نوري السعيد / الحلقة التاسعة والعشرون

حامد الحمداني
2015 / 11 / 9

نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى
الحلقة التاسعة والعشرون
الأحزاب الوطنية تقرر تشكيل جبهة الاتحاد الوطني
حامد الحمداني 9/ 11/2015
أدركت القوى والأحزاب الوطنية استحالة تغيير الأوضاع في البلاد من دون تعاونها المشترك، وبموجب برنامج يتم الاتفاق بشأنه من قبل كافة الأطراف.
ونتيجة للمساعي المبذولة في هذا السبيل جرت لقاءات بين قادة الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، والحزب الشيوعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والعديد من الشخصيات الوطنية المستقلة، وتم خلال تلك اللقاءات دراسة مكثفة حول السبل والوسائل الكفيلة لتحقيق أهداف الشعب وطموحاته، وإنقاذه من تلك الزمرة التي اغتصبت حقوقه وحرياته، وربطت البلاد بعجلة الإمبريالية، وأسفرت تلك الجهود عن تشكيل {جبهة الاتحاد الوطني } في شباط من عام 1957، وتم تشكيل لجنة عليا تضم ممثلين عن تلك الأحزاب. (31)

حاول الحزب الشيوعي إشراك الحزب الديمقراطي الكردستاني في الجبهة، إلا أن تلك المحاولة لقيت المعارضة من قبل الحزبين القوميين البعث والاستقلال، ولذلك فقد اكتفي الحزب الشيوعي بالتحالف الثنائي مع الحزب المذكور. وفي 9 آذار 1957، صدر البيان التأسيسي لجبهة الاتحاد الوطني، وقد استعرض البيان أسباب قيام الجبهة، وأهدافها، وقد أجمعت الأحزاب المنضوية فيها على الخطوط والأهداف الرئيسية التي ستناضل من اجل تحقيقها، والتي تم تحديدها بالبنود التالية:
1 ـ إسقاط حكومة نوري السعيد، وحل المجلس النيابي.
2 ـ الخروج من حلف بغداد، وأتباع سياسة الحياد الإيجابي.
3 ـ إطلاق الحريات الديمقراطية، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإلغاء كل ما يتعارض معها من مراسيم وتشريعات شاذة.
4ـ إلغاء مرسوم الإدارة العرفية، وحل المجالس العرفية، وإطلاق سراح المعتقلين والمسجونين السياسيين، وإعادة المفصولين إلى وظائفهم وكلياتهم ومدارسهم، وإلغاء مرسوم إسقاط الجنسية عن المواطنين.
5 ـ تعزيز الروابط مع البلدان العربية المتحررة.
وفيما يلي نص البيان التأسيسي الذي أعلنته اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني:

نص البيان التأسيسي لجبهة الاتحاد الوطني:
أيها الشعب العراقي الكريم :
نظرة في الوضع الدولي العام: يتميز الوضع الدولي العام باشتداد الكفاح على النطاق الدولي بين الدول الاستعمارية من جهة وبين القوى الوطنية والتحررية من جهة أخرى، باتخاذ الكفاح المذكور أشكالاً جديدة بعد أن تغير ميزان القوى داخل الجبهة الاستعمارية، وبينها وبين القوى الوطنية التحررية، تغيراً حاسماً، بعد فشل العدوان الجنوني الغادر على الشقيقة مصر، وتصدع البناء الاستعماري تصدعاً خطيراً، وانكشاف زيف المواثيق والأحلاف الاستعمارية، والدور المستنكر الذي قامت به دول حلف بغداد، وخاصة [ تركيا ] و[ العراق ] في العدوان المذكور. ومن البديهي أن يحاول الاستعمار، الذي يرى في نمو القومية العربية، ونشوء كتلة الدول العربية المتحررة، وتبلور الوعي القومي للشعوب العربية أكبر خطر على مصالحه، وأعظم عائق في إحكام طوقه الاستعماري، وأكبر ثغرة في سلسلة مواثيقه وكتله وأحلافه، من البديهي أن يحاول تجديد أشكاله، وتغيير أساليبه، والقيام بتوزيع جديد لأدوار أبطاله، ورفع شعارات جديدة تتلاءم والمواقف المستجدة المتغيرة.

