الاعتداءات على الأطفال و(الثقافة) في أفغانستان

فضيلة يوسف
2015 / 10 / 13

كشفت تقارير إخبارية على مدى السنوات الثماني الماضية، تدريجياً أن الجنود الأفغان وضباط الشرطة المتحالفة مع القوات الامريكية يعتدون جنسياً على الأطفال الصغار ضد إرادتهم وفي بعض الأحيان في القواعد العسكرية الأمريكية. وفي الشهر الماضي، نشر جوزيف غولدشتاين (2015) خبراً في الصفحة الاولى في صحيفة نيويورك تايمز تحت عنوان " تم اخبار الجنود الأمريكيين بتجاهل الاعتداءات الجنسية على الأطفال من قبل الحلفاء الأفغان"، وافتتح المقالة بقصة مثيرة للقلق من العريف غريغوري باكلي ، الذي أُصيب اصابة قاتلة جنباً إلى جنب مع اثنين من مشاة البحرية في عام 2012 . قُتل باكلي بعد أن أثار مخاوف بشأن تسامح الجيش الأمريكي مع الاعتداءات الجنسية على الأطفال التي يمارسها ضباط الشرطة الأفغان في قاعدة أمريكية تتمركز في جنوب أفغانستان. وقال والد باكلي للصحيفة " قال ابني أن ضباطه قالوا له أن ينظر في الاتجاه الآخر لأن هذه هي ثقافتهم."
يوفر ما أوردته الصحيفة السرد النمطي القياسي لاعتداءات الرجال البالغين على الفتيان جنسياً وبعض هؤلاء الفتيان اعمارهم اثني عشر عاماً فقط، كمثال على ثقافة معروفة باسم (بازي باشا)، " ويشمل أيضاً مشاهد جنود أمريكيين يذهبون إلى غرف رجال أفغان ينامون مع الأطفال الصغار، ويشاهدون اغتصاب فتاة في سن المراهقة من قبل قائد ميليشيا أثناء عملها في الحقول، وقصة الكابتن السابق في القوات الخاصة ، دان كوين، الذي تعرض لمجلس ضبط تأديبي بعد ضربه قائداً في الميليشيا الأفغانية احتفظ بصبي مربوطاً بالسلاسل إلى سريره كعبد جنسي "(غولدشتاين 2015). وقد أورد المقال عدداً من الإجراءات التأديبية القاسية المتخذة ضد جنود أمريكيين آخرين ومشاة البحرية الذين حاولوا وقف مثل هذه التحرشات الجنسية المسيئة.
موقف الجيش :أن هذه الممارسات ممارسات ثقافية محلية، مثلها مثل الاختلاف في اللباس، والنظام الغذائي، أو التفضيلات الموسيقية، وينبغي على القوات الأمريكية النظر في الاتجاه الآخر وأن لا تتداخل مع هذه الاختلافات الثقافية. ووفقاً لتقرير صدر مؤخرا عن شين هاريس (2015)، ويقدم لمشاة البحرية إرشادات قليلة حول مشاهدتهم عمليات اغتصاب أو غيرها من أشكال الاعتداء الجنسي من قبل السكان المحليين في البلدان الأخرى. حصلت هاريس على نسخة من المواد التدريبية التي وصفت الاعتداء الجنسي صراحة كظاهرة "ثقافية" في أفغانستان.
