نقد وثيقة : تناقضات العدو والأفق الثوري بالمغرب - الجزء 2

امال الحسين
2015 / 9 / 30

تناقضات العدو والأفق الثوري بالمغرب
عبد اللطيف زروال – أبراهام السرفاتي
10شتنبر1972 ترجمة : سامية المجداوي

نتناول في هذا الجزء تحليل مقولات جاءت في الوثيقة في محاولة قام بها الكاتبان لتفسير التناقضات الطبقية بالمغرب، وكما جاء في الوثيقة ندرج الفقرة التالية :

"إن بنية المجتمع المغاربي – والتي وضعت في تعارض مع طبقة المخزن سلطة المقاومة للقبائل باعتبارها جماعات فلاحية مسلحة – دفعت طبقة المخزن إلى الاعتماد على الراسمالية الأوربية الصاعدة وذلك بالتنازل لها عن احتكار التجارة الخارجية. طبقة المخزن هاته , ومنذ الفترة الأولى لتهيكلها تميزت بجوهر كومبرادوري (أول سلطان علوي الرشيد استفاد من أجل تأمين حكمه من دعم فرنسا في مقابل حصولها على الاحتكار التجاري على مصب وادي باديس بالبحر الأبيض المتوسط الذي يربط فاس بهذا الأخير. وقد وقفت القبائل الريفية حاجزا ضد هذا الاحتكار. هكذا ومنذ هذه الفترة اخذ الصراع الطبقي بين القبائل وطبقة المخزن طابعا وطنيا , فالقبائل تهيكلت في الجماعة الوطنية العربية بفضل الاندماج الاجتماعي والثقافي العربي – الأمازيغي."

نتناول بالدرس والتحليل ما جاء في مقدمة هذه الفقرة "بنية المجتمع المغاربي"، أي البنية الإجتماعية للبلدان الثلاثة التي تشكلت بعد تفكيك الدولة الموحدية وقيام الدولة المرينية بالمغرب/مراكش، هنا يضع الكاتبان في نفس المستوى أسس البنية الإجتماعية بالمغرب والجزائر وتونس، ذلك ما لا يمكن الإخلاف حوله كثيرا حيث إن المنطقة المغاربية ظلت تعيش لقرون نفس الأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية في ظل الدولتين العظيمتين اللتين بناهما الأمازيغ (المرابطون والموحدون)، لكن بنية هذه البلدان الثلاثة التي تشكلت بعد تفكيك الدولة الموحدية قد تختلف كثيرا عما كانت عليه من قبل (توحيد هذه البلدان في ظل المرابطين والموحدين في علاقتها بالأندلس) في ظل اختلاف الأوضاع السياسية باختلاف الدول التي حكمت البلدان المغاربية
والصراعات السياسية بين هذه البلدان خاصة بعد سقوط الدولة المرينية وتأسيس الدولة السعدية وسيطرة الإمبراطورية العثمانية على تونس والجزائر.

إن سقوط دولة الإمارات بالأندلس قد لعب دورا هاما في تغيير البنية الإجتماعية بالمغرب حيث طرأ فيها تحول أساسي بعد دخول العنصر العربي ـ الأندلسي خلال القرنين 14 و 15 الذي ساهم في تكثيف دور البورجوازية التجارية/الكومبرادور، هذا العنصر الذي حمل معه الثقافة والتقنية المتطورة في الأندلس خاصة في مجال التسيير الإداري والدواوينية والتجارة والتنظيم (تأسيس النقابات والجمعيات الحرفية بالمدن) مما ساهم في تطوير الدولة الكومبرادورية بالمغرب أكثر مما هو عليه بتونس والجزائر اللتين سرعان ما احتلتها الإمبراطورية العثمانية، التي طبعتهما بطابع الحكم العثماني المتزمت والذي وجد أمامه دولة قوية بالمغرب بلغت شأنا كبيرا في الصناعة والزراعة والتبادل التجاري، وهي الدولة السعدية التي تملك قوة عسكرية بلاد المغرب واجهت الإستعمار الإسباني وانتصرت في حرب وادي المخازن لتتحول إلى دولة إمبراطورية من المتوسط إلى نهر السنغال.