وبالرغم من عدم تبلور الموقف الاستعماري الجديد، وشدة التناقضات التي تنخر في جسمه، إلا أن الخطط الأولى لهذا الوضع الجديد بدأت تتضح في محاولات مفضوحة للقضاء على الوضع السياسي الوطني في الشقيقتين مصر وسوريا طريق الضغط الاقتصادي المتواصل، والمؤامرات المكشوفة، وتهديدات الدول المجاورة الضالعة في ركاب الاستعمار، والاتهامات الرخيصة الكاذبة، وحملات التهويش والتضليل، وسياسة الدس،عن طريق الرشوة وشراء الذمم، وإفساد الضمائر، ومحاولة تحويل قوات الأمن الدولية إلى قوات احتلال دائمة.

هذا فضلاً عن حماية إسرائيل، وإسناد سياستها العدوانية، وتوسعها الإقليمي، والعمل على فرض الصلح معها على العرب، والتلويح بتدويل الأراضي العربية لاستخدامها كقواعد ضد حركة التحرر القومية، واندفاع الاستعمار الأمريكي للحلول محل الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط ، والاستعمار الفرنسي في المغرب العربي، والاستمرار في إسناد ميثاق بغداد، ومحاولة جر الدول العربية المتحررة إليه بالضغط والتهديد والإكراه، وتكوين اتحاد استعماري جديد في المغرب العربي، وخنق القومية العربية بمنع مصادر الحياة والقوة عنها، بما في ذلك الموارد الاقتصادية والمالية، والأسلحة الدفاعية، وتدعيم المصالح النفطية في الشرق الأوسط باسم حرية التجارة والملاحة العلمية والنقل، والتآمر المكشوف على أمن الشعوب وسلامتها، ومصالحها باسم نظرية الفراغ السياسي المزعوم، وصيانة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وأخيرا ًوليس آخراً تثبيت الأوضاع الفاسدة في الشرق الأوسط ومنع أي تطور ديمقراطي لها بكل الوسائل التي ينطوي عليها [مشروع ايزنهاور] الجديد.

ولكن بالرغم من هذه المؤامرات الاستعمارية التي استنفذت جميع أشكالها، من معاهدات غير متكافئة، الى أحلاف عسكرية استعمارية، إلى تحالف مع [ إسرائيل ] عدوة العرب، إلى عدوان مسلح على الشقيقة مصر، نقول على الرغم من هذه المؤامرات، فقد خرجت القومية العربية من هذه المعركة منتصرة، قوية ونامية، بعد أن صقلتها التجارب، وثبتت أركانها المحنة، إذ ردّت العدوان على مصر، وألغت معاهدة قناة السويس لسنة 1954، وأرغمت الدول الاستعمارية بريطانيا وفرنسا، وربيبتهما إسرائيل على الانسحاب، كما أنها فضحت الدولة المزعومة إسرائيل في المجالات الدولية فبدا حق العرب واضحاً في فلسطين وسما مركزهم مشفوعاً بروح جديدة تدفعهم للنضال، وتشدهم للاتحاد. لكن الاستعمار لن يلقِ سلاحه بسهولة، لأنه ما زال يتثبت بالبقاء في منطقة الشرق الاوسط، ولاسيما في العراق، تحت ستار حلف بغداد الاستعماري، مستعيناً بأذنابه الذين ربطوا مصالحهم به.

