إسرائيل : الإعلام وتشخيص المجتمع المريض

فضيلة يوسف
2015 / 10 / 16

وُصف الفيديو للطفل الفلسطيني الذي يبلغ 13 عاماً أحمد المناصرة ينزف على رصيف في حي في القدس الشرقية بأنه "صادم"، و"مثير للقلق"، و " مشاهدته مؤلمة". ،الإهانات اللفظية القاسية وسوء المعاملة من الإسرائيليين الذين كانوا يشاهدون الطفل يتضور في العذاب ،إنهم قاسون و"بلا قلب" ،تسمعهم يصرخون في الفيديو الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي "مُت يا ابن العاهرة. مُت! مُت!
بينما كان هناك الكثير من النقاش حول هذا الفيديو، وحوادث أخرى مماثلة تتم فيها عمليات إعدام للشبان الفلسطينيين خارج نطاق القضاء تتهمهم اسرائيل بطعن الإسرائيليين (بعض هذه الادعاءات مشكوك فيها)، وهناك دراسات قليلة عن الآثار الاجتماعية. لهذه الحوادث وعلى وجه التحديد، أصبح من المحرمات دراسة الاستنتاجات الفكرية والنفسية التي يمكن استخلاصها عن المجتمع الإسرائيلي - مجتمع لا يعتبر به مثل هذا السلوك أمراً غريبا - ، وهذا السلوك ليس حالة شاذة، بل هو موقف التيار الرئيس في المجتمع الإسرائيلي .. هذه المعاملة الوحشية لا يمكن إنكارها ،وهي ليست كراهية بسيطة، ولا يمكن تبريرها ،.ولكن هذا بالضبط ما يفعله إعلام الشركات.
يكفي القول أن هناك العديد من المحللين السياسيين والنشطاء وغيرهم يخجلون من الإدانة الصريحة للمجتمع الإسرائيلي والمواقف الإسرائيلية، يبرر هؤلاء هذا السلوك، خوفاً من اعتبارهم معادون للسامية، وبدلاً من الحوار المفتوح والفحص النقدي، لديهم حججهم الملتوية وتفسيراتهم البغيضة والعنصرية. هذه الاتهامات لها ما يبررها بعض الأحيان - كما في حالة المتعصبين الفاشيين والنازيين الجدد الذين يعتبرون "اليهودي" مرادف ل "الشر". وفي غالب الأحيان فإن هذه الحجج مضللة عن عمد وتهدف إلى حماية المجتمع الإسرائيلي من الانتقاد الذي يستحقه .
ولكن من يؤمنون بالعدل وقول الحقيقة لا يمكن أن يبقوا صامتين، لا يمكن أن يسمحوا لأنفسهم أن يصبحوا ضحايا الرقابة الذاتية الناجمة عن الخوف. الانتقادات الصامتة لإسرائيل فشل في الدفاع عن الشعوب المضطهدة. فمن تنصل من مسؤولية الكتابة والحديث ضد الظلم، ووحشية الاستعمار، والوحشية الصهيونية المعاصرة. كمن تخلى عن واجبه في الدفاع عن العدالة الاجتماعية، وتحدي دعاية وسائل الإعلام المرتبطة بالشركات التي وظيفتها الأساسية إضعاف النقد غير المريح ،لا أستطيع، ولن أصمت.
دعاية وسائل الإعلام الكاذبة عن خطر عدم التوازن :
من يقرأ صحيفة نيويورك تايمز، وواشنطن بوست ، وهي وسائل الإعلام الرئيسية التي تزعم بأنها ليبرالية لا يمكن أن يغفر للتفكير بأن طبيعة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني (سبب ونتيجة) أو فعل ورد فعل .، هذا هو بالضبط ما تصوره بعض المقالات "المحترمة" لكتاب " محترمين".
خذ على سبيل المثال، مقال نشر في نيويورك تايمز، بعد ساعات من الحادث عنوانه :عمليات الطعن والردود القاتلة، تحد جديد لأمن لإسرائيل. في قراءة فاحصة للعنوان وحده، تستطيع أن تجد أين يكمن التحيز والتضليل. تفترض صحيفة نيويورك تايمز من العنوان أن المذنب هم الفلسطينيون. وفقاً للمنطق النحوي ففي بناء العنوان، تم تقديم عمليات "الطعن" والتي هي جذور المشكلة، وبالتالي، تبعها "ردود قاتلة"، فالردود القاتلة كانت استجابة (رد فعل) لعمليات الطعن وهذا يبرر قتل الفلسطينيين فالقتل تم كنتيجة للعنف ضد الإسرائيليين.
