الخطاب السياسى وأزمة الانفصال عن الواقع

حاتم الجوهرى
2015 / 11 / 7

تشهد المرحلة السياسية الراهنة مؤشرات عدة؛ تشى بانفصال الخطاب السياسى للسلطة فى مصر عن الواقع وأزماته وطرق التعاطى معه، والمشكلة الحقيقية أن الانفصال عن الواقع والإصرار على الخطاب نفسه وسد الآذان وغلق العيون عن الواقع المرير وعن ضرورة الاستجابة الحقيقية العاجلة له بتغييرات جذرية فى سياسات الدولة، قد يجعل كرة الثلج تكبر بسرعة لا يتخيلها أحد.

الملف الاقتصادى:
يعد الملف الاقتصادى على رأس المشاكل التى لم تفلح معها أشكال الدعاية المختلفة فى تسكين جوع الناس وارتفاع الأسعار والدولار، حيث لم تفلح فكرة القفز على الفساد والمحسوبية ومجموعات المصالح عن طريق حيلة: المشاريع القومية (مثل: تفريعة قناة السويس- شبكة طرق قومية- عاصمة إدارية جديدة-الخ)، ناهيك عن دخول النظام من خلال مؤسسة الجيش وبعض واجهاتها كمقاول رئيسى فى معظم المشاريع (بالأمر المباشر)، والتعامل مع معظم شركات السوق كمقاولين من الباطن.

الجهاز البيروقراطى الساخط:
وفقدت السلطة الحالية دعم "الجهاز البيروقراطى" عندما استمعت لنصائح الفاسدين وأجزلت لهم العطاء، وخنقت الموظف البسيط بقانون "الخدمة المدنية" الذى زاد الموظف تهميشا وفقرا وسخطا.. فى ظل زيادة رواتب جهاز الشرطة وتجبره وفساده وبطشه بالناس، وزيادة مرتبات العسكريين كمحاولة مؤقتة لشراء الولاء، وشراء أسلحة لزوم الوجاهة مثل حاملات الطائرات المروحية التى لا تناسب عقيدتنا القتالية!

البرلمان:
وفى ملف الانتخابات البرلمانية والمسار السياسى للنظام الراهن، أرسل الشعب رسالة واضحة بمقاطعته وأن المشهد لا يعبر عنه، وأن التجبر والفساد الأمنى وصل لمداه، وأن تدخل البوليس السياسى (الأمن الوطنى) فى مؤسسات الدولة الأكاديمية والثقافية والإعلامية يعيد للأذهان فترة الرئيس مبارك، وعاد الانتهازية والفساد الإدارى بأقبح صورة يضرب فى معظم مؤسسات الدولة.

الإخوان والنظام:
أما ملف العلاقة بين الإخوان وبين النظام المصرى (النخبة العسكرية الجديدة) فهو الأخطر، لقد استأجر المجلس العسكرى الأول (طنطاوى) الإخوان كبلطجى للوقوف فى وجه الثوار وشق الصف الوطنى! وحين طمع الإخوان فى الاستئثار بالسلطة ووصلت العلاقة بينهم وبين الثوار الغاضبين عليهم لمداها، انقلب عليهم المجلس العسكرى الثانى (السيسى).. وأراد حلفاء الماضى صراعا ما بين: الإرهاب والعنف من جهة، وبين: كربلاء "رابعة" من جهة أخرى!
ولكن سرعان ما أصاب السلطة العسكرية ما أصاب الإخوان سابقا، فطمعت فى الاستئثار بالسلطة، وأصبح الثوار مهمشين ومحتجزين فى السجون بأحكام وغير أحكام، والدستور الذى استقطبوا فيه اليسار والليبرالية أصبح واجب التعديل فجأة، وتم التغاضى عن الإصلاح الحقيقى وتطهير مؤسسات الدولة وتقويم عجزها، لصالح استدعاء فكرة الجيش دائما كمنقذ.

مؤسسة الدولة X مؤسسة النظام:
أخشى ما أخشاه أن السلطة الحالية قد دخلت فى مرحلة سقوط الإخوان، عندما عجز الإخوان عن مواجهة معادلة التناقضات التى أتت بهم، وكانوا يواجهون المشاكل اليومية عن طريق بنية حزب "الحرية والعدالة" وليس عن طريق مؤسسات الدولة (ولنتذكر أزمات الخبز والغاز)، ويتهمون من يخالفهم بالكفر والعلمانية! الآن يستدعى النظام الحالى الجيش فى كل المشاكل اليومية حتى مشكلة البلاعات وتصريف مياه الأمطار، ولا يلتفت لعجز مؤسسات الدولة وإصلاحها، ومن ينتقدهم يصبح الخائن غير الوطنى، ولا يدرك أبعاد الموقف!