ربما كانت هذه الأشياء متوقعة ،. فقبل عقد من الزمان، وضع الجنرال ديفيد بترايوس ورفاقه عقيدة مكافحة التمرد ووصفها أنها طريقة لطيفة لإجراء الحرب. اعتنقوا الفكرة القائلة بأن السكان المحليين في العراق وأفغانستان هم "مركز الثقل" ونقطة الارتكاز التي يعتمد عليها مصير الولايات المتحدة لجعل الاحتلال مريحاً. وتم توضيح هذه العقيدة في الميدان .في نشرة توزع يدوياً للجيش الأمريكي حول مكافحة التمرد: (جيش الولايات المتحدة 2007)، يُطلب من القوات الأمريكية العمل مع الحلفاء في"الدولة المضيفة" (شيوخ العشائر العراقية في محافظة الأنبار، وأمراء الحرب الأفغانية المعارضين لطالبان وغيرهم .) بطريقة قد تكون مختلفة جداً عن معتقدات وممارسات تلك القوات الأمريكية . ولا توجد أي مواد قدّمت توجيهات للتعامل مع الحلفاء الذين ينتهكون بانتظام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان أو الكرامة الإنسانية. ولجعل الأمور أكثر سوءاً، تعمل عقيدة بترايوس بشكل واضح بطريقة من أعلى إلى أسفل: يضع الجنود ومشاة البحرية مبادئهم وخبراتهم جانباً ويعملون بشكل يتناسب مع متطلبات عقيدة مكافحة التمرد الجديدة.
ما يجعل هذا الموضوع صعباً إلى حد ما هو حقيقة واضحة أن المعتقدات والممارسات الثقافية تختلف بشكل كبير من ثقافة إلى أخرى. فالعرف الذي يعتبر من المحرمات في مكان ما قد يكون مقبولاً على نطاق واسع، أو حتى يتم تشجيعه في أماكن أخرى. ومن بين أهم المساهمات التي قدمها علماء الأنثروبولوجيا في القرن العشرين فكرة النسبية الثقافية، وهي فكرة تنادي بأنه ينبغي أن ينظر لكل مجتمع ضمن سياق معين، أو فهم لشروطه.. ولكن، ونحن نناقش أدناه، النسبية الثقافية ليست هي نفس النسبية الأخلاقية. كان هناك نقص كبير في التحقيق كيف تقبل مسؤولون عسكريون أمريكيون " الاعتداءات الجنسية على الأطفال الأفغان من قبل الشرطة وقادة الميليشيات الأفغانية.
تبرير الاعتداءات الجنسية على الأطفال
لا يزال الكثير من هذه القصة غير معروفاً، لكن هناك بعض الأدلة على أن نظام الموارد البشرية التابع للجيش الأمريكي (HTS) لعب دوراً في تبرير استغلال الاطفال جنسياً في أفغانستان، سواء داخل الدوائر العسكرية وخطاب وسائل الإعلام الشعبية لدعم هذه السياسات. قد يتذكر القراء أن (HTS ) كبرنامج لمكافحة التمرد تجريبي ومثير للجدل وأنه ضم جزءاً من علماء الاجتماع في كتائب القوات المقاتلة في العراق وأفغانستان. وخلال ثماني سنوات من وجوده، كلّف دافعي الضرائب أكثر من 720 مليون دولار ، مما يجعله أغلى مشروع للعلوم الاجتماعية في التاريخ. وكان محفوفاً بالمشاكل الأخلاقية وتمت إدانته في عام 2007 من قبل جمعية الأنثروبولوجيا الأميركية. وفي وقت سابق من هذا العام، اكتشف أحدنا "غونزاليس" أن الجيش وضع البرنامج على الرف بهدوء في عام 2014 بعد اتهامات بالتزوير وسوء الإدارة، (غونزاليس 2015).
