الانتخابات الشكلية عن فوز 118 نائباً سعيدياً بالتزكية، دون منافس، من أصل 148 نائباً، وكان الباقون من مؤيدي سياسة نوري السعيد كذلك، وقد أقّر البرلمان الجديد التعديلات الدستورية، والاتحاد الهاشمي. (16)
وبعد أن أتم نوري السعيد المهمة الموكلة له، تقدم باستقالة حكومته إلى الملك في 14 أيار 1958 ليتفرغ لرئاسة وزارة الاتحاد، حيث تم قبول الاستقالة، وكلف الملك السيد أحمد مختار بابان بتأليف الوازرة الجديدة في 19 أيار 1958، وكلف نوري السعيد بتأليف وزارة
الاتحاد .
نوري السعيد يتولى رئاسة حكومة الاتحاد الهاشمي:
على أثر قيام الاتحاد الهاشمي الذي دُعي بـ [ الاتحاد العربي ]، وتقديم نوري السعيد استقالة حكومته إلى الملك فيصل، كلفه الملك بتشكيل وزارة الاتحاد، حيث صدرت الإرادة الملكية في 19 أيار 1958، وجاءت الوزارة على الوجه التالي ـ
1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء .
2 ـ إبراهيم هاشم ـ نائباً لرئيس الوزراء .
3 ـ توفيق السويدي ـ وزيراً للخارجية .
4 ـ خلوصي الخيري ـ وزير دولة للشؤون الخارجية .
5 ـ سليمان طوقان ـ وزيراً للدفاع .
6 ـ سامي فتاح ـ وزير دولة لشؤون الدفاع .
7 ـ عبد الكريم الأزري ـ وزيراً للمالية .

ورغم أن نوري السعيد قد أصبح رئيساً لوزارة الاتحاد إلا انه ظل الحاكم الفعلي للعراق دون منازع، وركّز جُلّ اهتماماته لتدعيم الاتحاد من جهة، والعمل على إجهاض الوحدة السورية المصرية، ودعم نظام حكم كميل شمعون في لبنان، ومقاومة ثورة الشعب اللبناني.
كان نوري السعيد يخطط لإرسال القوات العراقية إلى الأردن، واتخاذه نقطة وثوب للعدوان على سوريا، ومحاولة احتلالها، والاندفاع بقواته نحو لبنان، لقمع الثورة الشعبية فيه .

ثورة 14 تموز1958، ونهاية النظام الملكي:

لم تجرِ الرياح كما تشتهي السفن، كما يقول الشاعر، وانقلب السحر على الساحر، وقامت القوات العراقية التي أريد لها أن تقوم بالعدوان على سوريا بالإطاحة بالحكم الملكي في العراق، والقضاء على رموزه، عبد الإله والملك فيصل، ونوري السعيد، وتهاوى كل ما بناه نوري السعيد طيلة الحكم الملكي خلال ساعات، في صبيحة الرابع عشر من تموز 1958، وأصيبت المخططات الإمبريالية بضربة موجعة لم تعرف لها مثيلاً من قبل، أفقدتها صوابها، وجعلتها تسرع إلى إنزال قواتها في لبنان والأردن لحماية النظامين فيهما ومحاولة العدوان على العراق وإجهاض ثورة 14 تموز المجيدة، والعودة بالعراق إلى أحضان الإمبريالية.

لكن خططهم باءت بالفشل، وثبّت الثورة أقدامها، واستمرت في سيرها إلى الأمام تسندها سواعد العراقيين، وبقية الشعوب العربية، وجميع القوى المحبة للسلام في العالم أجمع.
بعد الإعلان عن قيام الاتحاد العربي بين العراق والأردن، واستقالة حكومة نوري السعيد لكي يتفرغ لرئاسة حكومة الاتحاد، كلف الملك فيصل الثاني السيد أحمد مختار بابان بتأليف الوزارة العراقية، ولم تكن هذه الوزارة سوى امتداد لوزارة نوري السعيد السابقة، وبقي السعيد في واقع الأمر يحكم العراق، بوصفه رئيساً لوزارة الاتحاد، ويحدد سياسته وتوجهاته، ولم تقدم حكومة بابان أي شيء ملموس لمعالجة الأوضاع المتردية في البلاد، سوى استصدار إرادة ملكية بإعفاء الأستاذ كامل الجادرجي من بقية مدة سجنه، حيث كان المجلس العرفي العسكري قد حكم عليه عام 1956 بالسجن لمدة ثلاث سنوات.

