2 - الرحلة الزرقاء

سعود سالم
2015 / 10 / 3

بودروم هي مدينة ساحلية في مقاطعة موغلا في منطقة بحر ايجه في جنوب غرب تركيا. وتقع على الساحل الجنوبي لشبه جزيرة تحمل نفس الإسم، عند نقطة دخول خليج جوكوفا. بودروم مدينة تاريخية قديمة أسسها الإغريق بإسم مدينة هاليكارناسوس. وقد شهدت ميلاد المؤرخ هيرودوت سنة 484 قبل الميلاد، كما حاصرها الإسكندر المقدوني سنة سنة 334 ق.م ثم أحرقت المدينة بكاملها. ومع مرور الزمن ولدت تدريجيا من رمادها. وقد تمكن فرسان الإسبتارية Hospitaliers de Saint-Jean de Jérusalem وهم مجموعة منظمة من الصليبيين الذين يتبعون فرسان القديس يوحنا وفرسان مالطا من الإستيلاء على المدينة سنة 1402 والبداية في إنشاء قلعة ضخمة من أنقاض "معبد موصول" الذي كان يعتبر من عجائب الدنيا السبع في العهد القديم والذي تم إنشاءه في حدود سنة 353 قبل الميلاد. وطوال قرن من الزمان واصل المسيحيون تعزيز القلعة ووسائل الدفاع عنها وسميت قلعة "القديس بطرس". وقد حاول العثمانيون الإستيلاء عليها وذلك بحصارها في سنة 1453 ثم في سنة 1480 دون نجاح. وتمكن أخيرا السلطان سليمان العظيم من أستيعادتها سنة 1522 بعد حصار دام ستة أشهر. ويرجع إسم المدينة الحالي الى أن الأتراك حرفوا إسم القلعة الكبيرة "بطرس" إلى بودروم.
تتميز بودروم بشواطئها الرملية والشوارع التي تصطف على جانبيها المحلات المضيئة والمطاعم الفاخرة، وهي اليوم في تطور مستمر وتزداد كبرا وامتدادا يوما بعد يوم بفضل السياحة ولكونها من المدن السياحية المفضلة في تركيا. يبلغ عدد سكانها حواي 85 ألف نسمة في الأوقات العادية من السنة وفي فترة الإجازات الصيفية يزداد عدد السكان لدرجة أن يصل إلى نصف مليون بسبب السواح الذين يرتادون هذه الجزيرة من برجوازيي اسطنبول وأغنياء الخليج وأوروبا. والجذير بالذكر أن مدينة بودروم تدين بشهرتها وتطورها الحالي إلى صحفي وكاتب تركي أحب هذه المنطقة، حين نفي إليها في سنة 1925 لكتابته مقالا اعتبرته السلطة مناهضا لـلخدمة العسكرية ولـ"حكم الإعدام"، وحيث بودروم لم تكن سوى قرية صيد صغيرة ومعزولة في ذلك الوقت.
