الانتفاضة الثالثة: بين خراب الصهيونية وإكسير الثورات

حاتم الجوهرى
2015 / 10 / 10

الانتفاضة الفلسطينية الحالية ليست شأنا فلسطينيا داخليا كما يعتقد البعض، وليست فعلا حمساويا حزبيا كما يريد البعض أن يروج! الانتفاضة الفلسطينية هى مؤشر تكراره هام للغاية على مستوى التاريخ العربى، يرتبط بعجز الأنظمة العربية وفسادها، وفى الوقت نفسه صحوة الشعوب العربية من خلال كتلة حرجة قادرة وناجزة.. وفى تقديرى ستؤثر الانتفاضة الثالثة على الصهيونية، وكذلك –للمفاجأة- على المسار الكامن للثورات العربية.

تاريخ الانتفاضة: عجز أنظمة وصحوة شعوب
الانتفاضة الأولى عام 1987، جاءت فى ظروف عربية ودولية غير مشجعة تماما، كانت معاهدة السلام الموقعة بين مصر و"إسرائيل" قاربت آن تتم عقدها الأول، وقد فرضت مصر سيطرتها النسبية على سيناء واستردت "طابا" عن طريق التحكيم، وسيطرت أمريكا على التوجهات العسكرية المصرية من خلال المساعدات وفرض استراتيجية جديدة أدت إلى إلغاء مجموعة من أهم حزم أو برامج التسليح والتصنيع الحربى المصرية. وعلى المستوى العالمى كان العالم ثنائى القطبية (بين السوفيت وأمريكا) يوشك على إعلان انتصار أمريكا فى الحرب الباردة، تلك الحرب التى كان السوفيت يدعمون فيها نسبيا الموقف العربى والفلسطينى، وتركيا كانت على علاقات وثيقة أكثر بالغرب آنذاك، وإيران كانت منهكة بحربها مع العراق..
لينتفض الشعب الفلسطينى ضد محتليه، وهم فى أوج قوتهم، وفى أوج نجاح المخططات الصهيونية الأمريكية فى زرع التناقضات واستثمارها داخل الشرق العربى والإسلامى، لتحدث هذه الانتفاضة صدمة فى الفكر الصهيونى وأوهام الأمن من خلال القوة.

الانتفاضة الثانية عام 2000:
فى موجة أخرى من ضعف الأنظمة العربية وغياب مشروعها للمستقبل؛ وبعد اتفاقية (أوسلو)، ومشروع أمريكا لتجميل وجهها بعد تدمير العراق الأول فى حرب 1990، من خلال محاولة فرض مشروع للسلام يمَكّن لإسرائيل اقتصاديا ويعطيها السيادة على المنطقة العربية تحت اسم "الشرق الأوسط الكبير"، وهو المشروع الذى صُحب بترويج رسمى مصرى لفكرة التطبيع ونشط بعض مثقفى السلطة فى الترويج للفكرة! لكن مشروع سلام الشرق الأوسط الكبير فشل؛ لأن الصهاينة أنفسهم رفضوا السلام والتعايش مع الوجود الفلسطينى، فتم اغتيال رئيس وزراء إسرائيل؛ وصعد لسدة الحكم أحد وجوه التطرف فى النخبة السياسية الصهيونية.. وكانت أمريكا تسيطر على مقدرات العالم تماما وتفرض سيطرتها الناعمة عليه من خلال ما عرف بـ "العولمة"، بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وتفككه، وبعد اختيار أمريكا لـ"الإسلام" كعدو جديد، وخلطها للأوراق فأصبحت المقاومة فعلا إرهابيا! ونشرت أمريكا فى صفوف "المجاهدين" العائدين من أفغانستان (الذين مولتهم ودربتهم)؛ أفكار الطائفية والعرقية والمذهبية لتخلق العدو "السوبر"، وهو ما انتهى بضرب البرجين فى أمريكا.
لينتفض الشعب الفلسطينى فى مدة أربع سنين (2000-2004) شهدت فى ختامها سقوط بغداد واحتلال العراق وتفككه نسبيا، لكن هذه المرة كان الجديد هو انتقال حالة "المد الثورى" والشعبى للبلدان العربية المجاورة خاصة فى مصر، حيث نشأ جيل الطلبة الذى سيحمل الثورة المصرية على أكتافه بعد ما يقرب العقد الكامل من الزمان (يناير 2011).