كان اول اعتراف مبكر عن الاعتداءات الجنسية التعسفية لحلفاء الولايات المتحدة في أفغانستان وتشجيع علماء الأنثروبولوجيا العسكريين الأمريكيين على قبول ممارسة الرجال الأفغان للجنس مع الأطفال يوم 10 أكتوبر 2007 في البث الإذاعي ل Diane Rehm . ففي مقابلة، مع كبيرة مستشاري العلوم الاجتماعية في الجيش Montgomery McFate شرحت الطريقة التي ساعد نظام الموارد البشرية بها الجنود لتقبل هذه "الاختلافات الثقافية." وقالت McFate (التي تحمل شهادة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا من جامعة ييل) نظام الموارد أن البشرية رفع مستوى الوعي باختلاف الثقافات وقبول الآخر. وأشارت إلى ( NAMBLA ) ( الحب يوم الخميس بين الرجال والأطفال )وروت هذه كقصة "دعابية" توضح دور نظام الموارد البشرية في بناء التفاعلات بين العسكريين والسكان المحليين
"أنا أضحك، لأن علماء الأنثروبولوجيا مؤمنين بشكل كبير في الانعكاسية وفي فهم التحيز الخاص بك، وأحياناً يمكن أن تكون صعبة بعض الشيء، وكانت روح الدعابة محاولة لتعليم وجهات النظر للجيش. وسأعطيك مثالاً واحداً من أفغانستان، وهو في قاعدة عمليات متقدمة كانت هناك ممارسة شائعة بعد ظهر الخميس لبعض كبار السن من الرجال للاعتداء الجنسي على الصبية الصغار بين الشجيرات. وسأل اللواء ضباط الموارد البشرية "ما قصة الحب يوم الخميس بين الرجال والأطفال؟ ما الذي يجري؟" وكما تعلمون، كانت وجهة نظر اللواء أنه يجب وضع حد لهذا لأنه كان خطأ، ويجيب ضباط الموارد البشرية [بصوت ضاحك] خطأ!، أنت كما تعلم، تنتهك فكرة ما هو المناسب.
وقال أعضاء في نظام الموارد البشرية ، "كما تعلمون، هذا جزء من الثقافة الأفغانية" وليس هناك الكثير للقيام به حيال ذلك. إذا كنت لا ترغب في ذلك، فلا يمكنك وقفه. لا تحاول فرض القيم الخاصة بك على الناس الذين تعمل معهم لأنك لن تغيّرهم. "لذا (هذا نوعاً ما ) مثال للدعابة". (نقلاً عن McFate في "علماء الأنثروبولوجيا والحرب" 2007).
McFate كشخصية عامة شخصية معاكسة بوهيمية، وأثّر تصوّرها غير المبال على المسؤولين العسكريين الأمريكيين الذين بدأوا في النظر إلى تفشي الاعتداءات الجنسية على الأطفال كظاهرة من الغرائب الثقافية. ملخص McFate العفوي عن " الحب يوم الخميس بين الرجال والأطفال كمثال على ما يحدث عندما يتم تجريد الأنثروبولوجيا من الأخلاقيات من أجل الارتياح. بواسطة من يبيعون العلوم الاجتماعية للاستهلاك العسكري بثمن بخس، قالت McFate للجهات الراعية والجمهور العام يمكن أن يكون لعلم الانثروبولوجيا دور مفيد في عصر الإمبراطورية الأمريكية من خلال تبسيط التعقيدات الأخلاقية للغزو والاحتلال.
تستحق صحيفة نيويورك تايمز الآن بعض الشكر لتركيزها على انتقاد " ممارسة الحب يوم الخميس،" ، لعبت الصحيفة لسنوات دوراً أساسياً في تلميع نظام الموارد البشرية وكانت متعاطفة معهم ووصفتهم على صفحتها الاولى في عام 2007 كبرنامج فعال وحتى "رائع" (Rohde 2007). تجاهلت وسائل إعلام الشركات إلى حد كبير منتقدي البرنامج. وفي وقت لاحق من ذلك العام، نشرت TheTimes مقالاً افتتاحياً مشيداً بنظام الموارد البشرية ، كما أشاد عالم الأنثروبولوجيا Richard Shweder في جامعة شيكاغو ببرنامج McFate، وكتب عن نجاح "السيدة McFate في وقف الجنود الأمريكيين عن إصدار أحكام أخلاقية حول الممارسات الثقافية الأفغانية المحلية ومنها اعتداءات كبار السن من الرجال على الأطفال " ممارسة الحب يوم الخميس " ووقف فرض القيم الخاصة بهم على الآخرين، "كانت الرسالة للجنود الأمريكيين أبعد من لا تسأل، لا تخبر ، إنها تثلج الصدر" (Shweder 2007). لم نفهم من Shweder تماماً أي جزء من برنامج القبول الثقافي يثلج الصدر، ولكنه ساعد على اكتساب الشرعية العامة التي تحتاج إليها في لحظة حاسمة عندما وجد علماء الأنثروبولوجيا الذين كانوا ينتقدون البرنامج أنه من المستحيل سماعهم من قبل هيئة تحرير الصحيفة.
