وهج السرد في مجموعة خطأ مطبعي للقاصة إسراء كلش

عمر عتيق
2015 / 9 / 20














وهج السرد في مجموعة " خطأ مطبعي "
للقاصة إسراء كلش
د. عمر عتيق


تعاين الدراسة محورين من تقنيات المعمار الفني لمجموعة " خطأ مطبعي " . الأول : فضاء الأحداث ، ويشمل : البعد الاجتماعي للحدث ، و الحدث العنقودي ، والحركة المكثفة للحدث ( إيقاع صاخب للحدث ). والثاني : الفضاء اللغوي ، ويشمل : البناء اللغوي الاستعاري ، وبنية الاستفهام ، وتقنية التنبؤ ، ولغة الجسد ، والتناص ، والنص الغائب ( الحذف ) ، واللغة الدارجة ( توابل اللغة الفصيحة ).

أولا : فضاء الأحداث
1- البعد الاجتماعي للحدث
تتجاوز مجموعة قصص " خطأ مطبعي " الأحداث المألوفة ، إذ تعتني القاصة بتصوير مشاهد تغلب عليها الإثارة والدهشة والجدل ، فهي تشبه " عين الكاميرا " التي تصور في المنطقة الممنوعة أو المحرمة ، وتفتح أبوابا مغلقة لتسرد أحداثا لم يشاهدها عامة الناس .. وإن شاهدوها مالوا إلى كتمانها أو تناقلوها وتداولوها همسا . وحينما يكون الحدث مألوفا فإن تفاعل المتلقي يقتصر على مقاربة بين تفاصيل الحدث المألوف وتفاصيل حدث مشابه مخزون في جيوب ذاكرته ، أما إذا كان الحدث مثيرا ومتجاوزا لمنظومة الأعراف والعادات والتقاليد فإن المتلقي يُضاعف من يقظته لمتابعة حدث ينسجم مع نزعة "الكشف عن المستور " ؛ إذ إن النفس الإنسانية تميل إلى معرفة المحظورات الاجتماعية . وحينما يعرض الخطاب السردي وصفا لمشاعر امرأة متزوجة ما زالت تلتقي " فارس أحلامها الأول ، كما في وصف القاصة: (ودّعتُ ذهابك الساحر وعدتُ إلى البيت أمشي مرّة وأخرى أهرول، أقبض على خاتم زواجي محاولةً تذكّر طريق بيتي، حيث صوت أطفالي ورائحة نرجيلة زوجي ومجلات العريّ خاصَّتِه، التي تجعلني أحسّ بأنني بقايا إنسان تكوّمت في جسده بعض الشحوم وحُقِن صوتُه بالرقّة بالخطأ.) ( حنين ص 18 ) تتكشف تفاصيل أحداث يحرص الخطاب الاجتماعي على إخفائها ، والتستر عليها على الرغم من خطورتها وتهديدها للاستقرار العائلي ، وتفتيتها للنسيج الاجتماعي .
والقاصة حينما تختار مثل هذه النماذج حدثا لبنية السرد لا تهدف إلى إثارة القارئ ، ولا إشباع نزواته التي تبحث عن المثيرات في الزوايا المعتمة أو وراء الأبواب المغلقة .. ولكنها تطرح قضية للنقاش والتأمل .. قضية تستحق إعادة التفكير في " ثقافة الاختيار " الخاصة بالزواج ..تلك الثقافة التي ينبغي أن تتطهر من كل الاعتبارات التي تسبب حياة زوجية يحكمها القلق والقهر والإحباط والفشل المنتظر .
وتناغما مع النموذج المتقدم ترصد القاصة إشكالية نفسية عاطفية في العلاقة الزوجية ، وأميل إلى تسميتها بـ " العلاقة الرمادية " بين الزوجين ، وهي العلاقة التي تخلو من المحبة والكراهية معا ! كما في قول القاصة: (وتزوجتُ من علي الحلو، زوجي ليس اسماً على مُسمّى، هو بائع هريسة ليس إلا، آخ يا علي، علي يا علي، لا أقول إنني أحبك، ولا أقول إنني لا أحبك، كل ما الأمر أنك رجلٌ طيّب) (الأخوات 47 ) .
وتكشف القاصة عن سوء المعايير والأسس الوظيفية في بعض الدوائر والمؤسسات التي تستغل حاجة المرأة للوظيفة أو العمل حينما تصف القاصة نموذج " طلب الوظيفة الشاغرة " (خمس خانات للحالة الاجتماعية: عزباء، متزوجة، مطلقة، أرملة، مهجورة. كانت أوّل مرة ترى فيها الخانة رقم خمسة . تساءلت: تراهم مهتمين بأحوال موظفاتهم، أم مهتمين بحاجاتهن؟) (وظيفة 69 )
وتطرق القاصة أبواب عائلات ذوي الإعاقة ، تلك العائلات التي تحرص -في الغالب -على إخفاء أمر إعاقة أحد أفرادها. وإذا كان الوصف السردي يكتفي بوصف حالة الإعاقة ، وتوصيف المنظور الاجتماعي ،نحو :(وسيكونُ من الصعب على والدي المحافظ أن يخفيَ وجود فرد معاق في عائلتنا يحمل اسم جدي كما جرت العادة) (حمى 79) ، فإن من اليسير على المتلقي أن يستحضر " النص الغائب " الذي سكت عنه النص السردي ، وهو ضرورة تغيير الثقافة العائلية الخاصة بذوي الإعاقة كي يصبحوا شريكا فاعلا ومنتجا في المجتمع .
