كيف تدمّر أسطورة (الجدارة) الطلبة؟

فضيلة يوسف
2015 / 11 / 6

أصبحت محنة المقررات المكتظة ، والإفراط في الاختبارات ، التي ترهق الطلبة موضوعاً مزعجاً من ناحية ومن ناحية أخرى وضع التربويون العديد من السياسات التربوية لمعالجة هذه القضية . وما زال الشباب يهربون من طنجرة الضغط التعليمي، ونحن بحاجة إلى فهم الأسطورة المنتشرة حول ( الجدارة) التي يقع في فخها الطلبة.
تحدث الفيلم الكلاسيكي "السباق الى اللا مكان " 2009 عن الضغوطات التي يتحملها الطلبة، وفي عام 2015 أتمّها فيلم "أبعد من المقاييس" ، الذي كشف الإرهاق والضغوطات التي يتعرض لها طلبة المرحلة المتوسطة لإنجاز المتطلبات الأكاديمية، والفنية والحيوية للحصول على قبول في أفضل الجامعات. ويخشى الطلاب الفقراء، في الوقت نفسه، أن امتحان الثانوية العامة منحاز ثقافياً.
تُعاني المجموعتين من الشباب من القلق والاكتئاب، يمكن أن يقود كفاحهم للجدارة إلى كل شيء ، الغش، والتسرب، وتعاطي المخدرات والانتحار. وتعاني أيضاً من الملل من المناهج التي تدرس للاختبار وتهميش الفن والموسيقى والتربية البدنية وأي موضوع لا يمكن اختباره في الاختبارات العامة .
أثارت التغطية الإعلامية للقضية رد فعل عنيف ضد الاختبارات العامة ودار نقاش هام حول طرق التدريس وكمية الواجبات المنزلية والأنشطة اللامنهجية في ضوء حاجة الاطفال للنشاطات العملية والتوقف عن التعلم عند الحاجة. يطلب بعض المعلمين مرة أخرى الحفظ عن ظهر قلب والواجبات المنزلية. وأعاد صناع القرار النظر في إيجابيات وسلبيات الاختبارات العامة .
كوالد لطالب في سن المراهقة، أنا أتطلع للتخلص من الاختبارات والواجبات المنزلية وخلق مساحة في غرفة الصف وفي البيت للأطفال للعب واكتشاف أنفسهم وما يشعل فضولهم. (رحلة ابني لاكتشاف ذاته ليست ماراثونية) .
ولكن ، يمكن فحص شقين من الغائبين عن النقاش ، رواية متأصلة بعمق نصف صحيحة تدفع لديناميكية كاملة:
1) اختفاء الطبقة المتوسطة والأمن المالي ومستوى المعيشة المتدهورة .
2) أفضل ما يستطيع الآباء والأمهات والمربون أن يقوموا به للأطفال هو مساعدتهم للتنافس ضد بعضهم البعض للحصول على جواز سفر للوصول إلى صفوف الطبقة الوسطى.
الاختبارات العامة والجبال من الواجبات المنزلية ليست أسباباً للتنافس إلى أي مكان. فهي أعراض افتراض ثقافي سائد أن لعبة الحياة هي التنافس. إذا تعاملنا مع الأعراض فقط وليس الأسباب، فمن المحتمل أن نرى اختبارات تذهب بعيداً فقط ليحل محلها آلية جديدة تحث الأطفال على التنافس.
يريد الجميع أن ينجح الأطفال في المدرسة، ولكن المدارس توجد في مجتمع مستقطب بشكل متزايد إلى "من يملكون" و"من لا يملكون"، وعدد من يملكون آخذ في التقلص. لذلك ، نجاح الطالب لم يعد يعني غرس حب التعلم مدى الحياة والدوافع الذاتية لاستكشاف المستجدات الفكرية والفنية. يعني النجاح، بدلاً من ذلك، المنافسة مع الأقران للدخول إلى كلية من كليات القمة لأن هذه هي الخطوة الأولى والحاسمة تجاه الانضمام إلى 1٪-;- أو 2٪-;- أو 20٪-;-. يسعى الآباء والمربون لمساعدة الطلاب للمشاركة في هذا التنافس ولكن، طالما انها منافسة، سيكون هناك رابحون وخاسرون. ومعظم الطلبة من الخاسرين.
لماذا نحن كمجتمع نقبل هذا المصير لأنفسنا وأولادنا ؟ تدخل أسطورة الجدارة ، فكرة أن النتائج غير المتكافئة ،"عادلة" ، لأن الناس في الطبقات العليا وصلوا إلى مواقعهم بفضل تفوقهم في الفكر ، والمواهب، والعمل الجاد، أو (الأرستقراطيين) بفضل نسبهم ، عرقهم أو جنسهم.