إن هذا الوضع الشاذ، والمرحلة الخطيرة التي تجتازها الأمة العربية في تاريخها، تفرض على العراقيين أن يقوموا بواجبهم في الكفاح من أجل التحرر والاستقلال، فاجتمع الوطنيون، وتدارسوا الأوضاع الداخلية والخارجية، وثبتوا الأهداف التي تعبر عن هذه المرحلة نقطة ابتداء، لتحقيق الحرية والاستقلال للشعب العراقي، والسير به في موكب الأمة العربية التحرري. إن هذه الأهداف الوطنية الكبرى التي أجمع عليها العاملون في الحركة الوطنية يمكن تلخيصها بما يأتي:

1ـ تنحية وزارة نوري السعيد، وحل المجلس النيابي:
إن هذا المطلب يشكل بالبداهة الخطوة الأولى لأية سياسة وطنية محتملة، فنوري السعيد هو العميل الأول للاستعمار البريطاني، وكل الصفقات الاستعمارية الكبرى في تاريخ العراق الحديث، بل وفي الشرق الأوسط.
شكل وزارته الحالية في صيف عام 1954 ليقوم بالدور الاستعماري المرسوم له، وعَقدَ حلف بغداد، وعمل على جرّ الدول العربية إليه، وعقد الصلح مع إسرائيل، والقضاء على القومية العربية المتحررة، وتحويل الشرق العربي إلى قلعة استعمارية كبرى، وبالرغم من جميع الوسائل الوحشية والجرائم المنكرة والمجازر الفظيعة التي ارتكبها نوري السعيد، و
بالرغم من جميع المراسيم الكيفية، والأحكام العرفية، والمؤامرات على الدول الشقيقة، فقد أثبتت الحوادث الأخيرة فشل سياسة نوري السعيد فشلاً تاماً، فهو وإن كان قد حقق بعض أغراض الاستعمار في العراق، بتجديد المعاهدة، وشق الصف العربي، إلا أنه فشل فشلاً ذريعاً في ضرب الحركة القومية العربية، كما فشل في جر أي بلد عربي إلى حلفه الاستعماري، فهو لم يستطع إذن تحقيق الأهداف الاستعمارية في هذه المنطقة الحساسة من العالم .

