الإنسان مقطوع الصلة: الأدب الشعبى والثورة

حاتم الجوهرى
2015 / 9 / 20

قديما كانت هناك الرواية الرسمية للتاريخ والوقائع التى تعبر عن السلطة واختياراتها ومنظومة قيمها؛ وفى مقابلها كانت توجد الرواية الشعبية التى توصف أحيانا بالأسطورية أو العجائبية والأحداث غير الموثقة! كانت السلطة تملك أدوات تسجيل روايتها، عبر مؤرخيها ووثائقها والآثار المكتوبة التى تتركها، وكذلك عبر الرواية الوحيدة التى تشيعها فى عصرها ومنه تنتقل للبلدان المجاورة وتستقر فى الأذهان، وكانت الشعوب لا تملك سوى ذاكرتها المتوارثة وحكاياتها التى تنقلها شفاهة جيلا إلى جيل، من هنا كان لدينا باستمرار رواية رسمية للأحداث، وأخرى شعبية خطها لنا الأدب الشعبى بقصصه وحواديته وملاحمه وبطولاته.

رواية التكيف ورواية التمرد:
كثيرا ما تختلف الرواية الشعبية عن الرواية الرسمية للسلطة؛ حيث تمثل رواية السلطة عادة منظومة قيم التكيف والخضوع، وتمثل الرواية الشعبية منظومة قيم التمرد ومحاولة كسر النمط السائد! وبالطبع كانت هناك سيادة للرواية الرسمية فى مقابل تهميش الرواية الشعبية. لكن ظلت الرواية الشعبية للتاريخ -التى عبرت عن نفسها فى مختلف صور الأدب الشعبى- تمثل صورة البطل الغائب وحلم العدل المفتقد، ومنظومة قيم التمرد عند الشعوب.

عصر المنابر الجماعية المتزامنة:
لكن مع تطور نمط الحياة الاجتماعى وتفكك الأنماط الاجتماعية القديمة، وظهور التقنية فى العصر الحاضر، وخاصة ما يمكن تسميته بعصر: المنابر الجماعية المتزامنة (التى تصل فى نفس الوقت لكل مكان وفرد) والذى بدأ مع الراديو والتليفزيون، ووصل حاليا إلى مرحلة "التواصل الاجتماعى الافتراضى" عبر تقنيات شبكة الإنترنت؛ بزغت ظاهرة جديدة فى التجربة الإنسانية! وهى الاضمحلال المتزايد لفكرة الموروث الشعبى المنقول شفاهة من جهة، ومن جهة أخرى انقطاع التراكم فيه نتيجة تحول الرواية الشعبية- المضادة للرسمية، لآليات التواصل الافتراضى! والتى تفتقد بالطبع للرواة والحكائين وصناع الأساطير.

الاختزال فى مقابل التفاصيل:
فى معظم الوقت تميل الرواية الرسمية للتعميم والبعد عن التفاصيل والاختزال، لكن تميل الرواية الشعبية للتفاصيل والأسطورة، ذلك لأن رواة الرواية الرسمية عادة ما يكونون بعيدا عن التفاصيل فى القصور المشيدة ومناطق النفوذ المحمية، فى حين تتكون الرواية الشعبية من تفاصيل بعضها تقدمه الأحداث فى شكل أسطورى وبطولى بالفعل! مكمن الخلاف بين الروايتين محسوم من قبل أن تبدأ الحكاية فى الأساس؛ هذا مؤرخ سلطة لا يرى الشعب كأفراد متباينة ومختلفة الاختيارات والقدرات، ولا يعترف بالتفاصيل والبطولات الفردية التى يقدمها الأبطال! هو يميل للتعميم والكليات، ولا يعتقد إذن فيما لا يؤمن به.


الرواية الشعبية للثورة أنموذجا:
إذا ضربا مثلا بالثورة المصرية، وقارنا فيها بين الرواية الرسمية والرواية غير الرسمية (لن أسمها شعبية بعد، لأن لم تحفظ نفسها بطرق تمكنها من البقاء حتى الآن)، واتخذنا من حدث واحد أنموذجا للمقابلة وليكن يوم 28 يناير، ستجد الرواية الرسمية تقف عند سقوط الرمز السياسى (مقرات الحزب الحاكم) والذراع الأمنى (مقرات الشرطة) لنظام ما قبل 25يناير! وستنتقى بعض المشاهد لتأكد بها وجهة نظر معينة مضادة لحالة التمرد عليها. لكن الرواية غير الرسمية؛ تتحدث عن بطولات أسطورية خاضها أفراد معروفين للبعض وبعضهم غير معروف، حتى تنجح الثورة فى تجاوز أبنية النظام فى ذلك اليوم، شهد الرواة غير الرسميين لحظات لأبطال أسطوريين فى مواجهة موقف ما، نجحوا فيها فى كسر جزء من آلة النظام، وسقطوا صامدين فى دمائهم، أو ربما نجحوا فيها وعاشوا ليحتفظوا بأحداثهم الأسطورية لأنفسهم!

