نقد وثيقة : تناقضات العدو والأفق الثوري بالمغرب

امال الحسين
2015 / 9 / 28

تناقضات العدو والأفق الثوري بالمغرب
عبد اللطيف زروال – أبراهام السرفاتي
10شتنبر1972 ترجمة : سامية المجداوي

بما أن هذه الوثيقة نسبت إلى قياديين في منظمة "إلى الأمام" فإن هذه الوثيقة ولا شك تم اعتمادها في التصور الأيديولوجي والسياسي للمنظمة، ومن خلال قراءتها نستنتج بعض الملاحظات الأولية :

من حيث الشكل :

ترجمتها يشوبها نقص حاد يجعل الوثيقة بالعربية تعاني خللا في المعنى الذي يتبين من عدم تسلسل الأفكار وتناثرها مما يجعلها قد لا تفي بمضمون الوثيقة الأصلية، وهذا غالبا تعاني منه جل الترجمات.

إضافة إلى ذلك، تحاول المترجمة أن تتدخل في تفسير بعض المصطلحات مما يجعل تدخلها تعسفا على الكاتبين، فبدل أن تشير إلى المصطلح المستعمل بلغته الأصلية (الفرنسية) وتترك القاريء يستنتج ما يفهمه تختار المصطلح الذي ترى فيه المعنى المناسب حسب قولها.
مثلا مصطلح "السوسيال – امبريالية" مترجم ترجمة خاطئة بدل مفهوم "الإشتراكية الإمبريالية" كما حددها لينين أي الإشتراكية قولا والإمبريالية ممارسة والقصد هنا في الوثيقة هو الإتحاد السوفييتي.

من حيث المضمون :

تحتوي الوثيقة على بعض المصطلحات والأحكام الصادرة عن مضمون البنية الطبقية للنظام السائد بالمغرب وأسسها المادية التاريخية والتي في حاجة إلى نقد علمي مادي.
مثلا مصطلح "المخزن" الذي يفتقد الأسس المادية التاريخية للقول ب"طبقة المخزن" كما جاء في المقدمة.

نتناول بالنقد بعض النقاط التي جاءت في المقدمة :

جاء في الوثيقة :" طبقة المخزن" هذا المصطلح الذي يفتقد للأسس الطبقية والذي يتم إدراجه في تحليل الطبقات بالمغرب والذي لا ينسجم والتحليل المادي التاريخي لتطور الصراعات الطبقية بالمغرب، كما جاء في الوثيقة محاولة تفسير هذا المصطلح عبر القول : " تهيكلت الطبقة التي توجد في موقع السلطة تاريخيا في السيرورة التي انطلقت ابتداءا من الانحطاط المريني وبشكل أكثر انسجاما في ظل الأسرة العلوية , حيث قامت بتنظيم المخزن كجهاز استغلال للبنيات الجماعية الفلاحية المنظمة في القبائل".

نحن نعلم جميعا أن تفكيك الدولة الموحدية انبثق عنه ثلاث دول من بينها الدولة المرينية التي حكمت المغرب بعد فشلها في توحيد تونس/إفريقيا والجزائر/تلمسان والمغرب/مراكش، وأن دولة الإمارة بالأندلس قد بدأت في الإنحطاط بعد نهضة الأمم الأوربية واكتشاف البارود ونشوء الرأسمال التجاري انطلاقا من إيطاليا في علاقتها التجارية بالدولة الموحدية بشمال إفريقيا، وقد تهيكلت الطبقة التي حكمت المغرب منذ ذلك الحين بعد بروز الأرستقراطية المدنية المشكلة أساسا من الأندلسيين الهاربين من الأندلس بعد سقوط دول الإمارات وهم مثقفون وتقنيون يقودون النقابات والجمعيات الحرفية بالمدن (تطوان، الرباط، فاس) ولا يملكون الأرض عكس الأرستقراطية القبلية، وأصبحوا الذراع الأيمن للنبلاء والأشراف بالمدن، الذين أسسوا الدولة المركزية، وهم يسيطرون على التجارة مما عزز أسس البورجوازية التجارية الناشئة بالمدن. وبالمقابل هناك أرستقراطية قبلية (القواد الإقطاعيين الذين يملكون الأراضي والعبيد والجيش ويتمتعون بحكم ذاتي نسبي عن سلطة أرستقراطية المدين والنبلاء، والأرستقراطية القبلية تكون دائما وراء الإطاحة بالدولة وبناء دول جديدة كما هو الشأن بالنسبة للمرينيين المنطلقين من الجنوب كغيرهم من الدول المرابطية والموحدية وبعدهم السعدية) التي تملك الجيش والعصابات الحربية الأساسية في بناء وإسقاط الدول.

هكذا تأسست دولة الكومبرادور بالمغرب بعد سقوط دول الإمارات بالأندلس على أساس التبادل التجاري بين شمال إفريقيا وإيطاليا عكس ما جاء في الوثيقة "بورجوازية المخزن المركنتيلية , البيروقراطية , المالكة العقارية Absenteiste)) انطلاقا من المدن الرئيسية و تقوم إلى جانب العلماء بالوظيفة الإديولوجية المركزية. – الوكلاء – (Les Mandataires نقترح هذا المصطلح بدل مصطلح الإقطاعيين المستعمل عموما و الذي لا يوافق الواقع التاريخي للمغرب , وكذا مصطلح إقطاع ( Iqtaa ) المستعمل من طرف العروي ومؤلفين آخرين و الذي يناسب أحد أوجه هذه الفئة الاجتماعية – المكلفون بجبي الضرائب (لصالح المخزن و لصالحهم) و نقل المنتوجات الزراعية الموجهة للتصدير , هؤلاء الوكلاء هم من الأعيان المنبثقين من الجماعات الفلاحية والذين يتم إدماجهم بالجهاز المخزني عن طريق السيرورة الدينية ( الشرفاء ) أو الاجتماعية (القواد وإمغاران) ويتم إسنادهم بالجهاز العسكري المركزي للمخزن . هاته البنية المزدوجة القطبية تعتمد على مبدأ موحد هو الملكية خصوصا عن طريق الدور الموهم لمبدأ ”"