هكذا إذا يجب أن نأخذ بعين الإعتبار في أي تحليل للبنية الإجتماعية بالبلدان المغاربية الإختلاف بين بلاد المغرب وباقي البلدان المغاربية (موريتانيا جزء من المغرب تحت سلطة السعديين بل حتى ما يسمى نهر السنيغال المحتل من طرف الدولة الكومبرادورية القوية بمراكش) تونس والجزائر المحتلتان من طرف الإمبراطورية العثمانية، إن تأسيس دولة كومبرادورية قوية بالمغرب أحدث تحولا كبيرا في البنية الإجتماعية بفعل التأثير السياسي والإقتصادي على الحركة الإجتماعية، وليس كما جاء في هذه الفقرة أن "– والتي وضعت في تعارض مع طبقة المخزن سلطة المقاومة للقبائل باعتبارها جماعات فلاحية مسلحة –"، حسب الوثيقة فإن السلطة بالدولة الكومبرادورية بالمغرب في يد ما سمي "طبقة المخزن" في تعارض مع ما يسمى "سلطة المقاومة للقبائل باعتبارها جماعات فلاحية مسلحة" وكأن المجتمع المغربي في ظل هذه الدولة عبارة عن "جماعات فلاحية مسلحة" تواجه "طبقة المخزن" المسيطرة على السلطة.

إن ما ذهبت إليه الوثيقة يعتبر نتيجة لتحليل تجزيئي بعيد كل البعد عن التحليل المادي التاريخي وفق الدياليكتيك الماركسي، وهو ما يمكن تفسيره بتأثير التحليل التجزيئي لدى بول باسكون على الماركسيين اللينينيين المغاربة في السبعينات، والذي يعطي أهمية مبالغة لتأثيرات البنيات ماـ قبل طبقية (القبيلة والعشيرة والعائلة) أي التي ترجع إلى عهد الإقطاع لتفسير التناقضات الإجتماعية بالمجتمع المغربي، ذلك ما يجعل هذا النوع من التحليل ناقضا لكونه يغفل الأبعاد الطبقية (تشكل الطبقة الكومبرادورية كامتداد للأرستقراطية المدنية ودورها في السيطرة السياسية والإقتصادية بالمدن في مقابل الأرستقراطية القبلية بالبوادي) للتحولات التي طرأت على مغرب ما بعد تفكيك الدولة الموحدية، والتي أفرزت داخل البنية الإجتماعية بالمغرب تشكل صراعات طبقية جديدة ساهم فيها سقوط دولة الإمارات بالأندلس حيث تحول مركز السلطة من الأندلس إلى مراكش، مما أعطى أهمية كبرى لبلاد المغرب الذي تأسست فيه دولتين عظيمتين أسسهما الأمازيغ (المرينية والسعدية)، ولا غرابة أن تعطي الدولة المرينية أهمية كبرى للثقافة ببنائها المدارس خاصة المدرسة البوعنانية بفاس مما يوحي ببعث ثقافي يتشكل بالمغرب بديلا عن الثقافة الأندلسية التي سقطت بسقوط غرناطة.

وجاء في الفقرة كذلك "دفعت طبقة المخزن إلى الاعتماد على الراسمالية الأوربية الصاعدة وذلك بالتنازل لها عن احتكار التجارة الخارجية" أي أن "بنية المجتمع المغربي" ومن خلال التناقضات بين ما سمي "طبقة المخزن" و"الجماعات الفلاحية المسلحة" قد دفعت "طبقة المخزن" إلى البحث عن الخلاص من هذه التناقضات بالهروب إلى الخارج للبحث عن الحل لدى "الرأسمالية" عبر "التنازل لها عن احتكار التجارة الخارجية"، والقاريء قد يفهم من هذا التعبير أن ما يسمى "طبقة المخزن" متحكم في احتكار التجارة الخارجية وأن الرأسمالية تلقت هدية من هذه "الطبقة"، إن القول بهذا الكلام إنما يدل عن ابتعاد التحليل المعتمد في هذه الوثيقة عن المادية التاريخية في تناول التناقضات في البنية الإجتماعية بالمغرب والتي تطرحها الوثيقة للدرس والتحليل.

فالمادية التاريخية تقول أن الوضع الإقتصادي يكون خاضعا للوضع السياسي في علاقة دياليكتيكية فكلما تقوت الطبقات المسيطرة على الإقتصاد تقوت دولتها التي تؤسسها من أجل حماية مصالحها، وهذه الطبقة الوهمية التي سمتها الوثيقة "طبقة المخزن" إنما هي حسب هذا التعبير الوارد في الفقرة قيد الدرس والتحليل ضعيفة ولا يمكنها قمع مقاومة ما تسميه "الجماعات الفلاحية المسلحة"، فمتى تشكلت دولة ما قبل الإستعمار القديم خارج العلاقة بين الأرستقراطيتين المدنية والقبلية ؟ إن تاريخ الدول بالمغرب يؤكد على أن الأرستقراطية القبلية هي التي تملك القرار في تأسيس وإسقاط الدول بالمغرب، ويكون بذلك تحول السلطة السياسية خاضعا لإرادة للقبيلة القوية اقتصاديا وعسكريا والتي تقوم بإخضاع باقي القبائل التي تشارك في تأسيس الدولة الجديدة، وهكذا فبعد سقوط الدولة السعدية قامت قبيلة العلويين بتافلالت بتأسيس الدولة العلوية التي عاشت حروبا طويلة على طول بلاد المغرب للقضاء على ثورات القبائل الأمازيغية التي تعلن هنا وهناك قيام دول مستقلة (إستقلال ذاتي)، وقد عاش إسماعيل العلوي طيلة حكمة (55 سنة) على إيقاع الحروب ضد ثورات القبائل الأمازيغية المنتفضة ضد الدولة الجديدة.