وتتكفل مجموعة " خطأ مطبعي " بالإشارة إلى مشاهد من الأحداث التي تنوء بالرواسب الأسطورية والخرافية التي ما زالت تشغل حيزا في بنية الثقافة العربية ، نحو قراءة الكف والفنجان والتمائم وتناسخ الأرواح ، كما يُفصح الوصف السردي عن شخصية الجدة:(ولم أعرف في حياتي كائناً خفيف الظل كجدّتي التي كانت عرّافة القرية، تقرأُ الكف وتفتح بالفنجان وتكتب الأحجبة وتتنبأ بالقادم) (مالهمش كبير 129 ) ،وشخصية الأم : (أما من ستدهشكم قصّتها فهي والدتي؛ والدتي تؤمن بتناسخ روح جدّي في حمامة بيضاءَ، تحطّ على فرن الطابون كل صباح، فتطعِمها وتسقيها، وتوزّع أرغفةَ الخبز كل يوم على أهل القرية الفقراء عن روح جدّي) (مالهمش كبير 130 ) واختيار القاصة لمثل هذه الأحداث يجعل القصة ذات وظيفة اجتماعية بامتياز ، أو يمكن القول : إن القصة خطاب حكائي يجسد خطاب التنظير في علم الاجتماع .

2- الحركة المكثفة للحدث ( إيقاع صاخب للحدث )
يتفاوت إيقاع الحدث في القصة القصيرة بين الهدوء والصخب ، وتتنوع تموجاته بين الصعود والهبوط والثبات . وحينما يكون الحدث هادئا رتيبا مألوفا فإنه يشبه وتيرة الأحداث في تفاصيل الحياة ، وقد يسبب للمتلقي فتورا أو مللا ، وبخاصة إذا كان المتلقي لا يحتمل رتابة الأحداث وثباتها ، ولا يطيق انعكاس المشاهد المألوفة في مرايا المتن السردي . أما إذا كان الحدث صاخبا أو متفاوتا بين الصعود والهبوط فإن نبض التلقي للقصة القصيرة يتسم بالتتابع والتشويق والجاذبية ، ويتحقق في هذه الحالة تناغما بين إيقاع الحدث وخفقات المتلقي النفسية والوجدانية .
ويغلب على أحداث قصص " خطأ مطبعي " الصخب أو الإيقاع الصاعد ، ويندر أن يجد المتلقي حدثا رتيبا يفضي إلى استرخاء ذهني أو فتور نفسي أو ثبات في النبض الوجداني . ومن شواهد الحدث الصاخب (ثمّ قررت، ووقفت واستعددت، ثمّ أدبرت ، وأمسكت أذني بحركة -تبدو عاديّة- ترافقني إن تسارع قلبي في الخفقان، وفكّرت: وهو ماذا سيقول؟ سيقول: إنّ الطفلة الصغيرة غارت من النساء الحزينات في لوحاتي الجديدة. ) ( على هامش معرض الفنان الكبير ص 13 ) في هذا الوصف السردي ستة أفعال حركية نفسية تحوي أحداثا مشحونة بالانفعال والتوتر ، وتكشف عن صراع داخلي بدت أعراضه من خلال حركات جسمية تختزل طاقة نفسية مكثفة . والمتلقي أمام هذا المشهد سيشعر أن مهارات التلقي تحتاج إلى استنهاض الحواس كلها ، وتقتضي كذلك تحليلا وتفسيرا وتقييما لتلك الشخصية التي قامت بستة أفعال في وقت واحد .