طائرة روسيا:
وتأتى أزمة سقوط الطائرة الروسية لتعبر بالفعل عن نهاية: "أسطورة الدولة حارسة التناقضات"، دولة مبارك كانت دولة تحرس مجموعة من التناقضات وفى هذا السياق كانت تسير أمورها داخليا وخارجيا، لكن اتباع التكتيك نفسه من النظام الحالى ابن مدرسة مبارك، حذر الكثيرون من أنه سيؤدى للكارثة!

الغرب وسيناء والتهميش:
عرب سيناء المصريون تحملوا الكثير تحت ذريعة مواجهة الإرهاب ولم يتم ترضيتهم! الكثير من أهل الدلتا والصعيد أصابهم الإحباط من عالم الدنيا فى مصر، وأرادوا نهاية وردية فى عالم الآخرة عن طريق "داعش" ووهم "القتل المقدس"، ولأن السفر للخارج أصبح صعبا حتى إلى ليبيا أو السودان، ربما وجد بعضهم فى سيناء متنفسا ليستريح من عناء التهميش والفقر والعوز فى بر مصر! وعلى مستوى الصعيد الدولى كان السيسى فى البداية يرسل الإشارات المطمئنة للغرب بخصوص الإخوان ومرسى، ويستند لمعادلة التناقضات التى نتجت فى 30يونيه وجماهيريتها، حتى وصل ملف الإخوان إلى نهاية المرحلة بأحكام الإعدامات بالجملة، حينها كان المتوقع تفكيك الملف وعودة الإخوان لسابق عهدهم كأحد حلفاء النظام وسدنته، وأن يتم دمجهم فى المشهد!

الطمع ونهاية الأسطورة:
لكن ذلك كان سيتطلب من النظام الاستعانة بوجود معادلة جديدة للتناقضات، وإرضاء بعض أطراف المشهد من هنا أو من هناك، إنما الطمع تلك السمة البشرية التى لا تنقضى، جعل النظام يحلم بالسيطرة على المشهد كلية، دون حاجة لمعادلة جديدة يوظف فيها بعض فصائل اليسار والليبرالية ويرضيهم ببعض الفتات، فى مقابل عودة الإخوان كجزء من معارضة النظام الصورية ودمجهم فى المشهد مجددا! ومع تراجع الظهير الشعبى والسياسى للنظام وفق معادلة التناقضات القديمة، وفى ظل اختيارات النظام على المستوى الدولى والإقليمى يبدو أن هناك من يرسل له رسالة؛ بأن معادلة وجوده التى اعتمدت على التناقضات و"أسطورة الدولة حارسة التناقضات" قد انتهت!

خلاصة واختيار لابد منه:
يقول البعض بأن الحل مازال هو سحب ممثل المؤسسة العسكرية من القصر الجمهورى، والإعلان عن انتخابات رئاسية والدخول فى مرحلة انتقالية ثورية حقيقة تؤسس لدولة المؤسسات والتطهير السياسى والبيروقراطى..
ويقول البعض أن "الثوار" يتوعدون السلطة والأخوان سويا؛ ويعدون لموجة ثورية جديدة فى يناير القادم، تصحبها سلسلة من الإضرابات وصولا للعصيان المدنى والعودة لفكرة مجلس رئاسى مدنى تحكمه مهام انتقالية تأسيسية بعينها..
ويقول بعض رجال النظام؛ دعك من هذا كله! سوف نزيد من إحكام القبضة الأمنية على البلاد، ونؤلب الإعلام التابع لنا على المعارضين، ونصور المعركة كأنها العداء للجيش والوطنية وليست قضية فساد سياسى ومطالب ثورية مستحقة! وسوف نزيد من التناقضات فى المشهد نستقطب هذا ضد ذاك، ونسيطر على معادلة التوازنات والتناقضات فى البلاد.. وسوف ننجح فى إعادة إنتاج النظام القديم وتبقى السلطة الحالية راسخة على قلب العباد والبلاد..
تبقى أقصى الأمانى: أن يخرج من بينهم الرجل الرشيد فى الوقت المناسب، وأن يختاروا طريق الثورة الحقيقية والإصلاح الجاد، لا طريق المواجهة و"القطيعة والصدام"، أو إدارة التناقضات مجددا، والاعتماد على مجموعات المصالح القديمة والفصائل السياسية التقليدية، قبل فوات الأوان.