أما القول الذي جاء في هذه الفقرة بأن "هكذا ومنذ هذه الفترة اخذ الصراع الطبقي بين القبائل وطبقة المخزن طابعا وطنيا , فالقبائل تهيكلت في الجماعة الوطنية العربية بفضل الاندماج الاجتماعي والثقافي العربي – الأمازيغي."، والمقصود بالفترة هو "أول سلطان علوي الرشيد استفاد من أجل تأمين حكمه من دعم فرنسا في مقابل حصولها على الاحتكار التجاري على مصب وادي باديس بالبحر الأبيض المتوسط الذي يربط فاس بهذا الأخير. وقد وقفت القبائل الريفية حاجزا ضد هذا الاحتكار" كما جاء في الوثيقة، إنما هو القفز على تاريخ ثورات الأمازيغ ضد تأسيس الدولة العلوية وأما كيف تأسست هذه الدولة على أنقاض القوافل التجارية من طرف مؤسسها "الشريف" فإن التاريخ يفند القول بدعم الرأسمالية الفرنسية لتأسيس الدولة العلوية كما جاء في الوثيقة.

فبعد قيام "على الشريف" بكسب عطف القبائل أسس عصابته التي تحمي القوافل التجارية من اللصوص في الطريق التجارية من سجلماسة إلى فاس عبر تافلالت، وفي شروط متقدمة لهذا العمل أقدم على السيطرة على هذه القوافل وتملكها من أجل تأسس دعم اقتصادي لحكمه الذي بناه على أنقاض القبائل الأخرى، التي يتم تهجيرها واستيطانها بأراضي القبائل المجاورة لخلق النزاعات بينها والتدخل من أجل الحكم بينها وبالتالي السيطرة عليها وإخضاعها لتأسيس حكمه، لقد تقوت قبيلة العلويين بتافلات (لأول مرة في تاريخ المغرب تقوم قبيلة ذات جذور عربية من الشرق لإقامة دولة قوية مستمر حتى الآن) في موازاة مع تفكك الدولة السعدية (التي تأسست في الجنوب كما هو الشأن بالنسبة لباقي الدول الأمازيغية الأخرى) وأعلنت تأسيس دولة العلوية، انطلاقا من تطور الأرستقراطية القبلية التي تزعمها "على الشريف" وهي ذات أبعاد سياسية واقتصادية تعتمد الإنتماء إلى الشرق (من سلالة النبي محمد) باستعمال الدين (الدين تم تسخيره من طرف كل الدول الأمازيغية السابقة) أداة أيديولوجية، إلا أن التركيز على بعد الإنتماء إلى الشرق (من سلالة النبي محمد) أعطى للدين واللغة العربية بعدا عرقيا أكثر مما هو عليه الدين في الدول التي بناها الأمازيغ (المرابطون، الموحدون، المرينيون، السعديون).

أما القول ب"فالقبائل تهيكلت في الجماعة الوطنية العربية بفضل الاندماج الاجتماعي والثقافي العربي – الأمازيغي."، إنما هو قول لم يتم بناؤه على أساس مادي تاريخي ويفتقد للتحليل العلمي المادي وكما أشرنا إلى ذلك سابقا فالقيام الفعلي للدولة العلوية إنما تم خلال القرنين 17 و18 خلال حكم إسماعيل العلوي بن على الشريف عبر 55 سنة من الحروب ضد ثورات القبائل الأمازيغية التي ترفض قيام هذه الدولة الجديدة، ولم يتم تأسيس الدولة العلوية كما جاء في الوثيقة عبر تهيكل القبائل في "الجماعة الوطنية العربية بفضل الاندماج الاجتماعي والثقافي العربي – الأمازيغي."، والقول ب"الإدماج الاجتماعي والثقافي العربي – الأمازيغي" إنما هو تعبير ينبع من عمق التحليل التجزيئي والتفكير المثالي الذاتي الذي يتملك البورجوازية الصغيرة والذي يجب محاربته داخل الحركة الماركسية اللينينية.