الانتفاضة الثالثة2015:
تاتى الانتفاضة الحالية فى ظروف هى الأشد صعوبة ربما وأهمية أيضا، الأنظمة العربية ترتد على ثوراتها، توظف "فرق الدين السياسى" لتخلق عدوا فزاعة يجعل الجماهير البسيطة تلتف حولها، ومن جهة أخرى تحاول بناء طبقة عسكرية جديدة بمميزات اجتماعية متزايدة لشراء الولاء، وإعادة معادلة الثورة إلى بديهية الاستبداد وجنون السلطة والعظمة عبر التاريخ: "حرق روما – حرق القاهرة – أنا أو الفوضى – حرق المجمع العلمى". كما أن المشهد الدولى شهد عودة روسيا لمحاولة شغل الفراغ وضبط الميزان الدولى فى سوريا؛ لكن ذلك ليس فى صالح الثورة الشعبية ضد بشار أيضا، ولكنه يأتى لضرب أدوات أمريكا والأنظمة الفاسدة لخلق العدو الفزاعة: داعش وفرق الدين السياسى المسلحة!
تأتى الانتفاضة الثالثة فى وقت حملت فيه "حماس" كل أخطاء الغباء والانتهازية السياسية لـ"جماعة الإخوان"؛ وأصبحت المقاومة تملك صورة ذهنية سلبية عند البعض من العامة ترتبط بالإرهاب وفرق الدين السياسى! تاتى ومصر غارقة فى الاستقطاب واستعادة النظام القديم لكامل قواه، تاتى والثوار يترقبون المشهد وينتظرون فيه للحظة الحسم!

الانتفاضة والثورات العربية:
هناك معياران يجب الإشارة لهما هنا؛ ويصح أن يأخذا شكل الظاهرة العلمية المعيارية؛ الأول: أن الانتفاضة الفلسطينية الشعبية تاتى كفعل وظاهرة مرصودة، عندما يصل عجز ومراوغة وألاعيب الأنظمة العربية لمداه الأقصى، حيث تعيد الجماهير العربية التأكيد على مسلماتها وتنفض عنها تيه وعجز الأنظمة.
الظاهرة الثانية: هى أن جيل الثورات العربية فى 2011 هو جيل الحركة الطلابية العربية التى خرجت لدعم الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، وان تكتيكات الثورة وحروب الشوارع التى استخدمت فيها لمواجهة الذراع الأمنى للأنظمة العربية، هى مجرد إعادة إنتاج لمخزون وخبرات جيل الانتفاضة العربى (خاصة فى مصر)، من استخدام الحجارة والمواجهات المباشرة والقنابل الحارقة فى مواجهة العربات المدرعة، والمستشفيات الميدانية؛ كل تكتيكات مواجهات الثورة هى إعادة إنتاج وخبرات مكتسبة لجيل الحركة الطلابية اكتسبها عبر سنوات الانتفاضة الثانية وما شهدته من مواجهات بينه وبين الأمن.

الانتفاضة ومنظومة "التكيف" والمعيار "السائد" عربيا:
والنتيجة المباشرة؛ أن الانتفاضة الفلسطينية هى رافعة و"نقطة بناء" وقيمة مركزية فى الحالة العربية، وحالة تأثير وتأثر داخل المشهد العربى، الانتفاضة خلقت معيارا سائدا لدى "الثوار" والحالمين "بمنظومة القيم الإنسانية الأعلى"، وأهمية الانتفاضة الثالثة تكمن فى أنها؛ ستوحد الثوار العرب خلفها، وستعيد التأكيد على ما تراوغ فيه الأنظمة الضعيفة، كما أنها ستقدم النموذج مجددا و"المعيار السائد" الذى سيحاول الجميع التكيف معه والسير فى ركابه.. الانتفاضة الفلسطينية ستبث الروح مجددا فى الثورات العربية؛ وستختزن القوة الدافعة التى تقدمها إلى حين موعد موجة ثورية قادمة وكامنة.

