ضِدَّ التيّار (8)

يحيى علوان
2015 / 10 / 6




" إنْ ذَبُلَتْ زهـرةٌ في شجرةٍ ، أو ماتَتْ ،
فلا يعني أَبَـداً أَنَّ الشجرةَ قد ماتَتْ ..!"(ي.ع)

إحتفَلَ الغرب الرأسمالي ، وما زالَ بـ "نهاية الشيوعية والماركسية ".. بل حتى بـ"نهايةِ التأريخ" ..!
فهل إنتهتْ ، حقَّاً ، أحلامُ البشرية ولم يبقَ منها غَيرَ اللهاث وراء "المال" ؟!
في إعتقادي، أنها لم تنته ، إلاّ إذا فَنَتْ البشرية!، فـ "إنْ ذَبُلَتْ زهرةٌ في شجرةٍ ، أو ماتَتْ فلا يعني ،
أبداً، أَنَّ الشجرةَ قد ماتتْ !"
وأذا باعَ البعضُ "مُثُلَه" ، فأنَّ أحلامَ البشرية غيرُ قابلة للبيع أو المُقايضة ! إنْ لم تستسلم لعمليةِ
"التبليـد "!
" في مَدحِ الشيوعية " كتابٌ أعدَّه ثلاثةٌ ، مِمَّن يُقالُ عنهم بـ"لغةِ اليوم " السائدة! أنْ[ لا سبيلَ إلى
إصلاحهم وإشفائهم من مَرَضِ الشيوعية ]! صدَر الكتاب عن دار "أوسيَتسكي" للنشر ــ هانوفرــ .
يضمُّ الكتابُ بينَ دفَّتيه مجموعة من منتخبات لكتاباتٍ .. تبدأُ بأفلاطونَ .. وحتى ما بعد فشَلِ وإنهيار
" التجربةِ الإشتراكية" ... تتناولُ حلُمَ البشريةِ بنظامٍ عادلٍ ، قائم على المساواة في توزيع الثروة ،
والحرية ، خالٍ من الإستغلال ... هذا الحُُلُمُ ، الذي لم يكنْ "بُدعةً" جاءَ بها كارل ماركس ، كما يتوهم
كثيرونَ ! بل كانَ موجوداً قبلَ ماركس بدهور.. كلّ ما فعله الرجل ، هو أنه قدَّمَ الأساسَ العلميَّ لتحقيقِ
هذا الحلم ، أي نقله من موضوعٍ خياليٍّ (طوباوي) إلى عملٍ ممنهجٍ ، ضمن ظروف التشكيلةِ الإقتصادية
ــ الإجتماعية للرأسمالية . كان ماركس آنذاك يستندُ إلى آخر ما توصَّلَ إليه العلم من حقائق في
النصف الثاني من القرن التاسع عشَر... بعدها حصلتْ تطورات هامة وعاصفة في شتى المجالات
وحقول المعرفة الإنسانية ، مما يستلزم تشخيص ما هَرِمَ في النظرية ، بهدفِ إنتاجِ معرفةٍ علمية جديدة ،
صوب الهدف / الحلم .. ولا يمكن تحقيق ذلك اليوم إلاّ بعملٍ إختصاصي ( Interdisciplinary )
تُشارك فيه فِرَقُ بحثٍ مختلفة .. إلخ وليس عملاً فردياً !


Albert Einstein (1949)ألبرت أينشتاين

مزيدٌ من الأزمات الإقتصادية الخانقة

الإنتاج يهدفُ إلى الربح دوماً . والعامل في خوفٍ دائمٍ أن يفقدَ عمله . التقدم التقني يؤدي إلى البطالة
، بدلَ أنْ يُخفِّفَ البشريةَ من أعباء العمل . والنزوع نحو الربح ، بالإرتباط مع الصراع التنافسي بين
الرأسماليين هو المسؤول عن عدم إستقرار تراكم الرأسمال وتوظيفاته ، مما يؤدي إلى تزايدٍ الأزمات
الإقتصادية المستفحلة .