غضوا الطرف
أنشأ الجيش الأمريكي بين عامي 2009 و 2011، حالة من خلال التقارير والوثائق الرسمية صورت الاستغلال الجنسي للأطفال على نحو فعال كجزء طبيعي ومقبول في الثقافة الأفغانية.
وفي عام 2009 تم الافراج عن تقرير لفريق من نظام الموارد البشرية في الجيش للجمهور عن "ممارسة البشتون للجنس". يقول التقرير، وهو من تأليف Anna Maria Cardinalli (الحاصلة على درجة الدكتوراه في اللاهوت من جامعة Notre Dame)، أن عدداً كبيراً من الرجال الأفغان يمارسون "الشذوذ الجنسي "، وخصوصاً مع الأطفال، والذي يمكن أن يفسر جزئياً "كتقليد ثقافي طويل الأمد يحظى بالتقدير" وأن الأطفال الذين يمتلكون جمالاً جسدياً يتم تدريبهم لبدء الممارسة الجنسية مع الرجال من كبار السن " (Cardinalli 2009: 1،2). ويشير التقرير إلى حاجة أفراد الجيش الأمريكي إلى فهم هذه الديناميات بوصفها " القوة الاجتماعية الأساسية الكامنة وراء ثقافة البشتون"، وعلى الرغم من أن التقرير يعترف أن هذه الممارسات قد تنطوي على "خلل كبير في السلطة لغير صالح الصبي المعني ، " الا أنه يلقي ظلالاً من الشك على" إمكانية النظر لهذا الأمر بشكل مسيء عندما ينظر إليه من خلال عدسة داخل الثقافة "(Cardinalli 2009).
بعد ذلك بعامين، في عام 2011، أصدر الجيش مشروع كتيب للتدريب نصح صراحة موظفي الولايات المتحدة بتجاهل الانتهاكات التي يرتكبها ضباط الأمن الأفغانيون. كان عنوان الكتيب "أزمة ثقة وعدم التوافق الثقافي"،( Bordin 2011). ،و Bordin حاصل على درجة الدكتوراه في علم النفس ويحمل شهادة تدريب من الجيش كقائد في نظام الموارد البشرية. ويتضمن الكتيب قائمة "بمواضيع المحادثة التي تصنف مع "المحرمات" وينبغي على الجنود الأمريكيين أن يتجنبوها ، ومن ضمنها "أي انتقاد لممارسة الجنس مع الأطفال" والشذوذ الجنسي والسلوك المثلي". ومثل Cardinalli،يقلل Bordin من أثر الاعتداءات الجنسية على الأطفال: "خلاصة القول: قد تواجه القوات الأمريكية صدمة اجتماعية وثقافية و / أو عدم الارتياح عند التعامل (مع قوات الأمن الأفغانية).يساعد الوعي بالظروف المحلية / وفهم الثقافة الأفغانية عند إعداد (القوات الأمريكية) إلى فعالية أكبر مع الشريك الأفغاني وتجنب الصراع الثقافي "( Nissenbaum 2011).
ومن الجدير بالملاحظة أن مبررات دائرة نظام الموارد البشرية عن الشذوذ الجنسي أثارت اهتمام وسائل الاعلام بشكل قليل جداً. على النقيض من الروايات العسكرية عن سوء معاملة النساء الأفغانيات من قبل حركة طالبان وإعادة تدويرها بشكل روتيني من قبل الصحافة بعد عام 2001، واعتقد العديد من الأمريكيين بضرورة حماية النساء الأفغانيات من رجالهن. والغريب، أن وكالات الأنباء الأمريكية قد تجاهلت سوء معاملة النساء في المملكة العربية السعودية، والكويت، أو باكستان حلفاء الولايات المتحدة.