تقنيات "التواصل الافتراضى" كمصادر للرواية الشعبية:
لكن لنعود لمبتدانا؛ مجتمع ما قبل "المنابر الإعلامية الجماعية" و"التواصل الافتراضى" انتهى إلى غير رجعة؛ والرواة الذين كانوا يسمعون الحكايات من مصادرها ويعيدون صياغتها بطرق مختلفة لتضاف إلى رصيد الأدب الشعبى والرواية غير الرسمية، أصبحوا شبه منقرضين، ولم يعد أحد يسمع لهم كما كان مثلا فى النصف الأول من القرن العشرين.. لنطرح السؤال الأهم فى التجربة الإنسانية الآن: كيف سنسجل، وندقق الرواية الشعبية غير الرسمية فى الأحداث المهمة والكبرى فى عصرنا الحالى..؟
انتقل معظم الحكى إلى تقنيات "التواصل الافتراضى" (مثل: "فيس بوك"، "تويتر"، "المدونات"، بالإضافة إلى مئات وآلاف الفيديوهات المسجلة والمحفوظة على تلك التقنيات لكنها لا تدخل ضمن نطاق الحكى، ربما تكون دليلا مرجعيا)، والبحث عن الرواية الشعبية غير الرسمية لابد سيعود لنلك المصادر ويحاول أن يدقق فيها، ويصنفها ويوثقها، ويخرج منها بتلك الرواية المجهولة الأسطورية الغائبة، التى يهدد ضياعها بضياع الروح الإنسانية الشعبية، فى مقابل سيادة روح مؤرخ السلطة الجامد المؤمن بالتعميمات والكليات ولا يرى فى البشر سوى أرقاما متشابهة متجانسة لا تحمل اى صفات خارقة للعادة أو بطولية!

مركز أبحاث الرواية غير الرسمية:
نستطيع القول أن مجال الأدب الشعبى الحديث؛ ونطاق عمله لابد سينتقل نحو البحث فى سجلات "التواصل الافتراضى"، ويبدأ جمع الروايات والقصص حول حدث واحد بعينه، وليكن مثلا: مواجهات يوم "مسرح البالون" أولى صدامات شارع محمد محمود، ويفحص روايات بداية الحدث، وروايات تصاعده وصداماته، وروايات نهاية اليوم. كذلك يمكن الاستعانة ببعض علوم "ضبط الروايات التاريخية"، من حيث مقارنة مجمل روايات شخص ما، لمعرفة مدى صداقيته، ومعرفة نقاط الاتفاق والاختلاف فى كل رواية، وهكذا..
لكن ذلك يجب أن يبدأ بحفظ المادة وتسجيل وتوثيق الروايات الشعبية؛ التى وضعها أصحابها عبر تقنيات "التواصل الاجتماعى"، إن مركزا لأبحاث الرواية غير الرسمية فى العصر الحالى، ولكى يقابل تحديات الظاهرة الإنسانية الجديدة، يجب عليه أن يبدأ بالجانب التقنى أيضا، من حيث تصميم وتنفيذ تقنيات وبرامج آلية، لاسترجاع تلك المشاركات، ومحاولة تصنيفها آليا بشكل أولى..

دار "الوثائق الشعبية"
هذا المركز يجب أن يكون بمثابة "دار الوثائق" الشعبية، يحفظ ويوثق ويصنف، وربما يتيح تلك المادة فيما بعد للباحثين! لأن هذا سيكون المجال المستقبلى للباحثين فى نطاق: الأدب الشعبى (وكيف عبر كل فرد الرواية بأسلوبه)، ومجال التاريخ (والبحث عن الأدوار الخفية والمجهولة للبعض ومقارنة الرواية الرسمية)، علم الاجتماع (من حيث تطور علاقات البشر وقواعد تعاملهم الافتراضى)، وكذلك علم النفس ومعظم نطاقات الدراسات الإنسانية.. ذلك سيتيح حقلا بحثيا كاملا لدراسة الظاهرة الإنسانية فى مجال تواجدها الافتراضى الجديد

خاتمة: فى سبيل المستقبل
هلا بادرنا وأخذنا السبق فى مجال الدراسات الإنسانية؛ قبل أن يحدث حدثا عالميا جديدا فى الغرب، ويلتفتون لأهمية دراسة الرواية الشعبية فى مجال تواجدها الاجتماعى الافتراضى الجديد، وتوثيق وتصنيف روايات الأفراد وفهرستها، ليحاول البعض اللحاق بهم بعد ذلك باسم التحديث ورطانة التعالى على منتج التجربة المحلية وظرفها! إن التحديث الجاد والأصيل هو الاتساق مع تجربتنا الذاتية والعمل من داخلها والالتفاف حول لحظاتها التاريخية والانطلاق منها للمستقبل، حتى نقف ونقول كلمتنا فى محاولة تطوير الظاهرة الإنسانية والوصول بها لأفضل ما يكون.. وذلك هو دور الثورات المفصلية -الذى يجب أن نقدمه- التى تأتى متباعدة كضوء ساطع لا يتكرر إلا قليلا فى حياة الشعوب.