ويجنحُ الرأسمال الخاص دوماً إلى التركُّزِ في أيدي قِلَّةٍ ، نتيجة للتنافس بين الرأسماليين من جهة ،
ولأنَّ التطور التكنولوجي يؤدي إلى تقسيمٍ جديدٍ للعمل وظهور وحدات (مجمعات) كبيرة على حساب
المنتجين الصغار، من جهة أخرى . ويؤدي هذا التطور إلى بروز أوليغارشية من الرأسمال الخاص ،
تتمتّعُ بقوة هائلةٍ لايقدرُ على كبحها ، حتى المجتمع السياسي المُنظم بصورة ديمقراطية . ذلك أَنَّ
أعضاء الهيئات التشريعية يجري إختيارهم من قبل الأحزاب السياسية المموَّلة ، إلى حدٍّ بعيد ،
من جانب الرأسمال الخاص ، أو يجري التأثير عليها بطرقٍ أخرى لأختيار مَنْ يكون عملياَ في هذه
الهيئات . وبالتالي فأن "ممثلي الشعب" لا يمثلون كفايةً مصالح عامة الناس . فضلاً عن ذلك يبسط
الرأسمال الخاص ، في ظل الظروف الراهنة ، سيطرته المباشرة وغير المباشرة على المصادرالرئيسة
للمعلومات (الصحافة والراديو ونظام التعليم) . لذلك يغدو من الصعب جداً،وفي بعض الحالات مستحيلاً
بالنسبة للمواطن الفرد ، أن يتخذ موقفاً موضوعياً يُمكِّنه من الإفادة من حقوقه السياسية .

الإستغلال والإستعباد هما أقبح الظواهر في مجال العلاقات بين الناس ، بصورة عامة . وأنا أعتبر
أنَّ تشويه الفرد هو أقبح آثام الرأسمالية .

إنني على قناعة من أنْ لا سبيل لأنهاء هذه الأوضاع المزرية ، إلاَّ عبر إقامة إقتصادٍ إشتراكي ، تكونُ
فيه ملكية وسائل الإنتاج مِلكية جماعية ، ويجري تطبيقه وفق خطّةٍ مُحدَّدةٍ .

وتكتسب أهمية كبرى ، في المرحلة الإنتقالية الراهنة ، قضية التوصل إلى وضوح عن أهداف ومشكلات
البناء الإشتراكي . لكن للأسف لا يمكن القيام بنقاشٍ حرٍ حول هذه القضايا في ظل الوضع الحالي ،
الذي يمر به المجتمع ، وذلك لوجود "تابو" على هذا الموضوع .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


*ألبرت أينشتاين (1879 - 1955) ، الذي أعلنته مجلة "تايم" الأمريكية عام 1999 رجل القرن
العشرين ، كان يعتبر نفسه سلبياً(مناهضاً للحرب والخدمة العسكرية) وإشتراكياً حازماً ، كما يتبين
من الإقتباس أعلاه عام 1949 . لقد كان التصريح بمثل هذه الآراء، في ظل الحرب الباردة ، يستلزم
شجاعة خاصة ، ومع ذلك فقد صاغَ تصوراته عن المجتمع بمقالة تحت عنوان " لماذا الإشتراكية؟ "
نشرها في مجلة ".Monthly Review "
لقد وُلد أينشتاين في أوُلمْ بجنوب ألمانيا ، وتخلّى عن جنسيته الألمانية ، وظلَّ يعمل عالماً حتى عام
1933. وحصل عام 1922 على جائزة نوبل للفيزياء بأكتشافه للنظرية النسبية . أسَّسَ ، في برلين ،
سوية مع كورت توخولسكي وكارل فون أوسيتسكي وآخرين ، أسّسوا" العصبة الأممية لحقوق
الإنسان "، وساهم بنشاطٍ في فعالياتِ "المساعدة الحمراء لضحايا الإرهاب اليميني" وكانت تلك
المنظمة قريبة من الحزب اللشيوعي الألماني . وقد وقَّعَ سويةً مع هاينريش مان ، وكيتا كولفيتس و
أرنولد تسفايغ وغيرهم على نداءٍ عاجل " من أجل بناء تحالفٍ يساري يضم الحزب الشيوعي الألماني
والحزب الإشتراكي الإجتماعي والنقابات . عام 1933 ، وأثناء سفره خارج البلاد ، قرَّرَ عدم العودة
إلى ألمانيا.. مما حدا بغوبلز- وزير الدعاية النازي – إلى إعتبار كتابات أينشتاين غير ألمانيا وأمرَ
بحرقها . من برينستون ، حيث كان يقيم في أمريكا، ساهم في حملات التضامن مع أوسيتسكي وغيره
من ضحايا النازية .. كما إحتجَّ ، ضمن ظروف الحرب الباردة ، ضد ملاحقة الشيوعيين في الولايات
المتحدة . وكان أينشتاين في أمريكا تحت رقابة أجهزة الإستخبارات ، سوية مع الموسيقار هانس آيسلر
، شارلي شابلن، مارلين مونرو والكثير غيرهم .