تُؤخذ المنافسة في أسطورة الجدارة باعتبارها حقيقة من حقائق الحياة في الولايات المتحدة. بالنسبة لليبراليين، المنافسة هي أسمى تعبير عن طبيعة الإنسان وينبغي تشجيعها بلا هوادة. ويرى آخرون أن المنافسة ليست جيدة أو سيئة، ولكنها ببساطة أمراً مسلماً به في ضوء الافتراض (الخاطئ) بأنه لا يوجد ما يكفي من الموارد وأن المنافسة أعدل طريقة لتوزيعها.
في الواقع، يوجد الكثير من الموارد ، والمنافسة آلية توزيع غير عادلة بشكل أساسي لأن المقصود لم ولن يكون أبداً المستوى. الطلاب ذوو الدخل المنخفض والطلاب الملونون أكثر عرضة لسوء التغذية والحرمان من النوم، وتسمم الرصاص، ويخضعون لتوقّعات منخفضة من المعلمين وتدابير تأديبية قاسية.، الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة التعليمية أو الجسدية خارج الساحة في ميدان الجدارة، وهم مستبعدون منذ البداية، ويضمنون مكاناً في الدرجات السفلى من النظام الاجتماعي.
الطلاب المتميزون في الساحة التعليمية هم الأصحاء، الذين يتغذون جيداً، ومجهزون بشكل جيد يدعمهم الآباء والتربويون ، وطاقم المدرسين. هل يفوز الأفضل أو، كما ترى المفارقات في فيلم (ألعاب الجوع ) ، "هل ستكون الفرص لصالحك".
عندما يحاول الفائزون في السباق التعليمي الدخول إلى سوق العمل ، يواجهون أصنافاً جديدة من الظلم والتمييز. المرأة أقل حظاً من الرجال، حتى لو تساوت الكفاءة بشكل جوهري. كذلك السود واللاتينيون. فرص العمل للنساء الأقل جاذبية وفقاً للمعايير التقليدية أقل أو (وفقاً ل Donald Trump المرشح للبيت الأبيض 2016). تتقاضى النساء 78 سنتاً للدولار أقل من نظرائهن من الرجال، والنساء ذوات البشرة الملونة أقل بكثير. إضافة إلى كل تلك النكهات من التحيز والتمييز ضد المرأة والملونين، تلعب العلاقات العائلية والتقييمات غير الموضوعية التي لا تعد ولا تحصى إلى تقليل فرص العمل ، ناهيك عن الغش والحظ، ومن الصعب رؤية النجاح المهني والمالي نزيهاً.
نتائج غير منصفة للجدارة تختبئ في كل جانب من جوانب المجتمع - في المدارس وأماكن العمل والسجون والأحياء. نحن لا نحب الظلم ونحن نشعر بالقلق من سرعة نمو الطبقة الدنيا ، ولكننا نعتقد أنها حقيقة من حقائق الحياة لذلك، دعونا نواجه الأمر، بعض الناس فقط أفضل من غيرها. معظمنا، وبدرجات متفاوتة ندين بالفضل إلى أسطورة الجدارة.
يحاول الليبراليون إجراء تسوية. نحن نؤيد التدابير الأساسية للحقوق المدنية التي تحظر التمييز الصارخ ، ولكن رغم جميع التسويات المفترضة التي حدثت منذ زمن مارتن لوثر كينغ، ما زالت الأمور غير متوازنة. تم تهميش حلم الملك بالمساواة الاقتصادية، لأن معظم الأميركيين يعتقدون أنه بمجرد أن تتم إزالة أغلال التمييز العلني، فإن الخطوة المنطقية التالية للجميع ستكون التنافس على حصة كبيرة من الغنائم في أقل وقت ممكن.
نربي أطفالنا للتطلع إلى "الحلم الأميركي"، والذي يعد بالترقي للفائزين في السباق فقط . من الناحية النظرية، كل فرد لديه الفرصة للفوز في المنافسة وعيش الحلم. ولكن طالما هناك رابحون وخاسرون (مع نتائج محددة سلفاً إلى حد كبير عند الولادة)، و "الحلم الأميركي" لعبة محصلتها صفر ، وأدى الولاء في غير محله لدينا إلى مستويات مرعبة من عدم المساواة والانهيار الاجتماعي. كما قال الراحل جورج كارلن، "يمكن تسميته الحلم الأميركي لأنك نائم."
طالما أننا لا نزال محاصرون في ساحة الجدارة، فإننا نضمن مستقبلاً مشكوكاً به لأطفالنا.