أن نوري السعيد، بعد فشل العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر، وانكشاف مؤامراته على سوريا، وقبل ذلك على الأردن، وافتضاح دور ميثاق بغداد للقضاء على حركة التحرر العربية، وانعزاله انعزالاً تاماً في الحقلين الداخلي والدولي، سوف لن يتورع عن ارتكاب أفظع الجرائم الجديدة للمحافظة على المصالح الاستعمارية في العراق، والشرق العربي، وسوف يواصل مؤامراته، وتهديداته، ومناوراته في محاولة يائسة للقضاء على استقلال الدول العربية المتحررة، والذي ما انفك يخلق لها المتاعب، ويثير المشاكل باستمرار، وسوف لا يتردد عن القيام بدوره الجديد في المرحلة الجديدة للاستعمار العالمي، بعد تغير ميزان القوى داخل الجبهة الاستعمارية، وبنفس الوحشية والقسوة التي عرف بها في خدمة أسياده القدامى، وما المجلس النيابي الحالي المكون أكثره من الاستغلاليين والانتهازيين، والإمعات، والذي عين أعضاءه بأفظع وسائل التزوير والتلفيق، إلا أداة طيعة لتنفيذ المشاريع الاستعمارية، يسخره نوري السعيد كيفما أراد في خدمة المستعمرين المغتصبين، على حساب الشعب العراقي، ومبدأ حق تمثيله، فالمجلس النيابي الحالي هو أبعد ما يكون إذن عن كونه جهازاً تشريعياً مستقلاً محترماً. لهذه الأسباب جميعاً أصبحت تنحية وزارة نوري السعيد، وحل المجلس النيابي المطلب الأول من مطالب الحركة الوطنية.
2 ـ الخروج من حلف بغداد،وتوحيد سياسة العراق مع البلدان العربية المتحررة :
إن الصراع بين القوى الاستعمارية وسياسة التكتل والأحلاف الأجنبية من جهة، وبين القوى الوطنية، ومبادئ [ باندونك ] من جهة أخرى، أنعكس في الشرق العربي في صراع عنيف متواصل مستمر، واتخذ أشكالاً وألواناً شتى بين الشعوب العربية في نزعتها إلى التحرر والاستقلال بين بعض الحكومات العربية الرجعية الضالعة في ركاب الاستعمار، والحريصة على تثبيت المصالح غير المشروعة للفئات الحاكمة، والمرتبطة بمصالح الاستعمار، ولعل أكبر حدث سياسي في تاريخ الأمة العربية الحديث هو ظهور حكومات عربية استطاعت لأول مرة في تاريخنا المعاصر أن تفلت من طوق الاستعمار، وتتبع سياسة عربية مستقلة تخدم مصالح شعوبها، وتسهم في التيار المتجه بقوة نحو استقلال جميع الأمم، وتحرر الإنسان من شبح الاستغلال والاستعباد، وقد كان لهذا الحدث السياسي الخطير وقع الصاعقة على الاستعمار العالمي، فأسرع لعقد ميثاق بغداد، وركز جهوده لجر الدول العربية لهذا الحلف.
لقد قامت دول الميثاق المذكور لتحقيق مهمتها العدوانية بكل الكبائر، وآثار هذه السياسة الإجرامية ماثلة لدينا في العراق في حلّ الأحزاب السياسية، وتعطيل الصحافة الوطنية، وخنق الحركة الفكرية، والأزمة الاقتصادية الآخذة بخناق أكثرية أبناء الشعب، وفي هذه السجون والمعتقلات المملوءة بالوطنيين، وتلك الكليات والمعاهد الغاصة بالأرصاد والجواسيس، وخنق الشعب بالجاسوسية، وتبذير موارد البلاد عليها، لخدمة الدول الاستعمارية، وفي الثكنات والقلاع المحولة إلى وسائل عقاب تعذيب للشباب، وفي مجازر الحي والنجف، والموصل، وبغداد وغيرها، وفي إعدام الوطنيين، وفصل الأساتذة والطلاب والموظفين، ونفي السياسيين، ونزع الجنسية العراقية عنهم، وفي الأوضاع القائمة على الاستغلال والرشوة والفساد، وعلى النهب والسلب والتبذير والتبديد، والمحسوبية، والعنف والإكراه، وأخيراً في هذه المعاهدة الجديدة التي هُربت تهريباً تحت ستار حلف بغداد العدواني، لتجديد معاهدة 1930، ولتمكين نفوذ الاستعمار ومصالحه في العراق.

على أن الاستعمار بالرغم من فشل ميثاقه في تأدية مهمته الأساسية، وخاصة بعد انكشاف دوره المفضوح في العدوان الثلاثي على مصر، فقد بادرت الولايات المتحدة وبريطانيا وقادة الدول المنضوية تحت راية هذا الميثاق يفكرون بتغذيته بدم جديد، والعمل على إسناده بوسائل جديدة ترد له بعض الحياة، ولذلك فإن خروج العراق من هذا الميثاق الذي كان وسيلة لتمكين الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط، وجعل العراق قاعدة لضرب الحركات الوطنية فيه، والذي فرق كلمة العرب، وهدم التعاون العربي الذي كنا نأمل في أن يصل إلى درجة الاتحاد، والذي شل الجامعة العربية، وربط مصير العراق بالدول الاستعمارية، ومهد للنفوذ التركي البغيض كخطوة أولى لنفوذ أوسع وأكبر، نقول أن خروج العراق من هذا الميثاق هو الشرط الأول والأساسي لكسب العراق استقلاله السياسي، وانفكاكه من القيد الاستعماري، وخروجه من عزلته المصطنعة، والالتحاق بقافلة الدول العربية المتحررة، ومساهمته في تحرير الشعوب العربية وعمله كقوة إيجابية من القوى العاملة على وحدة الأمة العربية.