فالقواد الإقطاعيين/شيوخ القبائل "إمغارن" يملكون الأرض والعبيد وتأسيس الزوايا يكون بقرارهم وهي أدوات أيديولوجية تحت تصرفهم، ولم تكن الزوايا يوما مستقلة عن الأرستقراطية القبلية التي تملك القوة الإقتصادية (الأراضي والعبيد) والعسكرية (جيش القبيلة) وتقرر في بناء الدول التي مرت بالمغرب، وقد تعززت قوة الأرستقراطية القبلية بالعلاقة بالقوة السياسية للأرستقراطية المدنية التي سيطرت على السلطة المركزية واستغلت المواني والتجارة الخارجية (تصدير المعادن والمنتوج الفلاحي) خاصة بعد تأسيس الدولة المرينية.

هكذا تم بناء أسس الدولة الكومبرادورية منذ القرنين 14 و15، والتي تم تركيزها بتدخل الإمبريالية بعد ضعف الدولة المركزية العلوية وقيام ثورات الأرستقراطية القبلية بالبوادي بغية تأسيس دولة بديلة، إلا أن تطور الرأسمالية في مستوياتها المتقدمة الإمبريالية حال دون ذلك مع ضعف القوة العسكرية للأرستقراطية القبلية والتناقضات بين الأرستقراطيات القبلية بالجنوب (الكلاوي ضد أحمد الهيبة الذي أعلن قيام مملكة بالجنوب واحتل مراكش في 1912) ولو لا تحالف الكلاوي مع الإمبريالية وتملص الأرستقراطية القبلية بسوس العليا/الأطلس الصغير والكبير من دعم أحمد الهيبة لتم إقامة دولة جديدة بالجنوب كما هو الشأن في تاريخ الدول العظمى التي بناها الأمازيغ بالمغرب انطلاقا من الجنوب.

وليس كما تعدي الوثيقة :"هؤلاء الوكلاء هم من الأعيان المنبثقين من الجماعات الفلاحية والذين يتم إدماجهم بالجهاز المخزني عن طريق السيرورة الدينية (الشرفاء ) أو الاجتماعية (القواد وإمغاران) و يتم إسنادهم بالجهاز العسكري المركزي للمخزن. هاته البنية المزدوجة القطبية تعتمد على مبدأ موحد هو الملكية خصوصا عن طريق الدور الموهم لمبدأ ”الإمام” الذي سيتدعم مع انبثاق السلالات المسيحية. إن مبدأ انتخاب الإمام من وسط السلالة من طرف العلماء ومجموع ”المؤسسات المنظمة ” (أي مجموع ممثلي طبقة المخزن يظهر التضامن الحاصل في الواقع كما في القانون بين الملكية ومجموع طبقة المخزن التي في نفس الوقت تنبثق عنها وتقوم بدور الحكم وسطها)."

وكما تمت الإشارة سابقا فالزوايا لها ارتباط وثيق بالقبائل التي تؤسسها وتمولها وتستغلها أيديولوجيا عبر المساجد والمدارس التابعة لها، فالقواد القبليون/شيوخ القبائل "إمغارن" هم الذين يعيينون الأئمة بالمساجد، والأمثلة كثيرة عبر التاريخ وقد قام شيخ قبائل إسكتان بشرق تارودانت في نهاية القرن 19 بطرد شيوخ زاوية إبن يعقوب بتكركوست وتعيين أحد أعوانه شيخا على الزاوية واحتل جميع الأراضي التابعة للزاوية والسكان معا، وجعل منها كما يقول أحد الفلاحين الفقراء "فدانا واحدا" وعين إمام مسجد قلعة تالوين، كما أن الكلاوي لما احتل قلعة تالوين في 1915 تمهيدا لدخول المستعمر لها في 1932 فإنه قد سمح للشيوخ المطرودين من الزاوية بالرجوع رغم احتفاظة بالسيخ الذي عينه شيخ القبيلة المخلوع كما عين إمام مسجد قلعة تالوين قاضيا له.

ويتضح من مضمون هذه المقدمة أن المعطيات التي تم اعتمادها في تحليل الطبقات السائدة بالمغرب إنما هو تحليل لا مادي ـ تاريخي.

وبالإضافة إلى بروز الأرستقراطية المدنية كطبقة بورجوازية تجارية/كومبرادور فإنه قد برزت بالتالي طبقة البورجوازية الصغيرة بالمدن، من خلال تطور النقابات والجمعيات الحرفية والمدارس حيث نشأة بورجوازية صغيرة مثقفة لم تستطع الوصول إلى السلطة وبقيت في مستوى الخدمات كما برزت بورجوازية صغيرة في مجال التجارة والحرف/التجار الصغار والحرفيين.

وبالإضافة إلى تطور الأرستقراطية القبلية وتقلص نفوذ الشيوخ بعد الإستعمار القديم برزت بورجوازية صغيرة بالبوادي/الفلاحين الصغار والحرفيين بالبوادي.

وقد تطورت هذه الطبقات خلال مرحلة الإستعمار القديم عبر التحالف الطبقي بين الإقطاع والإستعمار والكومبرادور، وتشكلت الطبقة العاملة مع تنمية الرأسمال بالمدن والبوادي معا كطبقة مناقضة للبورجوازية والبورجوازية الكومبرادورية وبينهما نمت البورجوازية الصغيرة بالمدن والبوادي.