أما ما يتعلق بالسياسة الخارجية فقد استمرت الحكومة بدعم الرئيس اللبناني كميل شمعون ضد إرادة شعبه، ومدته بالأسلحة بشكل مكثف ومتواصل، في محاولة لدحر الثورة الشعبية، وقد تكشف أمر هذه الأسلحة بعد قيام ثورة 14 تموز المجيدة، حيث تم فضحها، واعترف القائمون بإرسالها ونقلها أمام محكمة الشعب ـ المحكمة العسكرية العليا الخاصة ـ فقد اعترف عقيد الجو [يوسف عزيز]أمام المحكمة في 23 آب 1958 انه قد نقل بالطائرة 3 أطنان من الأسلحة والمعدات في 20 أيار 1958، بناء على أوامر الزعيم [أحمد مرعي ] معاون رئيس الديوان الملكي ، وسلمه إياها المقدم [يوسف محمود ] من الاستخبارات العسكرية، وقد استلمها في بيروت [ سيد عباس ] و شخص لبناني برتبة رئيس درك يدعى [نخلة مغبغب ]، كما نقل وجبة ثانية في 14 حزيران 1958، وسُلمت إلى الشخصين المذكورين أيضاً . (17)

وفي بيروت ضبطت قوات الانتفاضة اللبنانية سيارة عائدة للسفارة العراقية محملة بالأسلحة في 15 حزيران 1958، مما يؤكد ضلوع الحكومة العراقية في عملية دعم كميل شمعون ضد الشعب اللبناني.
لكن كل ذلك الدعم لم يفت في عضد الشعب اللبناني، وعزمه على إخراج شمعون من السلطة، وانهارت كل أمال شمعون في البقاء بعد قيام ثورة 14 تموز في العراق، وأعلن رئيس مجلس النواب اللبناني عن عقد جلسة للمجلس، في 24 تموز 1958 لانتخاب رئيس جديد للجمهورية بدلاً من شمعون الذي انتهت مدة ولايته في 23 تموز 958 ، وكان المقرر حسب الخطة التي وضعها نوري السعيد أن تدخل قوات عراقية عبر الأردن إلى سوريا لاحتلالها، والزحف نحو لبنان لسحق الثورة الشعبية فيها، وتجديد ولاية شمعون، وكان نوري السعيد الذي عُين رئيساً لحكومة الاتحاد الهاشمي، والتي أصبحت مسؤولة عن الشؤون الخارجية والدفاعية، يعمل بكل طاقته في هذا الاتجاه، حيث قام بمد النظام اللبناني برئاسة شمعون بالأسلحة والأموال كما أسلفنا، وأرسل جانباً من قوات الجيش العراقي إلى الأردن لأعداد العدة للهجوم على سوريا، والزحف نحو لبنان لتقديم الدعم العسكري لحكومة شمعون.

كما تبين من اعترافات أركان النظام العراقي،بعد ثورة 14 تموز المجيدة أمام محكمة الشعب، وكان من المقرر أن تُتبع تلك القوات بأخرى إضافية تتمثل في اللواءين التاسع عشر والعشرين، حيث كان اللواء التاسع عشر بقيادة الزعيم الركن [ عبد الكريم قاسم ] فيما كان اللواء العشرين بقيادة الزعيم [ أحمد حقي] يقود فوجين من أفواجه الثلاثة كل من العقيد [ عبد السلام عارف ] و العقيد [عبد اللطيف الدراجي ] وهما من ضباط اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار، بغية مهاجمة سوريا واحتلالها، وإجهاض الوحدة السورية المصرية، ولتقديم الدعم العسكري لشمعون، للقضاء على الثورة اللبنانية، بتخطيط،ودعم من الإمبرياليين.
ظن نوري السعيد أنه قادر على تحقيق هذا المخطط الإمبريالي، وكان يبدو مزهواً بقوته ومتانة حكمه، ويحلو له أن يردد مقولته الشهيرة [ دار السيد مأمونة ]، ولكن لم تمضِ سوى أيام معدودة حتى ظهر أن تلك الدار التي ظنها نوري السعيد مأمونة قد تهاوت بلمح البصر فوق رؤوس أصحابها فجر الرابع عشر من تموز 1958، حيث كان من المقرر أن يمرّ اللواءان التاسع عشر، والعشرين، القادمين من جلولاء ببغداد، في طريقهما إلى الأردن.
ولم يدرِ نوري السعيد أن هذين اللواءين سيحققان نهاية حكمه البغيض، ونهاية النظام الملكي العميل للإمبريالية وليلقى هو، وعبد الإله والملك فيصل الثاني نهايتهم، وتتلاشى أحلام الإمبرياليين في العدوان على سوريا وشعب لبنان، وليسدل الستار على تلك المرحلة من تاريخ العراق.
لم يجد الإمبرياليون بُد، بعد أن تلاشت آمالهم بنوري السعيد، وانهيار النظام الملكي من التدخل المكشوف في لبنان والأردن، حيث تم إنزال قواتهم في البلدين لحماية الأنظمة الرجعية فيها ومحاولة الاعتداء على العراق، وحركوا عملائهم في حلف بغداد ـ الذي أصبح دون بغداد ـ في تركيا وإيران لتحشيد قواتهما على الحدود العراقية استعداداً لعمل عسكري لإجهاض الثورة.

لكن موقف الاتحاد السوفيتي الحازم أفشل خطط الإمبرياليين، وجعلهم يفكرون ألف مرة قبل الأقدام على مغامرة حمقاء ربما كانت تجر العالم إلى هاوية الحرب بكل أسلحتها التقليدية وغير التقليدية، مما اضطر الإمبرياليين إلى تغير خططهم وتكتيكاتهم، ومحاولة لغم الثورة من الداخل عن طريق تنشيط عملائهم البعثيين الذين استطاعوا اغتيال ثورة 14تموز وقائدها عبد الكريم قاسم بانقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، وأغرقوا البلاد بالدماء .

انتهى الكتاب