أصبحت الجدارة أمراً مفروغاً منه كجزء من النظام الطبيعي، ولكنها في الواقع، خيار سياسي. البديل عنها هو إعادة التوزيع الرسمي المنظم للثروة على أساس الحاجة وليس الإنجاز، ولكن هذه الفكرة (حتى الآن) ليست مقبولة نظراً لأنها تزعزع أسطورة الجدارة. ماذا اذا حصل الخاسر على شيء لا يستحقه ؟ ماذا لو أخذتم شيئاً أستحقه مني ؟
هناك "انا" وهناك "هم"، وهم في منافسة وصراع. نحن نفضل أن يكونوا بلا مأوى أو نحبسهم أو نرحلهم .بدلاً من تطبيق ما نؤمن به . هناك، على ما يبدو، قليلاً من Donald Trump في كل منا.
كنا نفضل المجتمع الذي يكون فيه للجميع فرصة الصعود إلى الأعلى ويتم فيه تلبية الاحتياجات الأساسية للجميع. وكُشف النقاب اننا مجتمع نقاتل بعضنا بعضاً ونفضل النجاح الفردي لا أن نتشارك.
وهذا يعود لتبني المنافسة بدلاً من التعاون والذي ينبع من الوهم الحديث أن البشر منفصلون عن بعضهم ، وعن الطبيعة. عندما نتوقف للتفكير، يمكننا الشعور بسهولة أن جميع الكائنات مترابطة ومتشابكة في المصير. لكننا لا نتوقف للتفكير، لأننا مشغولون جداً برد فعل دفاعي للتهديدات المتصورة لرفاهيتنا، التهديدات التي تتضخم 24-7 من قبل وسائل الإعلام.
أكبر تهديد فعلي لرفاهيتنا هو أخلاقيات الفردية التي تجبرنا على المشاركة في حرب الجميع ضد الجميع، نهاية اللعبة هي الانهيار الاجتماعي. قال الدكتور كينغ: يجب ان نعرف أن خلاص الفقراء سيعني خلاص الأمة كلها. لأننا جميعاً مرتبطون ببعضنا البعض في شبكة لا مفر منها من العلاقات المتبادلة.
لكن ثقافتنا تفعل عكس ذلك – يجب على كل واحد منا أن يسعى للارتفاع . تقوم المدارس بدورها، ويتم تدريب الأطفال على التميز الشخصي أو أن يحكم عليه مدى الحياة بالعمل الشاق، والفقر، والأكثر رعباً من كل شيء، الوضع المتدني.
يمكننا إلغاء الواجبات المنزلية والاختبارات . يمكننا أن نحول الفصول الدراسية إلى مختبرات مبدعة للتعلم. يمكننا ان نقول لأطفالنا أن حياتهم ستكون سعيدة مع شهادة من كلية مجتمع كمن يحملون شهادة من جامعة برينستون. يمكننا إعداد برامج للشباب المعرضين للخطر ويمكننا انتزاع بعض المال الإضافي للمدارس الحكومية.
ينبغي أن نفعل كل هذه الأشياء. ولكن طالما نحن نركز على نجاح كل طفل على حدة بدلاً من النجاح الجماعي والرفاه لجميع الأطفال والأسر، فلن نكون قادرين على تخليص أطفالنا من تآكل لعبة محصلتها صفر من "سباق إلى الأعلى أو ترك للبقاء في الخلف ."يضطر الاطفال للسباق طالما أننا محاصرون في ساحة الجدارة، ونضمن مستقبلاً مشكوكاً به لأطفالنا، مستقبلاً يتم فيه ايداع الابناء في الطبقة الدنيا، وحتى أولئك الأقرب إلى الأعلى سوف يسعون جاهدين للأسف لتجاوز القريبين منهم.
تحافظ السياسة والثقافة على أسطورة الجدارة على قيد الحياة. أصولية السوق تضمن مستويات عالية من عدم المساواة الاقتصادية تجعل الناس المواطنين (وغير المواطنين) يخشون من الخروج من السباق. تكيفنا ثقافياً، من سن مبكرة لدخول السباق إلى أعلى وأنه لا يمكن التعاون بدلاً من التنافس.
ليس من الضروري أن تكون الحياة بهذه الطريقة. لقد أنعم الله على الولايات المتحدة بما يكفي من الغذاء والدواء الكافي، والسكن ، وما يكفي من المال لخلق مساحة لكل طفل للتخرج من إحدى الجامعات أو الكليات المهنية وكسب لقمة العيش اللائقة. نحن بحاجة فقط للتشارك والتعاون.
في نهاية المطاف، خيارنا هو : إعادة توزيع الثروة بشكل عادل والاستثمار في المدارس التي تكرم وتحفز الطلاب أو إجبار أطفالنا على التنافس ، مع العلم أن جزءاً منهم سوف ينجح والبقية ستكون مثل المشاركين في البرنامج التلفزيوني Celebrity Apprentice. إما أن يتحقق حلم مارتن لوثر كينغ الابن، أو إرادة Donald Trump.
مترجم
Erica Etelson