5 - رحلة الست ساعات إلى خيّوس

سعود سالم
2015 / 10 / 14

"وقفت على تلة على الساحل التركي فتراءت لي جزيرة "خيوس" اليونانية وقررت التوجه إليها." هذا ما قاله أحد اللاجئين السوريين لأحد الصحفيين. فهذه الجزيرة الجميلة "خيوس" يقابلها من الجهة التركية مدينة صغيرة تسمى "شيشمى" نظرا لكثرة النافورات فيها على ما يبدو وعلى مسافة لا تزيد عن ثمانية كيلومترات، وهي المنطقة التي انطلق منها اللاجئان السوريان "هشام المعمضاني" ورفيقه "فراس أبوخليل" ليلا وقطعا المسافة الفاصلة سباحة. ذلك أن هذا القرار يعني بكل بساطة القفز في المياه الباردة والسباحة حتى شاطيء الجنة المقابل في رحلة محفوفة بالمخاطر والمفاجآت. "حملت معي ثلاثة أشياء من أهم مقتنياتي الشخصية، جواز السفر وقلم "لايزر" وهاتف نقال. وضعتها داخل حقيبة بلاستيكية حتى لا يتسرب إليها الماء ورميت بنفسي في مياه البحر لا أرى أمامي سوى الضفة المقابلة." كان هشام على ما يبدو يتقن السباحة، إلا أنه لم يسبق له أن سبح في البحر سوى مرتين أو ثلاثة في حياته. ولكن قطع عدة كيلومترات دفعة واحدة هو أمر آخر، وقضاء ستة ساعات في المياه الباردة هو مغامرة لا يقدم عليها إلا من يهرب من الموت ويرغب في الحياة. ولكن ذلك كان خيارهم الوحيد للوصول إلى الجزيرة المقابلة وإلى أوروبا، فقد نفذ مالهم واستحال عليهم توفير الدولارات اللازمة لدفعها للمهربين لضمان مقعد لهما على قارب مطاطي قد لا يصل أبدا.
في المطار بدأت قصة هشام، فبعد أن خرج من داريا في 2013 وسافر بعدها إلى لبنان، ومنها إلى مصر، وتنقل بين تركيا والأردن، قرر بشكل نهائي السفر إلى تركيا في 15 من شهر مايو، والتقى برفيق رحلته "فراس أبو خليل" في قاعة المطار بعمان، و"صرنا نتحدث عن السفر ونتعرف على بعضنا، وتبين فيما بعد أن كلانا ينوي السفر إلى أوروبا، لكن الاختلاف كان في طريقة الوصول إليها، اقترح عليّ فراس أن نسبح من تركيا إلى اليونان، فوجدت في كلامه مسا من الجنون، لكن بعد حين أقنعت نفسي بأن التجربة بقدر ما تكون مجنونة بقدر ما تحمل المتعة والمغامرة". "فراس" كان يسكن بساحل اللاذقية "بيتي جنب البحر فالسباحة بالنسبة لي شيء عادي" غير أنه لم يقطع أكثر من كيلو متر دفعة واحدة، ولم ير زوجته وولديه منذ ثلاثة أشهر، تركهم في عُمان حتى يجد بلد آمن يجمعهم، و"معضماني" غادر والدته وأخيه الصغير منذ أكثر من ثلاثة أعوام، هائما بين عشرات الدول العربية وغير العربية، ساعات وأيام طويلة في حجرات التحقيق الحدودية حاملا هوية اللاجيء. في صباح 17 من مايو، وصلا إلى أزمير.. ثم إلى مدينة "شيشمى" التي كانت أقرب نقطة إلى السواحل اليونانية، وهي إحدى ضواحي أزمير. وتبين لهما - عن طريق خرائط جوجل - وجود جزيرتين مهجورتين في وسط البحر الفاصل بينهم وبين خيوس يمكن اللجوء إليهما للراحة والإستراحة فيهما في حالة التعب الشديد أو البرد الغير محتمل. واشتروا زعانف للسباحة، وسترات نجاة، ومياه شرب، وبعض الشوكولا كما اشترى هشام قلم ليزر ليتمكن من الرؤية في ظلمة البحر الغامقة حسب قوله. من شاطئ cesme "شيشمي" بمنطقة أزمير كانت نقطة البداية، في تمام التاسعة والنصف من يوم الأربعاء 17 يونيو 2015 انطلقا الرفيقان، البداية كانت مرعبة لكل منهما، الخوف والقلق الرهيب يسري بالعروق ويجعل القلب يخفق بضربات متسارعة، الظلمة الحالكة تزيد شحنة الرهبة وكثافتها، المرتفع الذي كان من المفترض الإنطلاق منه يبدو عاليا أكثر مما هو في المرة الأولى. شجع فراس نفسه ورفيقه، بإعتباره أكبر سنا وصاحب الفكرة الجنونية، وأخذ زمام المبادرة، قفز متحديا خوفه وتردده، ومحفزا لهشام الذي تبعه مترددا، أنها المرة الثالثة في حياته ينزل فيها للسباحة في البحر منذ كان صغيرا، أما فراس فإن أقصى مسافة قطعها فلا تتعدى الكيلو متر