3 - مقاومة التدخل الاستعماري بشتى أشكاله ومصادره، وانتهاج سياسة عربية مستقلة أساسها الحياد الإيجابي:
إن هذا المطلب الأساسي المتعلق بموقف العراق من السياسة الدولية هو امتداد ضروري وطبيعي للمطلب السابق الذي يتعلق بموقفه من السياسة القومية، وقد سبق أن المحنا في أول هذه الكلمة أن الاستعمار يتخذ بالضرورة أشكالاً مختلفة، وألواناً شتى، حسب تطور ميزان القوى الدولية.
إننا نشجب ميثاق بغداد، لأنه مظهر جوهري من مظاهر الاستعمار، ولكن الاستعمار أتخذ وسيتخذ حتماً مظاهر جديدة أخرى اقتصادية وسياسية وعسكرية وفكرية، وواجب الحركة الوطنية أن تتابع حركة التطور والأساليب الاستعمارية بكل يقظة وحذر، وأن تكشف جوهرها وخطرها، وأن تطور هي الأخرى أساليب عملها وكفاحها حسب تطور ظروف المقاومة للاستعمار، بسائر ألوانه وأشكاله، وإدراك جوهره الحقيقي، وما يخفيه وراء شعاراته المضللة، واعتباره منظمة عالمية عدوانية، رغم الخلافات المحتدمة بين أجزائه، وإتباع سياسة عربية مستقلة أساسها الحياد الإيجابي، بتجنيب البلاد من الانغمار في تيار الحرب الباردة بين المعسكرات الدولية، وانتهاج سياسة مستقلة في الحقل الدولي مستوحاة من مصالح الأمة العربية، بعيدة عن مؤامرات الاستعمار، وإغراءاته، وتهديداته، وحذراً من كتله ومواثيقه، مدركة لزيف مساعداته، وخبرائه، مستندة لمصالح الشعوب العربية التي لا تطمح لغير الاستقلال والحرية، والرفاه والسلم والازدهار المادي والأدبي في جو عالمي هادئ خالٍ من التوتر والعدوان.

4 ـ إطلاق الحريات الديمقراطية:
إن مبدأ سيادة الشعب انتزعته الشعوب منذ قرون، وكسبت بتحقيقه فعلاً حقوقاً كثيرة، منها حق تمثيل الشعب لنفسه عن طريق الانتخاب الحر المباشر، والعمل لهذا الغرض في جو تكتنفه الحريات، وتعمه الديمقراطية المبنية على أساس حرية التنظيم الحزبي، وحرية التعبير والرأي والضمير، وعلى أساس المسؤولية الوزارية.
في مثل هذه الأجواء الديمقراطية فقط يمكن أن تتيح الشعوب لنفسها محيطاً تنموا فيه القابليات، وتتضاعف الثروات، ويخطو المجتمع إلى أمام في مدارج الرقي والمدنية، فالحريات الديمقراطية هي الإطار العام الذي لا يمكن للحياة العامة أن توجد وتتحرك، وتنمو وتتطور، وتتفاعل وتتوالد بدونه.
فالمراسيم الكيفية غير الدستورية، وإسقاط الجنسية عن أحرار العراق المطالبين بالحق والكرامة وإلغاء الأحزاب، وتعطيل الصحف، وتزييف الانتخابات ودكتاتورية الفرد، وكم أفواه الناس، وخنق الحريات، كلها وسائل سلكتها وزارة نوري السعيد لتعيد العراق إلى عهد الطغيان والعبودية، إنها سموم تميت الديمقراطية، وتمتهن الكرامة، وتقضي على القومية، ولذلك فالقضاء على هذا الفساد السياسي، وإعادة الحكم الديمقراطي، بإطلاق الحريات الدستورية، هما الشرط الأول لبناء حياة سياسية صحيحة.