ولكن بالطبع أي شخص يفهم أساسيات الموضوع يعلم أن الطعن نفسه كان رداً على اعتداءات المستوطنين وقوات الأمن الإسرائيلية على الفلسطينيين، وكذلك ثمرة متوقعة وحشية لا نهاية لها للاحتلال والفقر واليأس، تاريخ الاستعمار مليء بمثل هذه الأمثلة.
ويقدم العنوان الإسرائيليين، ودولة إسرائيل نفسها، كضحايا. فهذه العمليات تشكل تحد لأمن إسرائيل، بدلاً من، مثلاً، أن هذه الأعمال ناتجة عن الاحتلال .. وبالتالي يكون للعنوان والمادة المرفقة أثراً تراكمياً يجعل الضحايا ،جناة، والجناة ،ضحايا، وبالتالي قلب العلاقة المضطهدة بين الظالم / المظلوم .. هذا الانعكاس ضروري للغاية من أجل تبييض جرائم إسرائيل، وإعفاء دولة إسرائيل وحتى المتعصبين، الفاشيين فيها من الذنب.
كيف تم التعامل مع الفيديو من الليبراليين المفترضين الأكثر اعتدالاً: NBC News ، تم التعامل مع الصراع وأعمال العنف الأخيرة بطريقة غير شريفة ، نشرت NBC News في تغطية حادث إطلاق النار على أحمد المناصرة مقالاً بعنوان : فيديو مزعج: إطلاق النار على أحمد المناصرة يلخص الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. ويُفهم من المقال من خلال تقديم الأحداث المحيطة بإطلاق النار الشنيع على أحمد أن العملية رمز للصراع بأكمله. وقدمت NBC News الروايات المتنافسة من مصادر اسرائيلية وفلسطينية ، محاولة إقناع القراء أن الادعاءات المستمرة و الادعاءات المضادة ليست سوى تكرار للشيء نفسه، وأن الحقيقة ببساطة مجهولة. ، تقول المصادر الإسرائيلية X، وتقول المصادر الفلسطينية Y. وأعتقد أننا لن نعرف الحقيقة.
يستنتج قارئ مقالة NBC أن كلا الجانبين مذنبون بنفس القدر، ويستحقون نفس القدر من اللوم، وأن الصراع نفسه أبعد من التحليل النقدي. وعلاوة على ذلك، ترى NBC نفسها عادلة في عرض القضية على هذا النحو، بعد أن قدمت مادة متوازنة. لكنها في الواقع تحجب ببساطة الطبيعة الحقيقية للصراع: صراع بين الظالم المحتل وضحاياه، تشريد الضحايا وطردهم من بلادهم بشكل منتظم لمدة سبعة عقود.
دع التوازن الكاذب جانباً، من خلال التعتيم الدائم على حقيقة هذه القضية، كشفت NBC هنا عن غير قصد شيئاً صحيحاً في الأساس حول النزاع؛ هذا الحادث "يلخص الصراع بين إسرائيل وفلسطين." على الرغم من أنها لم تقصد ذلك وبهذه الطريقة، عرضت NBC بشكل صحيح حقيقة سلوك الإسرائيليين أمام الكاميرا كرمز واضح للمجتمع الأوسع لإسرائيل، الذي يصف الأطفال الفلسطينيين ب "الكلاب"، و "أبناء العاهرات" ، و"لا يستحقون العيش".
المجتمع الإسرائيلي المصاب بالفاشية :
استطاع العالم من خلال فيديو أحمد المناصرة رؤية الوحشية الصهيونية، والايديولوجيه العنصرية اليهودية التي تضع غير اليهود في مستوى أدنى من اليهود، وتصبح حياتهم بالتالي أقل قيمة من حياة اليهود .هذه ليست كراهية بسيطة تدفع تعليقات مثيرة للاشمئزاز من المتفرجين، بل كراهية متأصلة، وحس نما عبر الأجيال عن التفوق ولّدت تجريد الشعب الفلسطيني، والعربي عموماً من إنسانيته.
هذه الحقيقة الأساسية نادراً جداً ما يتم مناقشتها، لكنها تقع في قلب الصراع في فلسطين .من خلال رؤية العرب أقل آدمية، أصبح العديد من الإسرائيليين على مستوى وعيهم قادرون على تبرير، جميع أشكال الوحشية والعنف والقمع. في كثير من الأحيان وينبغي أن يقال هنا أن هناك بعض الإسرائيليين الذين يقاتلون ضد مثل هذا التفكير (ربما كان جدعون ليفي أبرز المعارضين وأكثرهم صخباً لهذه الايديولوجيه العنصرية)، ولكن للأسف غرق في هذه الهمجية المسعورة اليمين الإسرائيلي (والكثير من الوسط).