ومن الأحداث المكثفة ما يحوي ثنائية دلالية تعبر عن سلوك مزدوج . وحينما يجتمع حدثان متنافران فإن المتلقي يجد في وقع التنافر ما لا يجده في وقع الانسجام ، فحينما نعاين الصخب والوداعة في النص الآتي : (خرجت من مكتبِها بعد أن تشاجرت مع مديرها الذي لم يوافق على إجازتها، ثمّ تشاجرت مع السائق الذي أصرّ على امتلاء السيّارة قبل الانطلاق، ثمّ تشاجرت مع نفسها أمام المرآة، إذ اكتَشَفت حبوباً في وجهها، ثمّ جلست وادعةً في ركن جانبيّ تنتظرُ مروره المتوقّع؛ لتفتعلَ الصُدَف، فتنجحَ تارةً وتخفِقَ أخرى.) ( مرايا 22 ) . يتجلى لنا أن الحدث الأول قد تكرر ثلاث مرات في مواقف مختلفة تصور صراعا خارجيا وداخليا ، أما الصراع الخارجي فقد وقع بين الشخصية والمدير والسائق ، وهو أمر مألوف في تفاصيل الحياة ؛ إذ يكتفي المتلقي بمقاربته بمشاهد متوافرة في مخيلته . أما الصراع الداخلي الذي حدث للشخصية مع نفسها فإنه ينبه المتلقي إلى أمور ذاتية يحرص على إخفائها عن الآخرين ، أو يتمنى أن ينسى أنه يعاني منها ، ولا يخفى أن هذا الصراع هو أقرب إلى تفاعل المتلقي مع الحدث من الصراع الخارجي . كما أن انتهاء موجة الصخب- في الصراع الخارجي والداخل- إلى جلوس الشخصية وادعة هادئة مستسلمة يوهم المتلقي أن الأحداث كلها قد انتهت ، ولكن سرعان ما يتشكل أفق أكثر صخبا ونبضا حينما يكتشف المتلقي أن لحظات الوداعة هي السكون الذي يسبق العاصفة ... ولكنها عاصفة تجتاح وجدان الشخصية التي تحترق في داخلها وتبدي هدوءا مفتعلا .
وتقترن كثافة الحدث في بعض القصص بتسارع زمني لافت ، نحو (وعندما أقنعه جوعي ومحاولات انتحاري، حوصر حبيبي في الكنيسة، ثم نُفيَ إلى "غزّة"، ثم قيل لي إنّه خرج منها، ولا أدري إلى أين.) (من يومياتي العادية 41) فالنص يحوي ستة أحداث متلاحقة ( الجوع ومحاولة الانتحار ، والحصار ، والنفي ، والخروج ، والغياب غير المحدد ) . وتتوزع الأحداث الستة على ثلاث خلايا دلالية منفصلة ، وهي ذات أبعاد اجتماعية وعاطفية وسياسية ، وهذا التنوع في الحدث المكثف المتسارع يمنح تقنية السرد ميزة لا تخفى .
وفي بعض المواضع يبدو زمن الحدث ثابتا ومتوقفا لكنه يمتاز بالتكثيف والتنوع والتوتر ، ويكشف عن البنية النفسية العميقة ، ويستحضر مشهدا يحتاج إلى نبض عال من التلقي والمتابعة ، نحو (أمسكت بقلمها، خربشت على دفترها، هزّت قدميها، تململت، شاهدت الأستاذ يتأبط أوراق الامتحان قادماً، تأملت سقف القاعة، سعلت قليلاً، ثم قفزت نحو الساحة الرئيسة لاهثة، دخلت دورة المياه مرّة أخرى، ثم خرجت ممسكةً بقلبها كي لا يسقط، وصلت القاعة وزفرت) (قلق 82)
الحدث العنقودي
من أكثر التقنيات الأسلوبية جاذبية في تشكيل الحدث ..القصة ُ التي تحوي حدثا عنقوديا تبدأ نواته بمشهد يبدو مألوفا ثم تنبثق عنه سلسلة من الأحداث تشكل مشاهد بصرية ونفسية ترتبط بشبكة متناغمة . ومن أبرز قصص المجموعة التي تشكل حدثا عنقوديا قصة ( ربما ص 133) التي تتوزع أحداثها على ثلاثة مشاهد رئيسة ؛ الأول : مشهد عائلة تتوقف بهم المركبة عند حاجز للاحتلال بين نابلس وجنين ..التوقف الطويل واستهانة جنود الاحتلال بالمنتظرين على الحاجز تسبب توترا واحتقانا للزوج .. وفي المقابل تحرص الزوجة على امتصاص غضب الزوج وتوتره بسبب انتهاك الاحتلال لكرامة الإنسان . الثاني : مونولوج داخلي يشكل تقابلا نفسيا حادا مع المشهد الأول ، حينما تشرع الزوجة بسرد أحلام الفلسطيني الذي ينتظر رحيل المستوطنين وزوال الاحتلال وامتلاك بيت في إحدى المستوطنات . وبين المشهدين تحول نفسي من قهر يسببه جنود الاحتلال .. وحلم بامتلاك بيت في مستوطنة . والثالث : مشهد استرجاع ..تتذكر فيه الزوجة اللقاء الأول مع زوجها في سياق السفر إلى فرنسا ضمن رحلات تنظمها مؤسسات تهدف للتقارب الفكري والنفسي بين الفلسطينيين والجنسيات الأخرى بهدف تسويق البعد الإنساني للقضية الفلسطينية ، وتحقيق السلام بين الشعوب . ويشكل هذا المشهد مفارقة مع المشهد الأول ؛ إذ يتشكل نسيج نفسي من هدر لكرامة الإنسان من قبل الاحتلال ومن جهود حالمة بتحقيق السلام .