الانتفاضة والأبوكاليبس (الدمار) الصهيونى:
قد لا يعرف البعض أن الانتفاضة الفلسطينية تعيد التأكيد على توجهات تيار صهيونى أخذ شكله الواضح بعد إعلان قيام الدولة عام 1948! حيث نجد أن اليسار الصهيونى الذى التف حول أطروحات الصهيونية الماركسية عند المفكر الصهيونى الروسى "بيير بيرخوف"، وبعد قرار التقسيم وإعلان قيام الدولة؛ قد تيقن بعض رجاله من فشل أطروحة بيرخوف عن دولة احتلال تقدمى علمانى تجمع اليهود الغزاة والعرب! لأن الدولة أقيمت على حساب سرقة الوجود العربى الفلسطينى؛ وتيقنوا من أن العرب سيكمنون فى التاريخ (عبر الزمن) وفى الجغرافيا (عبر الشتات)؛ حتى تأتى لحظة أسموها: "الأبوكاليبس" أو خراب الدولة وانتفاضة العربى ليسترد وجوده المستلب؛ وهذا التيار الصهيونى يعرف بتيار "الصهيونية العدمية" أو "الصهيونية الوجودية".
وكمعيار علمى أو ظاهرة مرصودة؛ يمكن القول أن اليسار الصهيونى بعد إعلان الدولة، ينقسم لشقين متراتبين: الأول قسم يحاول إصلاح الصهيونية من الداخل ويريد الانتقال بها لمرحلة ما بعد الصهيونية ويعيد إنتاج بعض أفكار بيرخوف القديمة؛ والثانى: هو القسم الذى تيقن من خلال الواقع وفرضياته أن وقائع الصهيونية تحتم فناءها متبنيا وجهة نظر عبثية وعدمية للوجود الصهيونى فى فلسطين، بل وانتقل العديد من دعاة التيار الأول لهذا التيار الثانى من خلال تكرار لحظات الصدام العربى، التى مثلت: الانتفاضة أبرزها.. (للمزيد حول تيار: الصهيونية العدمية انظر كتابى الذى سيصدر العام الحالى فى معرض القاهرة الدولى للكتاب).

خاتمة: تحيا الشعوب بأحلامها

تأخذ الشعوب المبادرة؛ عندما تعجز أنظمتها المستبدة أو عندما تتحكم تلك الأنظمة فى تشكيل المسارات الاجتماعية، لتسد الطريق فى وجه الحقيقى والجاد والقادر، وتفتح الطريق فى وجه الانتهازية والبينيين..

ما الثورة إلا محاولة تصحيح لمسار التاريخ العربى وأنظمته، ما هى إلا رسالة أولى سد المنتفعون آذانهم عنها، ولأنهم سدوا آذانهم عنها تتشكل الآن ملامح الرسالة مجددا، تتشكل الآن صورة موجة ثورية أكثر خبرة وتمرسا وراديكالية..

الانتفاضة الثالثة هى مؤشر شديد الأهمية على عجز الأنظمة العربية وتيهها فى البرية، الانتفاضة الفلسطينية تواجه الظرف نفسه، استقطاب داخلى بين نظام قديم (رجال فتح) واحد فرق الدين السياسى (حماس)، وهو المشهد ذاته التى تواجهه الثورات العربية ما بين أنظمة قديمة وتوظيف فرق دين سياسى تتسم بالغباء والانتهازية..

ستشق الجماهير العربية وطليعتها الثورية مسارا ثالثا يتجاوز هؤلاء وأولئك، سيحدث ذلك فى فلسطين وفى مصر، فلسطين هى مركز المقاومة والقضية المركزية، ومصر هى القلب ومصدر الإلهام للبلاد العربية..

يحاول المنتفعون إيقاف عجلة التغيير، أو صبغها بصبغتهم الخاصة، لكن العجلة ستدوس على من يقف فى طريقها، وستظل الثورة العربية ونخبتها المستقلة كامنة وفاعلة فى الزمن والتاريخ؛ حتى تحقق الانتصار وتغير من بنية الاستبداد العربى، وتقدم نموذجها الحضارى الجديد، الذى لا تمثله روسيا ولا تمثله أمريكا، ولا تمثله الأنظمة البائدة ولا فرق الدين السياسى، ولا فصائل المعارضة العربية التى تربت فى كنف الأنظمة.

الأمر فقط سيتطلب الحرية فى صنع البدائل السياسية وتقديمها للجمهور، ساعتها سيفرز المشهد نخبته ورجاله، الأمر ليس فى حاجة لتنظيرات كبرى، فقط الحرية فى بناء البدائل، والعدالة فى فرص تقديمها للناس.. ساعتها "التفاعل الذاتى" سيضبط المشهد ويخرج "المجتمع الفعال" أفضل ما فينا، دون تشوهات أو رهانات أو مسارات تاريخية قدر لها التشوه والعجز والموات.


عاشت الانتفاضة الفلسطينية ثالثة، ورابعة حتى النصر

عاشت الثورات العربية كامنة إلى حين، وقادمة بالمستقبل