الواحد، غير أنه لا بديل لهما عن قطع 8 كيلو متر للوصول إلى الجزيرة. ويضيف هشام: "رميت حقيبتي وكل ما معي لأتمكن من السباحة، رميت الدواء وحتى شهادات خبرتي، ونزلت إلى الماء، ما إن وضعت قدماي فيها حتى كاد يغمى علي من شدة برودتها، وطلبت من فراس أن يسبح وإن تأخرت عليه فليتابع طريقه، وأني سأجرب مسافة 50 مترا إن تمكنت من المتابعة سأتابع". وبعد حوالي ثلات ساعات من السباحة ترائت لهما صخرة ضخمة وسط البحر، الجزيرة الأولى أو ما يشبه الجزيرة الصغيرة، وفكرا بأنهما سيحاولان بلوغها ثم طلب المساعدة في الصباح. لكن عندما بلغا الجزيرة، كانت المنحدرات حادة ويستحيل تسلقها والأمواج التي تلاطم الصخور بشدة منعتهما من الإقتراب لدرجة تسمح بالرؤية أو التسلق، فواصلا السباحة عدة ساعات أخرى. في غضون الثالثة من فجر يوم الخميس 18 يونيو 2015، صارا الشابان في محيط المياه اليونانية، كيلومتر واحد يفصلهما عن ساحلها، غير أن الأمواج لازالت تعاندهم، تدفعهما حينا، وتعيدهما حينا أخر، وقبل أن يفقدا الأمل نهائيا - بعد 6 ساعات من السباحة - حتى لمحا ضوء أحمر يأتي عن يسارهما من باخرة عابرة، وقررا طلب المساعدة، وتمكن هشام من إخراج اللازر من غلافه البلاستيكي، وشغله ليثير إنتباه الباخرة للحظات قصيرة لا تتجاوز الدقيقة ثم انطفأ ولفظ أنفاسه بفعل الماء ولا شك، ولحسن الحظ فإن هذه الدقيقة كانت كافية للفت نظر الركاب أو طقم الباخرة إلى السابحين في عرض البحر، وأشعلت الأضواء باتجاههم واقتربت نحوهم، ثم انتشلوهما بعد استشارة خفر السواحل، لتبدأ رحلتهما الجديدة بالبر. "خطوة من عشر خطوات" هكذا عبر هشام عن هذه الرحلة، فبعد وصولهما إلى اليونان، بدأت رحلة جديدة بين الحدود والشرطة ومكاتب اللاجئين. وبدأت رحلة الألف ميل، التفتيش والتحقيق في نقاط الشرطة، لمعرفة هويتهما، كما لم يتوقف السير على الأقدام لساعات وساعات لا تنتهي، وقدره "أبو خليل" بنحو 120 -140 كيلو متر متقطعة، حيث تورمت الأقدام، وتشققت، ونزفت الدماء على الطريق، لكنهم لم يتوقفوا، فما كان ذلك شيئا مقارنة بما مرا به في البحر من إرهاق جسدي ونفسي. بمخيم اللاجئين باليونان مكث الشابين حتى مطلع الشمس، حينها أبصرا قدوم عائلات سورية قادمة مثلهما من البحر، حوالي 40 شخص قذفتهم عدة قوارب، وكانت ملامح الهلع والخوف بادية عليهم وعلى وجوههم المنهكة. وتعرفوا على مجموعة من الشباب، انضموا إليهم في الطريق. وكان أمامهم الخيار بين الحصول على وثيقة إقامة لستة أشهر أو مغادرة اليونان. وبعد يومين أخذا "ورقة طرد" من اليونان، وتابعوا رحلتهم باتجاه الحدود المقدونية، الخيار الثاني كان الأفضل لهم، من أثينا إلى مقدونيا، ثم صربيا، وهنا كانت نقطة فراق الرفاق، فراس ومجموعة الشباب قرروا الذهاب مع مهرب إلى بلجيكا، حيث يقيم بعض أفراد عائلته وأقاربه، فيما اتخذ "معضماني" طريقه إلى ألمانيا، مرورا ببودابست. وهكذا انتهت رحلته الطويلة كلاجيء سوري في ألمانيا وهو يقيم اليوم في مدينة هامبورغ بعد 3 اعوام ونصف قطع خلالها أكثر من أربعة عشرة بلداً الى ان وصل أخيرا الى قبيلة العمة "مركل". ولم يكن يتوقع الاهتمام الاعلامي الذي لاقته قصته التي قام بكتابتها ونشرها على صفحته في موقع" الفيسبوك" ثم قام بترجمتها الى اللغة الانكليزية، لتنشرها لاحقاً "جريدة التايمز البريطانية" في 24 أغسطس 2015 بعد تنسيق الموضوع مع أحد أصدقاءه، ومن هنا تناقلت الصحف العربية هذه القصة.
لا شك أن هذا الحل هو الأكثر صعوبة بالنسبة لغالبية اللاجئين وبالذات الذين لم يروا البحر في حياتهم ولايعرفون السباحة، وهو حال الأغلبية، رغم أنه الحل الأرخص ثمنا والأقل تكلفة. ولذلك فإن أغلب اللاجئين يختارون الحل الثاني والذي اختاره عبدالله الكردي وعائلته، أي عبور هذه المياه ليلا في قارب مطاطي.