ثانيا : الفضاء اللغوي
1-التشكيل اللغوي الاستعاري
لم يعد المجاز والصورة الفنية الاستعارية حكرا على جنس أدبي ؛ لأن التشكيل اللغوي للنص الإبداعي يرتبط بالسياق النفسي والنبض الوجداني ، وعليه فإن الظلال النفسية والخفقات الوجدانية للخطاب السردي في مجموعة " خطأ مطبعي " أفضى إلى لغة استعارية في غير موضع وقصة في المجموعة . وما يميز التشكيل الاستعاري في أسلوب " إسراء كلش " أنه جاء متناغما مع عناصر المعمار الفني للقصة من جهة ، ومعبرا عن وظيفة السرد ، بل حاملا لرسالة القصة نفسها ، ومندغما مع دلالة عنوان القصة التي يرد فيها التشكيل الاستعاري ، ففي قصة حنين حينا نقرأ : (أشمُّ رائحةَ الجامعةِ والكتبِ وعطركَ القويّ النافذ في مسامات روحي) ( حنين ص 17 ) . نجد أن الصورة الاستعارية الشمية التي تتمثل بانسياب عطر الذكرى في مسامات الروح تتقاطع دلاليا مع مدلول الحنين في العنوان ، وتكشف عن البنية النفسية للشخصية العاشقة في لقاء بعد غياب طويل . ولعل توظيف الاستعارة في الكشف عن العلاقة بين الرائحة والحنين من أكثر التقنيات الأسلوبية التي تتفاعل معها النفس الإنسانية .
وقد نهض التصوير الاستعاري في رسم التموجات النفسية ، وما يمور في الوجدان من مشاعر متناقضة وبخاصة حينما يمتزج الحب والخوف ، وحينما ينقسم الخوف إلى (خوف من) و(خوف على) ، كحال المرأة المتزوجة التي ما زالت تحن إلى فارس أحلامها الذي تصفه القاصة بقولها : (كبحرٍ .. ما إن أرسلَ نسماتِه إليك أو أسمعكَ موجَه أحسستَ بدغدغة السعادة التي لا تعرف كيف تخفيها، أو حتى تبعد غيمها الهامر عندما يغشاك إذا ما عاد وصمت، فأنا أحبه، وأحياناً أخاف منه، وفي الوقت نفسه أخاف عليه.) ( لقاء 26 ) . إن اختيار صورة البحر بمدّه وجزره وهدوء أمواجه وصخبها لتصوير مشاعر تلك المرأة يعد أسلوبا فنيا مائزا في التشكيل اللغوي لمشاعر تلك المرأة التي ما زالت تحن لماض يسكن مسامات روحها على الرغم من زواجها .
وقد توسلت الكاتبة بالبناء الاستعاري لاختزال فضاء نفسي مشبع بالقلق والتوتر والاحتقان ، نحو وصفها لحال الطالبة قبيل تأدية الامتحان الجامعي ، في قولها : (وصلت قاعةَ الصف، حاولت أن تمسك بأذناب قلقها في استعداد أوليّ للامتحان،) (قلق 82) . وإذا علمنا أن الصورة من قصة ( قلق ) أدركنا مدى الانصهار الدلالي بين العنوان ودلالة الاستعارة . كما أن الاستعارة في الخطاب السردي تقلص المساحة السردية ، وهذا ما تقتضيه أبجديات القصة القصيرة .
ومن سمات البنية الاستعارية لدى القاصة الجمع بين أفق تخيلي مجازي ومشهد اجتماعي واقعي يؤشر على بيئة ريفية محددة ، ففي سياق مقارنتها بين صخب المدينة وما فيها من توتر وقلق ، وهدوء القرية وما فيها من وداعة وسكينة ، تقول : (وأنتعل خوفي، فيسكنني الهدوء بوصولي قريتنا التي تعوّدَتْ مساماتي على استنشاق صباها المضمّخ برائحة الماشية، التي أخاف أن تتشربها ملابسي في الصباح) (المدينة 71 ) ، فالمتلقي يحلق بخياله تارة ثم يهبط ليلامس تفاصيل الحياة في دلالاتها الحقيقية .
2- بنية الاستفهام
يشغل الاستفهام حيزا لافتا في الخطاب السردي ، وتتجلى كثافته في مواضع التوتر وزوايا الترقب النفسي . ومن المعلوم أن لغة السرد التي تحفل بالاستفهام تحقق تأثيرا وإثارة على المتلقي ؛ لأن السؤال أكثر جذبا وبخاصة إذا كان ذهن المتلقي في حالة استرخاء أو شرود ؛ فيعيده السؤال إلى بنية النص بقوة مضاعفة وتركيز غير مسبوق . ويتسم أسلوب الاستفهام في معظم قصص " خطأ مطبعي " بغياب الجواب عن السؤال ، وتسهم هذه التقنية في رفع حرارة التفاعل بين النص والمتلقي ، وتمنح السرد مساحات واسعة من التأمل والتأويل والتفسير والتخييل والاستنتاج من قبل المتلقي ، فيغدو النص الذي يحوي كثافة استفهام خطابا سرديا مشتركا بين الكاتب والقارئ .