قدّم فريق الموارد البشرية تحليلاً يتناسب مع الصور النمطية الاستشراقية للمجتمعات الإسلامية التي نقدها الراحل إدوارد سعيد. يكفي المرء أن ينظر إلى أبعد من غطاء الاستشراق. ليرى اللوحة التي رسمها (Jean-Léon Gérôme)، الأفعى والساحر، والتي تصوّر رومانسية رقص صبي عاري أمام شيوخ القبائل. الصورة التي تنسجم تماماً مع المفاهيم الأوروبية طويلة الأمد عن الغرائبية الشرقية. (ومن الملفت للنظر أن النقاد الأوروبيين والأمريكيين يتجاهلون حقيقة أن الشذوذ الجنسي غالباً ما كان يمارس في الغرب لعدة قرون، وأشهرها في اليونان القديمة وروما. ويرى البعض أن هذه الممارسة قد أُدخلت إلى آسيا الوسطى خلال فترة حكم الكسندر العظيم ، قبل وقت طويل من وصول الإسلام.) المعلومات "الأنثروبولوجية" التي قدمت للجيش من قبل نظام الموارد البشرية أكد هذه الغرائبية، في حين تجاهل قرون من الاتصال مع الغرب، إرث الاستعمار الأوروبي، وعدم المساواة في علاقات القوة وكان على الأنثروبولوجيين أخذ ذلك بعين الاعتبار.
على كل حال، كانت التقارير التي قدمها Cardinalli وBordin متسقة تماماً مع موقف اللامبالاة الذي أعربت عنه McFate. كتب صانع الأفلام الوثائقية آدم كورتيس في عام 2010 عن محادثة بينه وبين McFate حول النسبية الثقافية" عندما سألها كورتيس ماذا يمكن أن تقدم الأنثروبولوجيا للجيش، أجابت:النسبية الثقافية وأوضحت إجابتها:
" عرف العسكريون الأمريكيون في القواعد أن الاعتداءات الجنسية على الأطفال خطأ. أرادوا إلقاء القبض على الرجال الأفغان، ولكن أقنع فريق الموارد البشرية قادة القواعد أن هذا جزء مقبول من الثقافة الجنسية الأفغانية. وأتساءل كم من الوقت استمر فيه علماء الأنثروبولوجيا بالقول للجيش ان ما يفكرون بأنه "فساد" هو في الواقع نظام عميق الجذور في النظام القبلي في أفغانستان وعليهم أن يقبلوه ". (Curtis 2010) .كان كورتيس منزعجاً من وضوح ردها.،النسبية الثقافية ليست النسبية الأخلاقية
تعليقات McFate وغيرها من موظفي الموارد البشرية السابقون مثل Cardinalli وBordin تكشف عن سوء فهم عميق لعلم الإنسان والمجتمع الأفغاني. ولعل المشكلة الأكبر هي أن الأفكار التي عبر عنها أعضاء فريق الموارد البشرية تنم عن سوء فهم أساسي حول الاختلافات بين النسبية الثقافية والنسبية الأخلاقية. الأول هو الاعتراف الأنثروبولوجي الأساسي أن لدى جميع المجتمعات معتقدات وسلوكيات يراها أعضاء المجتمع طبيعية وصحيحة. ونظراً لعالمية هذا الشيء فإن علماء الأنثروبولوجيا استخدموا النسبية الثقافية لفهم الاختلافات الثقافية بشروطهم الخاصة.
