4 - دموع التماسيح

سعود سالم
2015 / 10 / 8

السيدة نيلوفر ديمير Nelufer Demir، صحفية تركية (29 عاما) وتشتغل في وكالة دوغان للأنباء، كانت تتمشى على الشاطيء في صباح الإربعاء 2 سبتمبر 2015، لأنها كانت تتابع ملف الهجرة لوكالتها، عندما رأت جثة آلان من بعيد بقميصه الأحمر وسرواله الأزرق ووجهه في التراب. لم يكن بالإمكان فعل أي شيء للطفل الغريق، فقط إلتقاط صورته ومشاركة العالم في صرخته المكتومة والتي لم يسمعها أحد. وفي خلال ساعات معدودة أحتلت هذه الصورة لشاطيء بوردوم التركي الصفحات الأولى لصحف العالم قاطبة .. ما عدا الصحف الفرنسية التي رفضت في الأيام الأولى نشر الصورة، غير أنها رضخت في نهاية الأمر ونشرت بدورها صورة الطفل الغريق.
ونتيجة لهذه الزوبعة الإعلامية قررت ألمانيا لأسباب سياسية وإقتصادية شن حملة أوربية لمساعدة اللاجئين السوريين. ويقول بعض الغيورين بأن ألمانيا تريد أن تشتري محرقة اليهود بواسطة مساعدة بعض اللاجئين. وقد قرر عميد بلدية داشو Dachau المدينة التي كانت مركزا نازيا للإعتقال، وشهدت موت أكثر من أربعين ألفا من اليهود بين سنة 1939 وسنة 1945قرر عميد هذه البلدية السيد فلوريان هارتمان Florian Hartmann أن يحول هذا المكان المفجع إلى مقر للاجئين، لأن ذلك حسب قوله أفضل من رؤية هؤلاء الناس يهيمون في الشوارع بدون مأوى، لأنهم ليست لهم إمكانية تأجير شقق بأسعار السوق العادية. ويوجد حاليا 350 لاجئا يعيشون في هذا المكان، وإن كانت الغالبية العظمى منهم لايعرفون التاريخ الأسود لهذا المكان. ألمانيا تحتاج أيضا إلى العمالة الأجنبية الرخيصة والتي يسهل فرض ظروف عمل قاسية عليها، بالإضافة إنّ حكومات الدول الغربية الإخرى تهدف بدورها إلى توظيف المهاجرين السوريين وغيرهم وذلك لإسباب متعددة منها توفير عمالة رخيصة كما سبق القول، الاستفادة من الكوادر المؤهلة علمياً والجاهزة للإستغلال مجانا، معالجة أزمة الشيخوخة، التي تعاني منها المجتمعات الأوروبية عموما وألمانيا والدول الشمالية بالذات نتيجة ارتفاع متوسّط العمر وانخفاض نسبة الولادات ولذلك فإن " إستقبال اللاجئين يمكن إعتباره عملية إستثمار للمستقبل" كما صرح أحد المسؤولين الأوربيين دون خجل.. وبطبيعة الحال هناك نتائج سلبية بالمقابل على المجتمعات المصدرة للاجئين والعمال، إنَّ هجرة الكوادر العلمية المؤهلة، ستُفضي إلى تفريغ المجتمع من طاقاته الشبابية المتعلمة، وسيكون لذلك انعكاسات خطيرة على مستقبل التنمية البشرية والاقتصادية ويزيد تفاقم التيارات الظلامية والرجعية ونموها .. أما في فرنسا فإن المساومات والمزايدات لا تنتهي، بعض البلديات رفضت رفضا قاطعا إستقبال اللاجئين، والبعض الآخر قبل الإستقبال على شرط أن يكون اللاجئون مسيحيون. ونعرف بقية القصة فيما يخص دول أوربا الشرقية. وكل هذا الضجيج منذ بداية سبتمبر حتى الآن من أجل إستقبال 150 ألف لاجيء، يوزعون على 26 دولة أوربية وذلك خلال عامين. وقررت الدول الأوربية أخيرا قفل حدودها ومراقبتها بطريقة أكثر حزما وتعزيز حدودها البحرية في إيطاليا واليونان وذلك بزيادة عدد القوارب التي تراقب هذه الحدود لمنع أي لاجيء من الإقتراب من أوربا. وقررت أيضا فتح مراكز للاجئين في تركيا والأردن ولبنان وليبيا وذلك للتمكن من فرز اللاجئين السياسيين من المهاجرين الفقراء الباحثين عن العمل وذلك قبل وصولهم إلى أوربا. وهكذا خلال عدة أسابيع تراجعت السيدة "مركل" عن حماسها الأول وأعلنت أنها لا تستطيع استقبال كل لاجييء سوريا وعادت إلى غلق حدودها مع الدول المجاورة. صورة الطفل آلان إذا لم تستطع أن تقوم بالمعجزة المنتظرة، واليقظة لم تكن سوى مؤقتة حيث عادت أوربا إلى الإنغلاق على نفسها وإغماض عيونها من جديد. وهذه ليست هي المرة الأولى في التاريخ المعاصر التي تلعب فيه الصورة هذا "الدور المزعوم" الذي يحاول الإعلام العالمي والصحافة إقناعنا بأنها تلعبه في التأثير على السياسة الدولية وتغيير الرأي العام وتوجيهه.