وانتقاد هذه الظاهرة تجعلهم يعتبرونك وبسرعة معادياً للسامية،حيث يقبل الجسم السياسي الإسرائيلي بشكل صريح أو ضمني هذه السياسات التعسفية .بينما كان أحمد المناصرة ينزف وسط دوامة من الشتائم من الإسرائيليين والذي شكّل صدمة على وسائل التواصل الاجتماعي، أتساءل هل هي مجرد حالة واحدة من هذا النوع من العنف. هل حقاً تختلف عن عمليات هدم الجرافات الإسرائيلية لمنازل الفلسطينيين التي لا تعد ولا تحصى؟ هل هي بطريقة أو بأخرى أكثر همجية من إحراق منازل الفلسطينيين مع الأطفال النيام في الداخل؟
ربما سيكون من الأفضل عدم التعبير عن الصدمة والغضب من الفيديو، ولكن بدلاً من ذلك رؤية الفيديو كثمرة منطقية للفاشية، والايديولوجيه العنصرية التي تبناها قادة دولة إسرائيل. بالنسبة للإسرائيليين الفيديو مجرد اقتداء بقادة مثل وزير العدل ايليت شاكيد سيئ السمعة الذي كتب في ذروة الحرب الإسرائيلية الإجرامية على قطاع غزة في صيف عام 2014:
أعلن الشعب الفلسطيني الحرب علينا، ونحن يجب أن نرد على هذه الحرب.، هذه ليست عملية، ولا تسير بخطى بطيئة ، ومنخفضة الكثافة، وليست تصعيداً لا يمكن التحكم به ، ولا تدميراً للبنية التحتية للإرهاب وقتل المستهدفين. من يعتقد ذلك منحرف.، هذه حرب .انها ليست حرباً ضد الإرهاب، وليست حرباً ضد المتطرفين، وحتى ليست حرباً ضد السلطة الفلسطينية ... هذه حرب بين شعبين. من هو العدو؟ الشعب الفلسطيني ، الشعب الفلسطيني كله عدو. كل حرب تحدث بين شعبين، وفي كل حرب الشعب الذي بدأ الحرب، كله، هو العدو ، وراء كل إرهابي يقف عشرات من الرجال والنساء، الذين لم يستطيعون الانخراط في الإرهاب. انهم جميعاً مقاتلين أعداء، ويجب أن يكون دمهم على جميع كفهم الآن وهذا يشمل أيضاً أمهات الشهداء وينبغي أن يتبعن أبنائهن، لا شيء سيكون أكثر عدلاً من ذلك. كما يجب هدم منازل الثعابين. خلاف ذلك، سيتم تفريخ ثعابين أكثر هناك.
مثل هذا الخطاب، مع كل ما يصاحبه من التجريد من الإنسانية، يذكرنا بعدد من الأيديولوجيات الفاشية، النازية الألمانية في الثلاثينيات من القرن العشرين والسياسة الأوكرانية المعاصرة لليمين وكتائب آزوف،. مفهوم "الحرب الشاملة" ضد شعب بأكمله، بما في ذلك النساء والأطفال غير المقاتلين، هو في الحقيقة ليس دعاية حربية بسيطة، إنها دعوة إلى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.
وهذه هي بالضبط النقطة ،التطهير العرقي كمفهوم وهدف عسكري وسياسي في إسرائيل الحديثة. فلماذا يستغرب أحد عندما يرغب الشبان الاسرائيليين إعدام طفل فلسطيني ينزف، ووصفه بأنه "ابن عاهرة". بعد كل شيء، أليس أحمد المناصرة مجرد "ثعبان صغير"؟
وشيء آخر
إذا كان التاريخ هو الماضي فإن ما كُتب أعلاه سوف يثير بلا شك بعض ردود الفعل السلبية، الإدانات، رسائل الكراهية والشتائم من كل نوع. واتهامي بأني "معاد للسامية"، "خائن" و "أكره ذاتي" هذه هي بعض الصفات الأكثر شيوعاً التي سمعتها مرات لا تحصى مكتوبة أو منطوقة عندما أكتب عن إسرائيل والصهيونية، والتفوق اليهودي، ومثل هذه الشتائم والقذف لن تمنعني من الكتابة، وستحفزني على مواصلة التحدث لأنها إشارة أنها لافتة للنظر وتضرب على الوتر الحساس
أنا أعترف وأنا أكتب هذه السطور. أنني ملحد يرفض العرقية والقومية والقبلية المتأصلة في العقيدة السياسية الصهيونية، خلفيتي اليهودية توفر لي الحماية من الاتهامات بمعاداة السامية وتسمح لي بحرية أكبر في الكتابة والتحدث حول هذه القضايا، وهذا يذكرني بأنني أقوم بواجبي.
ولأولئك الذين لا يعارضون جرائم الإمبريالية والاستعمار والقهر والإبادة الجماعية والمتواطئين معهم. أنا لست واحداً منكم. ولن أكون .
مترجم
Eric Draitser