إن الحريات الديمقراطية تؤلف وحدة لا يمكن أن تتجزأ، فيجب أن تشمل حرية الاجتماع، وتأليف الأحزاب، والتنظيم النقابي، والجمعيات، وحرية الانتخاب، والحرية الفكرية بسائر ألوانها، والحريات الشخصية والمدنية .... الخ. كما يجب أن تكون عامة شاملة يتمتع بها جميع المواطنين دون تمييز. إن ضمان هذه الحريات الدستورية، وإلغاء ما يتعارض معها من مراسيم شاذة مطلب وطني أساسي للشعب.

5 ـ إلغاء الإدارة العرفية، وإطلاق سراح المعتقلين والموقوفين السياسيين، وإعادة الطلاب والمدرسين والموظفين والمستخدمين المفصولين لأسباب سياسية:
إن هذا المطلب الأخير، وإن كان نتيجة حتمية يمكن أن تدخل في نطاق المطلب السابق، إلا أن طبيعته الآنية المستعجلة، وكثرة عدد ضحايا الإرهاب السعيدي، والتعذيب والإرهاب الذي لازال يلاقيه الألوف من ضحايا الحركة الوطنية مع عائلاتهم وذويهم، يجعل المطالبة بتحقيق هذا المطلب الملح، مظهراً من مظاهر العمل على إزالة المظالم التي قامت بها وزارة نوري السعيد ضد الوطنيين.

أننا ندعو جميع أفراد الشعب العراقي الكريم، وجميع العاملين في الحركة الوطنية إلى وحدة التكتل، والالتفاف حول مطالب الأمة الكبرى. ندعوهم إلى نبذ الخلافات، والانشقاقات بمختلف أشكالها من صفوف الحركة الوطنية، والكفاح المشترك من أجل تنحية وزارة نوري السعيد، وحل المجلس النيابي، والخروج من حلف بغداد، وتوحيد سياسة العراق الخارجية مع البلاد العربية المتحررة، ومقاومة التدخل الاستعماري بشتى أشكاله ومصادره، وسلوك سياسة الحياد الإيجابي، وإطلاق الحريات الديمقراطية الدستورية، وإلغاء الإدارة العرفية، وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين السياسيين، وإعادة المفصولين بسبب نشاطهم الوطني، والنصر لا محالة للشعب .
بغداد في 9 آذار 1957
اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني

رد فعل السلطة الحاكمة على بيان جبهة الاتحاد الوطني
أحس البلاط، ومن ورائه بريطانيا، أن الشعب العراقي لم يعد يحتمل استمرار حكومة نوري السعيد، وأن البلاد قد أصبحت في حالة من الغليان الشديد تنذر بمخاطر جسيمة على بقاء واستمرار النظام الملكي، ولاسيما بعد اليأس الذي أصاب الشعب العراقي، وأحزابه الوطنية التي سد عليها نوري السعيد كل السبل لممارسة العمل السياسي في أجواء ديمقراطية، وامتهانه الدستور، وتعليق البرلمان وإصدار المراسيم الجائرة، واستمرار الأحكام العرفية لسنوات طويلة من عمر النظام الملكي، مما دفع الأحزاب الوطنية إلى التلاقي، والبحث في سبل العمل المشترك ضد طغيان نوري السعيد وعبد الإله، ومن ثم إعلان تشكيل جبهة الاتحاد الوطني، ولجوئها إلى العمل السري، بعد إلغاء الأحزاب السياسية من قبل حكومة السعيد.

كما أدركت بريطانيا أن العراق قد أصبح معزولاً تماماً عن العالم العربي بعد عقده ميثاق بغداد، وانغمار حكومة السعيد في التآمر على سوريا ومصر، وموقفها المشين من العدوان الثلاثي عليها، وجدت أن من الضروري إبعاد نوري السعيد مؤقتاً عن السلطة من أجل امتصاص الغضب الشعبي، ومحاولة فك العزلة عن العراق، فأشارت إلى السعيد بتقديم استقالة حكومته، وتشكيل حكومة جديدة تعمل على امتصاص الغضب الشعبي العارم، وتم ذلك بالفعل في 8 حزيران 1957، وقبلت الاستقالة، وكلف الملك السيد علي جودت الأيوبي
في 20 حزيران بتشكيل الوزارة.