شيفات ساكير، أو جواد شاكر كما يترجم إسمه للعربية كان إبن أحد الدبلوماسيين الأتراك، من عائلة غنية فيها العديد من الفنانين والأدباء والمثقفين. تعلم في أثينا وأوكسفورد وتخصص في التاريخ القديم. وكان يكتب وينشر في العديد من الصحف والمجلات التركية، وكتب قصة في 13 إبريل عام 1925م، تحت إسم مستعار "حسين كنان" يحكي فيها مغامرات وأحداث مر بها أربعة شبان هاربين من التجنيد العسكري. واتهمته الحكومة بتحريض الجنود على الإنقلاب العسكري، في فترة كانت تركيا تمر فيها باضطرابات سياسية واجتماعية عنيفة وثورة قامت في جنوب شرق تركيا ضد سياسة التتريك والتعسف التي انتهجتها حكومات مصطفى كمال أتاتورك المتعاقبة بحق الأقليات والتي سميت بثورة الشيخ سعيد بيران، والتى انتهت إلى تمرد كبير من قبل الأكراد والعرب والشركس والأرمن في البلاد. رئيس المحكمة في البداية أراد أن يحكم على جواد شاكر بالإعدام شنقا، إلا أنه غير رأيه في آخر لحظة وحكم عليه بالنفي من اسطنبول إلى قرية بعيدة تسمى "بودروم"، وكانت في ذلك الوقت مجرد قرية فقيرة قليلة السكان يشتغلون أساسا في الصيد البحري بقوارب بدائية. قضى جواد شاكر ثلاثة أعوام في هذه القرية، وهي نصف المدة القانونية لنفيه في "بودروم". وعاد ليقضى النصف الأخر من مدة عقوبته في اسطنبول، ثم قرر الرجوع إلى قريته الجميلة والتي كان يحن إليها والتي عاشر فيها أناس أحبوه وعقد معهم علاقات وطيدة بالإضافة إلى سحر الطبيعة الخلابة وهدوءها، فعاد إلى بودروم ثانية، وبقى فيها قرابة الخمسة وعشرين عاما. اشتغل جواد شاكر بأعمال الصيد في بودروم، وقد اتخذ من "هاليكارناس" لقبا له وهوالإسم القديم لبودروم، وكان يوقع كتبه ومقالاته باسم "صياد هاليكارناس". اشتهر جواد شاكر بعد عام 1926م بتأليفه لحكايات وقصص تجري أحداثها في البحر. واستنبط موضوعاته من الأحداث المرتبطة بالصيد والبحر والجزر والشواطيئ، والتي تتطور على سواحل وعروض منطقة بحر أيجة ومنطقة البحر الأبيض المتوسط. تناول الرواية والحكاية والقصة القصيرة بعقلية الإنسان البسيط الذي يحب الحياة ويتعلق بحريته ووحدته في مواجهة الطبيعة، وبشاعرية تنم عن إعجاب وحب عميق بالبحر، والميثولوجيا اليونانية الغنية بالصور والمغامرات التراجيدية، بالسفن، وصيادي الإسفنج، والغواصين، والصيادين الذين يقتاتون من البحر ومن ثروته. وقد كتب ونشر جزء كبير من مؤلفاته التي بدأت في الإنتشار في ساحة الأدب التركي أثناء هذه الفترة. كان يخرج كثيرا مع الصيادين في البحر لأيام عديدة، وأصبح هو نفسه صيادا ليكسب قوت أولاده وعائلته. وهكذا أصبح يعرف كل أنحاء الخليج وصخوره الكبيرة والصغيرة. وعندما كان يزوره بعض أصدقائه من المثقفين والكتاب من أسطنبول، كان ينظم لهم هذه الرحلات البحرية في قوارب صيد لعدة أيام وأحيانا لعدة أسابيع، ولكنه كان يشترط ألا يأخذوا معهم إلا أقل ما يمكن من الأشياء، قليل من البشماط الجاف والماء والجبن والزيتون ومشروب العرق والتبغ وأدوات الصيد لصيد السمك. وكان يمنع عنهم الإستماع إلى الأخبار في الراديو أو أخذ الصحف أو الكتب، نوعا من الإبتعاد عن المدينة وعيش تجربة فريدة، سميت بـ "الرحلة الزرقاء" بالتركية "Mavi Yolculuk" وما زالت هذه الرحلات الزرقاء مستمرة اليوم بواسطة الوكالات السياحية المتعددة، وهي أحد أسباب شهرة بودروم السياحية. وانتقل بأسرته فيما لإزمير من أجل أطفاله، حيث لم تكن في بودروم مدارس متوسطة في ذلك الحين. وواصل حياته كمرشد سياحي وكاتب حتى وفاته بإزمير في 13 أكتوبر عام 1973. ودفن ببودروم بناء على وصيته، وقبره قائم اليوم في "متحف هاليكارناس".