ويتكفل الاستفهام بحزمة من الوظائف السردية ، ويمكن أن نقطتف منها وظيفة التشويق الذي يعد علامة فارقة تؤكد انصهار المتلقي بالنص السردي ، ففي قصة ( تاجر النقود ) تبدأ الشخصية برسم ملامح الحدث بوساطة مونولوج داخلي يقتصر على تتابع وتتدافع صيغ الاستفهام (تمتم: كيف لي أن أُخرسهم؟ أأخيط أفواههم؟ أو ألجم شفاههم الثرثارة الخبيثة اللزجة الغبية؟ كيف لي أن أخبرهم أن هناك خطأً في الخطّة أدّى إلى هذه المصيبة؟ وكيف أجرُؤ على إخبارهم أنّ مصيبة أخرى كانت ستقع بصرف النظر عن وقوع خطأ؟ وكيف سأقنعهم بأنني لم أقصد الإساءة أو أنني على الأقل لستُ نذلاً إلى تلك الدرجة؟) (تاجر النقود 75 ) ستة أسئلة متتابعة تحمل شحنات نفسية متصاعدة والمتلقي لا يعلم بعد شيئا عن الحدث الذي استدعى هذا التدفق الاستفهامي ..
وعليه فإن كثافة الاستفهام لا تضاعف من يقظة المتلقي فحسب بل تأسر حواسه كلها كي يعرف تفاصيل الحدث الكامن خلف ضبابية السؤال ...وهذا هو التشويق الذي يقوم عليه المعمار الفني للقصة القصيرة .
ويكفل الاستفهام الكشف عن النسيج النفسي الذي يتشكل في اللحظات التي تتصارع فيها النزوات والغرائز العدوانية مع منظومة القيم والمثل العليا ...هي لحظات الصراع بين " الهو و" الأنا الأعلى" في علم النفس كما يتبدى في مونولوج داخلي في حوار الشخصية مع نفسها ..تلك الشخصية التي ارتضت أن تراقب فتاة بريئة مقابل ثمن بخس يدفعه شخص آخر عابث مترف ، ولو أرهفنا السمع لهذا الصخب بين " الهو " و" الأنا الأعلى " (هل سينسيك هذا خسّتك عندما التقطّت محفظة ابنة جاسر التي وقعت منها ...، ثمّ وضعتها في جيبك كسارق محترف؟ أوَتعتقد أنّ ما جرى كان هيّناً؟ أوَ تدري حجم النكبة التي وقعت بتلك البريئة؟) (76 تاجر النقود) لأدركنا أن الاستفهام حمل إلينا صوت النفس التائبة التي تحاول التطهر من آثام نفس آثمة .
كما أن تقنية الاستفهام التي تتوسل بالمونولوج الداخلي في مجموعة " خطأ مطبعي " في الغالب ترصد ما يعتري الشخصية من ثنائيات نفسية ؛ انهيارُ الشخصية وتماسكُها ، ضعفُها وقوتُها ، قلقُها ويقينُها ، تفاؤلها ويأسُها ، كما في وصف القاصة لحال شخصية " عبد الحميد " الذي حار الأطباء في علاجه ..وتوفي بسبب أدوية لم يكن بحاجة لها ! كما في وصف القاصة : (خرج صامتاً كما اعتاد، ثمّ بدأت هواجسه المعتادة: وإن كان تشخيص الطبيبِ خطأً كمن سبقوه؟ أيُّ طبيب؟ ما بك يا عبد الحميد، الطبيب الذي خرجتَ من عيادته للتوّ! أتراها حكّة مزمنة لا سبب لها؟ وما حكاية السعال؟ ماذا بك يا عبد الحميد أنت أستاذ، ويجب أن يكون لديك قدرة على التفكير، كيف يكون مرضاً مزمناً ولا سبب له! أتراه جرباً؟) (خطأ مطبعي 87) وتسهم هذه الثنائيات النفسية إلى حفز المتلقي للبحث عن تفاصيل الحدث لمعرفة نتيجة " هواجس عبد الحميد " ، وهي النتيجة التي تشكل بؤرة السرد في القصة ، وبهذا يكون الاستفهام هو البيئة اللغوية التي ولد الحدث فيها ، ونما البناء الفني في حناياها .

3- تقنية التنبؤ
يتهافت نقاد القصة على تقسيم السارد إلى قسمين ؛ الأول : سارد جزئي المعرفة ، وهو الذي يكتفي بما تصرح به شخصيات القصة ، ويتشكل الحدث وفق ما تبوح به الشخصية . والثاني : سارد كلي المعرفة ، وهو الذي يدخل إلى أعماق الشخصية فيخبرنا بما تفكر به الشخصيات ، وما تتصف به من صفات نفسية داخلية . وهذان القسمان متوافران في البنية السردية لمجموعة " خطأ مطبعي " على غرار البناء السردي العام للقصة القصيرة .