لكن النظام لم يستطع خداع الشعب، ولا أحزابه الوطنية بعد كل التجارب المريرة التي مرّوا بها مع الزمرة المتسلطة على حكم البلاد، ولاسيما بعد كل الانتفاضات التي خاضها الشعب ضد السلطة حيث كانت تحاول خداع الشعب بتأليف حكومة تهدئة تتولى امتصاص الغضب الشعبي، وتهيئ الأجواء من لعودة نوري السعيد وزمرته إلى الحكم من جديد.

اشتداد التآمر على سوريا وقامة الوحدة مع مصر
نتيجة لتصاعدت وتائر التآمر على سوريا من قبل حكومة بغداد، بالاشتراك مع حلف بغداد، أدرك قادة سوريا أن الإمبرياليين قد عقدوا العزم على إسقاط النظام الديمقراطي فيها، وضمها لمخططاتهم، ولذلك فقد تداعى رئيس الجمهورية [شكري القوتلي ] ورئيس الوزراء، والوزراء، وقادة الجيش، والقادة السياسيين لدراسة الموقف، والأخطار الجسيمة المحدقة بسوريا، وكان قرارهم الحاسم العمل على قيام وحدة فورية مع مصر، بقيادة الرئيس عبد الناصر، وبأسرع ما يمكن.
وعلى أثر ذلك القرار التاريخي لقادة سوريا، توجه على الفور وفد سوري إلى مصر برئاسة الرئيس شكري القوتلي، وعضوية رئيس الوزراء، وقادة الجيش، وعدد من السياسيين، وأجرى الوفد مباحثات شاملة حول خطورة الوضع في سوريا، ومؤامرات الإمبرياليين، طارحين على القيادة المصرية إقامة الوحدة الاندماجية بين البلدين بأسرع ما يمكن . (1)
كان ذلك الطلب مصدر سرور كبير للرئيس عبد الناصر، الذي كان يحلم بأن يوحد العرب في دولة قوية، قادرة على الصمود بوجه المخططات الإمبريالية، ولم تكد تمضِ سوى أيام قلائل حتى جرى الاتفاق على كل شيء، وتم الإعلان عن قيام وحدة اندماجية كاملة بين سوريا ومصر في 4 شباط 1958 التي أصبحت تعرف باسم{الجمهورية العربية المتحدة} وبايع الرئيس شكري القوتلي الرئيس جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية الوليدة، وجرى تأليف وزارة الوحدة التي ضمت وزراء من كلا البلدين، كما جرى تأليف حكومتي الإقليمين، وبدأ العمل بنشاط لتوحيد المؤسسات المدنية والعسكرية، وأصبح البلدان بالفعل بلداً واحداً، رغم عدم وجود حدود مشتركة بين البلدين. لكن قيام الوحدة بصورة مستعجلة كانت لها انعكاسات سلبية خطيرة أثرت على مستقبل تلك الوحدة، وحملت بذور فشلها .