ولكن النسبية الأخلاقية شيء آخر تماماً.،النسبية الأخلاقية ترى أبعد من الاعتراف بالاختلاف الثقافي وترفض التعامل مع أي تقييم للأخلاق والممارسات. في هذا السياق، الاعتداء الجنسي على الأطفال في أفغانستان المعاصرة لا يمكن فصله عن الوجود العسكري الأمريكي هناك، نأى الجيش الامريكي والموارد البشرية بنفسهم عن الاعتداءات الجنسية على الأطفال ولم يتحملوا المسؤولية عن هذه الأعمال المسيئة التي تحدث في القواعد العسكرية الأمريكية. يمكن للمرء أن يتساءل لماذا تجاهل الموظفين في الموارد البشرية التزام جمعية الأنثروبولوجيا الأميركية بمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.
. ومن المثير للاهتمام، أن الرئيس الأفغاني أشرف غاني الحاصل على دكتوراه في الأنثروبولوجيا من جامعة كولومبيا أدان مؤخراً الاعتداءات الجنسية على الأطفال في بلاده، وتعهد باتخاذ اجراءات صارمة ضد المعتدين (روزنبرغ 2015).
هناك، بطبيعة الحال، اختلافات ثقافية في التعبير عن النشاط الجنسي البشري. والواقع أن آثار هذه الاختلافات الثقافية الهامة، تشمل الأشياء والتعبيرات والتوجهات المقبولة ، وتأثير الثقافة على هذه العناصر حقيقي وهام. ولكن الشيء الحيوي المفقود في هذا التحليل العسكري الاجتماعي هو الاعتراف المركزي بالسياق السياسي الذي يوّلد هذه التحليلات. مثل معظم الأشياء الأخرى التي أُنشئت في إطار الغزو العسكري والاحتلال، فإن الدراسات وإعداد التقارير عن النشاط الجنسي يحدث بشكل ضبابي وفي جو من التعتيم على الحرب ويتخلل تفعيل وتحليل تلك الدراسات. في مثل هذه السياقات، تطبيع الخلل في السلوك الجنسي من قبل عناصر القوة، وتحويله الى اختلاف ثقافي .
أصبحت مخابرات مكافحة التمرد، تُستخدم ليس فقط للفهم والقبول، ولكن للفهم والسيطرة. ساعدت إرشادات دائرة الموارد البشرية في أفغانستان، على تحويل المنشآت العسكرية الأمريكية إلى مناطق يقوم بها حلفاء الولايات المتحدة باغتصاب الأطفال ومعاملتهم بوحشية. هذه الإرشادات ليست فريدة من نوعها في هذه الحرب، كما لاحظ عالم الأنثروبولوجيا مارشال سالين قبل نصف قرن في مقاله "خراب الضمائر في فيتنام"، فكثيراً ما وُضع الجنود في مأزق حيث "تظهر كل المبررات السطحية ". وتصبح حرب الخيرين ضرورة وجيدة، وجميع عمليات القتل المؤسفة ضرورية ،.الغاية تبرر الوسيلة (Sahlins 1966).
جهود دائرة الموارد البشرية لإعفاء المسؤولين الأمريكيين من المسؤولية عن اختطاف واغتصاب الأطفال تضع الجنود الامريكيون في موقف لا يحسدون عليه: يُطلب منهم أن يتظاهروا بأن حماية الولايات المتحدة وايواءها لهؤلاء الذين يقومون بهذه الأفعال لا يجعلهم تحت طائلة المسؤولية أخلاقياً، حتى عندما يشهدون الاعتداءات الجنسي والإكراه وسوء المعاملة. ربما ليس هناك إشارة واضحة عن إفلاس نظام الموارد البشرية الأخلاقي من الأشكال المتهورة المتمثلة في "الأبحاث"، والتي لها تكلفة بشرية حقيقية. كما يعاني الأطفال الأفغان عواقب اللامبالاة الرسمية في مواجهة الاعتداءات الجنسية ، يعاني الجنود الأمريكيون من الذنب الأخلاقي للتهاون القسري لأنهم يحملون أكذوبة أخرى عن الاحتلال الذي تقوده الولايات المتحدة في أفغانستان.
مترجم
David price & Roberto gonzalez