أما الأمر اللافت في أسلوب السارد في مجموعة " خطأ مطبعي " أن القاصة إسراء كلش تميل في غير موضع إلى استخدام " لغة التنبؤ " أو " لغة الكشف المبكر " مما يجعل السارد في مواضع عدة ساردا (غَيْبيّ المعرفة ) ، فهو سارد عالم بما ستقوله الشخصيات ، وكاشف لأعماقها النفسية ، ومفصحا عن سلوكها المستقبلي . ولو تأملنا لغة التنبؤ على لسان الشخصية في سياق معرض فني تشكيلي من خلال مونولوج داخلي (إن امتدحتها سيقولون: إنّ الناقدة الصغيرة تتواضع أمام أعمال أستاذها الكبير، وإن لم أفعل سيقولون: إنّ الطالبة القديمة كبرت على أستاذها الأوّل) ( على هامش معرض الفنان الكبير13 ) لوجدنا أن لغة التنبؤ والكشف المبكر تجعل من تفكير المتلقي موزعا على مسارين ؛ مسار معلن وفق ما تحمله لغة التنبؤ من دلالات ، ومسار مضمر تتشكل دلالاته وفق ثقافة المتلقي ووعيه . كما أن لغة التنبؤ تنطوي على دلالات تعد مفصلا رئيسا في الخطاب الثقافي العام ؛ وذلك أن ثقافة توقع ما سيقوله الآخرون تعد عصبا نابضا في الحياة الاجتماعية . ولا شك أن لغة التنبؤ في " خطأ مطبعي " تهدف إلى وصف ثقافة التوقع وإثارتها .
ولا تقتصر وظيفة لغة التنبؤ على كشف الصفات النفسية ، ووصف سلوك الشخصية المستقبلي ، بل تمتد لتصف الملامح الجسدية التي تتشكل وفق البنية النفسية ، نحو وصف السارد العالم بما تضمره الشخصية والكاشف لسلوكها وانفعالها(سيقولُ لي لو أنّه التحق بجامعة القدس المفتوحة لأصبح الآن حائزاً على شهادة جامعيّة... وإن سألته: ألم تتزوج؟ سيقول: لماذا؟ لتعلن زوجتي خبر وفاتي؟ ثم سيبتسم ويجيب: لا أحد يعرفني غير بعض طلاب الجامعات الذين إن تخرّجوا لا أرى لوجوههم طيفاً في شارع المكتبة.) ( لقاء 25 )إن هذا المنحى السردي اللافت يمنح المتلقي مساحة للمقاربة وفضاء للمناظرة بين شخصيات نموذجية تشكلها بنية السرد ، وشخصيات واقعية تحيا خارج فضاء النص .
4- لغة الجسد
اللغة حصيلة تفاعلات نفسية وذهنية وفسيولوجية . وبعض التغيرات الفسيولوجية لا تظهر في عمليات التخاطب اللغوي ، وبعضها يتجلى في قسمات الوجه والتنغيم الصوتي وحركات بعض الأعضاء . وما يعنينا في هذا السياق لغة الجسد التي تعبر عن دلالات تعجز عنها اللغة نفسها في بعض المواقف . ويمكن تصنيف لغة الجسد في مجموعة " خطأ مطبعي " على النحو الآتي :

1- لغة العين :
لغة العيون من أبرز تجليات لغة الجسد لدى القاصة إسراء كلش. وفي تحليلنا للخطاب اللغوي المكتوب والمنطوق نستطيع الوصول إلى نتائج دقيقة مهما كانت درجة ترميزه أو تشفيره وذلك بوساطة تشريح البنية اللغوية العميقة ، ولكن قدراتنا ومهاراتنا تضعف في كثير من المواقف أمام البنية الدلالية العميقة للغة العيون . ولعل السؤال بالعين أبلغ من السؤال باللغة ؛ إذ إن النظر إلى موضع محدد يغني عن السؤال ، ويحمل دلالات لا تتوافر بلغة السؤال ونبرة الصوت ، نحو : (عندما سألني إذ هو ينظر إلى يدي، أجبت: إنني أضحيت أرملة) (لقاء 26 )، و (ثم خطفت نظرة إلى يدي واستدركت: آسفة "مزمزيل" ...) (الأخوات 45 ). كما تختزل حركات العينين من حيث ضيقها واتساعها واختلاف زاوية النظر حزمة من الدلالات .
ومن أكثر النظرات ترددا في قصص " خطأ مطبعي " نظرات " الحدج " ، وهي نظرات تختزل دلالات مكثفة ومتنوعة ؛ فالحدج أو التحديج في معاجم اللغة شدَّة النظر بعد رَوْعَةٍ وفَزْعَةٍ ، وحَدَجَهُ نظر إِليه نظراً يرتاب به الآخرُ ويستنكره .وقيل هو شدَّة النظر وحِدَّته يقال حَدَّجَهُ ببصره إِذا أَحَدَّ النظر إِليه . ومن شواهد التحديج في مجموعة خطأ مطبعي (وظلّ واقفاً جانبه يسترق، فحدَجهُ صاحبُ الورقة بغضب، فخجل ومضى. تساءلت العيون المجاورة: إذن سيكتبُ شيئاً مهماً.)(فكرة 33) ، (فحدجتها أختي التي كانت تجهز عروساً، ففكرتُ: لو ضحكتُ مثلها؟ هل أجرب؟ ستقول لي أمي: ما هذه السوقيّة؟) (الأخوات 46 ) (ثمّ تحدج عيونَ النساء والرجال المتحلّقين يقلّبون أكفهم حولها) (من حكايا نساء حينا 56 ) (قالت المعلمة: عندما كنتُ في الصف التاسع، حدجتني معلمتي بنظرة غاضبة جعلت عرقي يقطر على جبيني، فتناولتُ منديلاً ومسحته، ثم كسرتُ عيني وصمت. أما الآن، فلا يكفيني راتبي لشراء أربعين منديلاً، يمسحُ عرقي السائل على وجهي من أربعين نظرة ساخرة ووقحة تنظر إليّ، فكسرتُ عيني وتابعتُ شرح الدرس. ) (سماء مثقوبة 99 ) ...وهكذا تشكل النظرات وتجليات العين إشعاعا دلاليا يصعب حصره في قالب لغوي أو دلالي.