إن الوحدة هي حلم كل عربي محب لأمته ومستقبلها المشرق، لكن الوحدة تلك كانت قد أهملت أهم جانب في حياة المجتمعين السوري والمصري التواقين للحريات الديمقراطية التي كانت مهملة في مصر، والتي صفيت في سوريا بعد قيام الوحدة، وهذا ما حدا بالقوى الديمقراطية في سوريا، وبشكل خاص الحزب الشيوعي السوري الذي كان يتمتع بنفوذ سياسي كبير بين الجماهير السورية، بانتقاد أسلوب الوحدة، والمطالبة بضمان قيام حريات ديمقراطية حقيقية، ومؤسسات دستورية لا غنى عنها، وقد أدى هذا الموقف إلى قيام السلطة بحملة مطاردة للشيوعيين والتنكيل بهم، مما أضر ضرراً بليغاً بشعبية الرئيس عبد الناصر.
ولو لم يتبع عبد الناصر ذلك الطريق، وخلق نظاماً ديمقراطياً حقيقياً لما سقطت تلك التجربة الوطنية، ولكان العراق الذي تحرر بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 قد ألتحق بركابها بكل تأكيد، ولكانت الوحدة العربية قد قطعت شوطاً كبيراً في تحقيق حلم الأمة العربية.
ولكن المؤسف إن عبد الناصر أتخذ طريقاً آخر، طريق قمع الحريات السياسية للشعب دون أي مبرر، وشن على الحزب الشيوعي في سوريا ومصر حملة شعواء، مما دفع بالصراع بين عبد الناصر والشيوعيين أكثر فأكثر، وتطور ذلك الصراع فيما بعد ليشمل كل القوى السياسية في سوريا، بما فيها القوى التي ساهمت مساهمة فعالة في قيام الوحدة، وأدى بالتالي إلى فشل الوحدة، بعد أربعة أعوام على قيامها.

ولا شك في أن القوى الإمبريالية كان لها دور كبير في إفشال ذلك الحلم الجميل، من خلال السموم التي كانت تبثها حول الوحدة والتباكي على الديمقراطية، لا حباً بالشعب السوري، ولا إيماناً بالديمقراطية، وإنما أرادت فسخ هذه الوحدة بكل الوسائل والسبل، وحركت عملائها للعمل على تخريب الوحدة، مستفيدة من الأخطاء التي رافقت قيامها، نظراً لكونها كانت تشكل أكبر خطر على المصالح الإمبريالية في الشرق العربي.

وبالرغم من كل ذلك فقد حالت الوحدة دون وقوع العدوان على سوريا وابتلاعها، وضمها للمخططات الإمبريالية، وضاع حلم عبد الإله بعرش على سوريا، بل وجعل النظامين العراقي والأردني يرتعبان مما يمكن أن تخبئه لهما الأيام بعد ذلك المد الثوري العربي الوحدوي الذي تصاعد ليشمل العالم العربي أجمع، كما أن الوحدة جعلت الإمبرياليين يضربون أخماساً بأسداس، كما يقول المثل، فليس أكثر ما يهدد مصالحهم في المنطقة من قيام وحدة عربية صحيحة وصادقة، وعلى أسس ديمقراطية قويمة.
لقد أقلقت الوحدة المعلنة الإمبرياليين كثيراً، ولذلك فقد صممت على إجهاضها بكل الوسائل والسبل، ومنع قيام أي وحدة حقيقية تحقق أماني الأمة العربية. لقد كانت الوحدة تشكل خطراً على أحلام إسرائيل التوسعية، بل كانت تشكل تطويقاً لها، وخطراً على وجودها وبقائها، ولذلك كان هم الولايات المتحدة وحلفائها العمل على إفشالها، وفصم عراها.

ولابد أن أشير هنا إلى موقف الشعب العراقي بعد قيام ثورة 14 تموز 1958 الخالدة من الوحدة، ففي الأيام الأولى للثورة، رفع القوميون، والبعثيون شعار الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة، دون الالتفات إلى تلك السلبيات التي رافقت الوحدة السورية المصرية، والتي قامت بصورة مستعجلة، وفي الوقت نفسه رفع الشيوعيون والديمقراطيون شعار الاتحاد الفدرالي، تجنباً للأخطاء التي وقعت بها الوحدة، بالنظر لاختلاف الظروف السياسية، والاقتصادية، ووجود قوميات متعددة في العراق سببت تلك المواقف في قيام صراع سياسي عميق شق وحدة الشعب وقيادة الثورة معاً، وكان ذلك الصراع سبباً لأكبر انتكاسة عرفها الشعب العراقي آنذاك في تاريخه الحديث.


بعد غد الحلقة الأخيرة