1 - صورة الطفل الغريق

سعود سالم
2015 / 10 / 2

صدق العديد من المواطنين البسطاء قصة إستيقاظ الضمير الغربي فجأة من غفوته الطويلة تجاه ما يسمى "المأساة الإنسانية" في سوريا. وصدق هؤلاء أن سبب هذه اليقظة المفاجئة من السبات العميق يرجع إلى "ضجيج" في الشارع بسبب صورة نشرت في صباح أحد الأيام في جريدة تركية في أول الأمر ثم تناقلتها كل جرائد ووسائل إعلام الكرة الأرضية. صورة طفل بملابسه الحمراء مسجى على التراب المبلل تلحس شعره وعيونه المغمضة موجات البحر الخفيفة على شاطيء إحدى المحطات السياحية التركية. وصورة والد الطفل الذي يحكي قصة رحلته الطويلة ثم إنزلاق ولديه وزوجته من بين يديه وسقوطهم من القارب في أعماق البحر المتوسط. وتصديق أن الغرب قد استيقظ فجأة مفجوعا لإكتشاف قضية موت اللاجئين غرقا وجوعا، ربما ترجع إلى أن أغلب هؤلاء المواطنون والمعلقون من صحفيين ومثقفين وخبراء في أمور السياسة، يصدقون الأسطورة القديمة والتي مفادها أن "الغرب" ومكوناته المتعددة من دول وحكومات ومؤسسات ورجال سياسة ومثقفين وصحفيين، يشكلون كوكبا أو قارة أو قلعة من النور والصفاء والحب والرحمة تسمى "الديموقراطية" و"الحرية" و"العدالة". وأنهم تركوا الشعب السوري وغيره من الشعوب للموت بالجوع وبالقنابل لمجرد غياب الوقت والإمكانيات والمعلومات، أولأنهم كانوا في إجازة مؤقتة أو في فترة القيلولة. أما الآن وقد اكتشفوا صورة الطفل "آلان"، وعذاب اجتياز البحر ليلا في قوارب مهترئة ومحملة بأضعاف ما تحتمله من الركاب، فإنهم سيقومون بما يجب القيام به وما تفرضه عليهم قيمهم ومبادئهم الإنسانية من الكرم والسخاء والمساندة. ويبدو أنه هناك أيضا سبب آخر، وأسطورة أخرى، مفادها أن "الصورة" - بجميع مكوناتها - ولكن الصورة الفوتوغرافية بالذات لها تأثير سحري على الواقع، وأنها يمكن أن تحرك رجال السياسة والأعمال وأهل الحل والعقد ليجدوا حلا لمساعدة اللاجئين - مثل كلمة "افتح يا سمسم" التي تفتح المغارة المليئة بالذهب والفضة. لاشك أن القصة تبعث على الضحك، أوعلى البكاء على حد سواء، ذلك أن هؤلاء البسطاء ذوي الشهادات العالية، وأحيانا ذوي الشهادات العالية جدا، يبدو أنهم ما زالوا يعيشون في منتصف القرن الماضي، وما زالوا يعانون من عقدة الغرب المستعمر أوعقدة "الخواجة" و "البيه" و "الوجيه" الذي يمتلك العلم والمال والسلطة، وأن كل ما يتفوه به لا بد أن يكون له علاقة ما بـ"الحقيقة"، وأنه لايمكن إجابته إلا بـ"حاضر يا بيه، أيوه يا بيه"، فالليبيون كانوا يصرخون "شكرا ساركوزي"، وها هم السوريون يشكرون هولاند والسيدة مركل. فكيف يمكن للمواطن البسيط أو المثقف أو رجل السياسة أن يصدق هذه الخدعة وبهذه البساطة ؟ فكيف يمكن لصورة طفل غريق أن تغير فجأة سياسة ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوربية، ومثل هذه الصور الدرامية يعد بالعشرات وربما بالمئات يوميا؟ ويوميا منذ أكثر من خمس سنوات يموت غرقا في البحر المتوسط عشرات ومئات وآلاف اللاجئين هربا من الفقر والتعاسة والدعاشة؟
فما الذي حدث إذا، وهل حقا للصورة الفوتوغرافية هذه القوة السحرية الغامضة وأنها ذات استقلالية بنيوية، وتتشكل من عناصر منتقاة بدقة علمية وتقنية عالية وتخضع في نفس الوقت للمعايير الجمالية والثقافية والإيديولوجية والأخلاقية التي تجعلها قادرة على التأثير المادي المباشر في الأحداث؟ وهل حقا أن الانتقال من المشهد الواقعي إلى صورته الفوتوغرافية لا يستلزم حتما أن نقلص هذا الواقع أو نحلله إلى عناصره الأولية، ولا أن نعيد تشكيل هذه العناصر لتكوين علامات مغايرة لسرد جديد يختلف حتما عن الأصل ؟ وهل حقا أن الصورة الفوتوغرافية تصيب هدفها مباشرة بدون لف أو دوران وأنها تحتوي على شحنة من "المتفجرات" العاطفية ذات قوة تدميرية تفوق قوة الكلمات؟ وهل حقا أن الصورة الفوتوغرافية أكثر دقة من الكلمات في وصف الأحداث والإحاطة بتفاصيلها وتسجيلها ؟ أم أن الأمر كله مجرد خدعة كبرى أخرى يقوم بها مشعوذي الصحافة والإعلام، وأن الصورة ليست سوى جثة الأشياء، وظلها في أحسن الأحوال، وأن صورة الكلب لا تنبح كما أن صورة الخروف المشوي لا تشبع الجائع ؟