2- لغة الوجه
يختزل الوجه دلالات نفسية شتى ، تعبر عما يدور في الذهن ويمور في الوجدان ، ويكاد الوجه ينطق بوساطة أطياف لونه وتموجاته ، وانقباض العضلات واسترخائها ، وهو خطاب جسدي معلن يضمر خطابا لغويا يقتضي متلقيا بصيرا بالتغيرات الفسيولوجية التي تتجلى في قسمات الوجه ، كما في قولها : (وكيفَ لم أتحسس وجهي ألفَ مرّة، ذلك الذي سيغرق بالدماء الدافقة بالخجل، وكأنّك واقفٌ أمامي) ( مرايا 21 )
3- لغة اللمز والهمز
يشتمل الهمز واللمز على مساحة تعبيرية حركية واسعة بوساطة الرأس والعينين واللسان والشفة والشدق واليد وعضلات الوجه ، فالهُمَزَة بالعَيْن واللُّمَزَة باللِّسان أو عَكْسُه. و اللَّمْزُ : العيب في الوجه وأَصله الإِشارة بالعين والرأْس والشفة مع كلام خفي . ويمكن أن نتصور حركة الرأس في سياق الاستهزاء والاستهانة بأقدار الآخرين ، فقد يدل رفع الرأس عاليا مع شخوص البصر نحو الأفق البعيد على الضيق والتذمر ، ويدل الالتفات المتعمد يمينا أو يسارا على الاستهانة ، وهي دلالات تكمن في وصف الكاتبة (فبقينَ يتهامزنَ ويتلامزن ) ( محاولة ص 19 )

4- لغة الكفين
تختزل الكفّان عناقيد دلالية تتوزع على مساحة وجدانية ، ومن الصعب ربط الحركة الواحدة للكفين أو للأصابع بدلالة واحدة ، فقد تؤدي الحركة الواحدة للكفين دلالات شتى يحددها السياق أو المقام ، ولعل الاتساع الدلالي للغة الكفين يرتبط بالعلائق العصبية بين الكفين والدماغ ، وهو أمر يتجلى في قول الكاتبة (أطرقَ ووضع كفّه على رأسه متأملاً. تساءلت العيون المجاورة: فيمَ يفكّر؟ أيفكّر في شيء خطير؟ قبيح؟ عيب؟) (فكرة 33) . وترتبط حركة الكفين بعضو آخر كالأذن مثلا مما ينجم دلالة مختلفة ، نحو : (وأمسكت أذني بحركة -تبدو عاديّة- ترافقني إن تسارع قلبي في الخفقان ) ( على هامش معرض الفنان الكبير ص 13
5- التناص
رصدت بعض تشكيلات التناص في " خطأ مطبعي " ، وتمنيت -وأنا أتأمل شرفات النص السردي وزواياه القريبة والبعيدة - لو عثرت على مزيد من التشكيلات التناصية التي تحيل المتلقي إلى نص خارج النص السردي . وأزعم أن توظيف التناص في القصة القصيرة يحقق قصة مزدوجة ؛ واحدة سردية تتعالق مع تفاصيل حياتية خارج النص . وواحدة تتعالق مع تقنية السرد وما هو خارج فضاء السرد ، ومن البدهي أن هذه القصة المزدوجة تحتاج إلى متلق قادر على التفاعل مع النص السردي ، وقادر على امتصاص إحالات التناص .
