التواضُع والغُرور

ريم شطيح
2015 / 9 / 28

تفيضُ الكتب السماوية وغير السماوية بالكلام عن المحبة وارتِقاء النفوس بالتواضع وفهم الذات الإنسانية؛ في الوقت الذي تُمارِس فيه بعض المجتمعات بعض القيم على أنها مُعتقَدات وسُلوكيات شخصية قابلة للتغيير حسب الطقس الإجتماعي والحالة الشخصية.


الحقيقة أنّ فضيلة المحبة/الرحمة/التواضع لا يمكن النّظَر إليها على أنها مُعتقَد أو رأي؛ بل على أنها قيمة أخلاقية والجوهر الذي تُبنى عليه أفعال الفرد وردود أفعاله أيضاً، وبالتالي فإنّ قيم الإنسان هي مَن تُحدِّد الهوية الأخلاقية للمجتمعات التي يسكنها وتتبنّى لاحقاً هذه المجتمعات تلك القيم التي تمارسها الأغلبية فتُصبح فيما بعد ثقافة لهذا المجتمع، وعليه فقد ترتبط قِيَم الإنسان إلى حَدٍّ ما بقيم ثقافته تِباعاً.


ومن المحبة والتواضع إلى الغيرة والغُرور، هذان الضِّدّان يُحدِّدان نفسية وقِيَم الإنسان الفِكرية والأخلاقية. فالغُرور - ولتوصيفه الصحيح - هو حالة عدم توازن مع الذّات وانفصال عن الواقع وليس أبداً حصيلة أعمال ونجاحات في الحياة أو شُهرة إجتماعية بمجال ما.


يُساهِم الغرور بتغذية الغيرة عند الإنسان، والغيرة حالة مَرَضية تَتْبع لعوامل نَقص في الشخصية وعدم ثقة بالنفس وصعوبة القدرة على المحبة والإحتواء، وتلعب البيئة والتربية دوراً مهماً في تعزيز الغيرة لدى الفرد أو تخفيفها.


تتسرّب الغيرة من خلال نظرة، كلمة، تَجاهُل، أو حتى شعور يَصل بالتعامُل ولَو عن بُعد. فللغيرة وقْع وأثَر قوي جداً لا يمكن لحاملِها إخفاؤه مهما حاول؛ فالحَدْس دائماً يلتقط ذبذباتها عبر الإحساس.


الغرور والغيرة، يضعان حاجزاً بين الفرد وبين الآخرين؛ هذا الحاجز يمنعهم ويمنعه من التواصل الطبيعي وتبادُل حتى المشاعر الإنسانية، ومع الوقت هذا الحاجز يُصبح سوراً يَفصِل صاحب الغيرة عن الواقع والحياة تماماً. فضلاً عن أنّ الغرور سَواد يُشوِّه ما بداخل الإنسان ويُحوِّل كل ما يملك من جمال خارجي أو معرفة أو إيجابيات إلى سلبيات تترك أثراً سيئاً لدى المُتلَقّي.


المَغرور لا يستطيع أن يشعرَ بالآخرين بشكل عميق، ومَن يحمل الغيرة تجاه الآخرين لا يستطيع أن يُحِب حُباً حقيقياً، حيث لا يمكن فصل هذه الحالات عن بعضها لأنها مُتداخِلة؛ الحب، العطاء بأشكاله المُتعدِّدة، الخير، التواضع، التوازن الروحي والفِكري، كُلها حالات تتناقَض وتتعارَض مع الغيرة. إنّ الغُرور شيء والثقة بالنفس شيء آخر، وليس الأول نتيجة للأخير على الإطلاق.


من هنا، فإنّ التمسُّك بالتواضع وفهمه كقيمة أخلاقية يُرسِّخ مفهومه وأثره في الضمير الإنساني؛ فالتمسُّك في تطبيق القيمة يضمن استمرارية وجودها وتأكيد أهميتها عند فاعِلِها ومُتلَقّيها أيضاً. وهذا التمسُّك والإستمرارية يُميِّزان بين القيمة في حَدِّ ذاتها وبين المعتقدات والأفكار والآراء. تِباعاً، إنه واجب إنساني على الفرد أن يعمل لنشر ثقافة المحبة والتواضع والعطاء كقيمة أخلاقية وضَرورة إنسانية ومُجتمعية.


ريم شطيح - كاتبة وباحثة سورية

Author Reem Shetayh
لمتابعة الكاتبة، صفحتها على الفيس بوك
https://www.facebook.com/R.Reem.Shetayh