ومن التشكيلات التناصية السردية تناص التراث الأدبي ، فقد استدعت القاصة شخصيتيّ شهرزاد وشهريار من حكايات " ألف ليلة وليلة " ، ولا يخفى أن حضور هاتين الشخصيتين يضفي على المتن السردي ظلالا حكائية مائزة تمنح المتلقي فضاء خياليا رحبا تملؤه الإثارة والغرابة ، ويوفر هذا الاستدعاء مقاربة بين السياق الحكائي لـ " ألف ليلة وليلة " والسياق السردي . وقد عمدت القاصة إلى إحداث انزياح زمني لافت في الإطار الزمني لألف ليلة وليلة بقولها : (قالت شهرزادُ للملك شهريار في الليلة الأولى قبل الألف... وقالت شهرزادُ للملك شهريار في الليلة الثانية بعد الألف ) (سماء مثقوبة 100 )
ومن المعلوم أن الزمن الانزياحي هو زمن افتراضي ؛ إذ لا وجود لليلة أولى قبل الألف ، ولا لليلة ثانية بعد الألف ، وعلى الرغم أن هذا الانزياح يمنح النص السردي إثارة زمنية إلا أن وظيفته السردية لا تتوقف على تخوم الدهشة والإثارة بل تمتد وظيفته لتستوعب الحدث في زمننا الحاضر ، وهو حدث لا يقل إثارة عن غرائب حكايات ألف ليلة وليلة . لنتأمل الحدث على لسان شهر زاد (وفي النهاية ألتمّ شمل "قمر الزمان" على حبيبته "بُدور"، وهمَّ بتقبيلها، لكنّها أعرضت بوجهها، عندما رأت سيارةً جديدةً تمر أمام حصان "قمر الزمان" الأبيض، وقد نزل منها شاب أثقلت يدَه رِزْمة مفاتيح، فنفخت "بُدور" بفمها هواء طيّرت به "قمر الزمان" الذي كان لا يمسك باللجام.) (سماء مثقوبة 100 ) . لا تخلو دلالات التناص من نقد لاذع لتجليات ثقافة المظهر التي تحكم العلاقات الاجتماعية بل والعاطفية أيضا ، فمظاهر الحياة في حياتنا لا تقل غرابة عن حكايات ألف ليلة وليلة بل تزيد عليها ، ولذلك أحدثت القاصة انزياحا زمنيا لتقول : إن عجائب اليوم لم تحدث في زمن حكايات شهرزاد .
ومن التراث الأدبي امتصاص الكاتبة لدلالات القصة الرمزية من " كليلة ودمنة " حينما أجرت حوارا بين الحيوانات يرمز إلى طائفة من الأمراض الاجتماعية التي تفسد رونق العلاقات الأخوية بين الناس ، كما في الحوار الآتي : (قال الحمار لأخيه البغل: لمَ تتصرف كالبرجوازيين يا أخي؟ ألأنَّ أمّك فرس؟ ألم نَعِش في المكان نفسه؟ وأكلنا من البرسيم ذاته؟ وعايشنا سوء الحال وذلّ السؤال؟ قال البغل لأخيه الحمار: بلى، لكنّك يا أخي صبور جداً؛ رضعتَ الصبر من أمك وورثته عن أبيك، أما أنا فأصبر، لكن أقول: للصبر حدود. (سماء مثقوبة 102 ) . يختزل التناص في الحوار الرمزي انسلاخ الفرد عن منظومة القيم التي أسهمت الجماعة في اختيارها ونموها ، وإنكاره للمستحقات الأخلاقية لجماعة كان بالأمس جزءا منها .و تكرار كلمة ( أخي ) في التناص الرمزي على لسان الحيوان يشكل تعريضا وتقريعا للإنسان الذي شوه ملامح الأخوة .
وفي مجموعة " خطأ مطبعي " تناص تاريخي سياسي مكثف بوساطة القصة التي جاءت موسومة بـ (المستعصم في بغداد من جديد) . ويكشف اختيار المستعصم عنوانا للقصة دون غيره من خلفاء بني العباس عن وعي تاريخي هادف ، فالمستعصم هو آخر خلفاء العباسيين في بغداد ، وبمقتله انتهى عصر الخلافة العباسية في بغداد .
ومن اليسير على المتلقي أن يربط تاريخيا وسياسيا بين مقتل المستعصم على يد المغول ، ومقتل الرئيس العراقي على يد الاحتلال الأمريكي ! ، وبخاصة أن طبيعة الأحداث التي أدت إلى سقوط بغداد بيد المغول تماثل الأحداث التي أدت إلى سقوط بغداد بيد الاحتلال الأمريكي ، فقد شهدت الحقبتان المتباعدتان زمنيا تماثلا في الأحداث من حيث الخيانة الداخلية وتفرق العسكر وتقاعسهم عن الدفاع عن بغداد . وفي القصة إشارات صريحة على خيانة العلقمي الذي كان وزيرا للخليفة ، فحينما نقرأ على لسان المعتصم: ( سأقول لهم إنّ وزير الشؤم العلقميّ -قبّح الله ذِكره وضيّق قبره وهوّل حشره – هو السبب في هذه المصيبة، وإنني ما راسلتُ التتار إلا بمشورته، وحلاوةِ لسانه وتزيينِه الأمرَ في عينيّ؛ لنحقنَ دماءَ المسلمين من خطر لا رادّ له، لعنه الله ذلك الرافضيّ الحاقد.) (المستعصم في بغداد من جديد113) وكأن النص السردي صفحة من التاريخ بشخوصه وأحداثه .
ويتجلى الربط بين اجتياح المغول واجتياح أمريكيا للعراق ، فقد ورد في القصة : (ثم سمع صوت انفجار قريب فامتقعَ وجهُه، وقرفص خلف أقدام الرجال، وسأل: التتار من جديد؟
- أجابوا: إنّهم فعلاً كالتتار أو أشد. من هم إذن؟ الأمريكان، وآخرون. عَجِب المستعصم وسأل: أهم صليبيّون؟ إنّهم الصليبيّون الجدد.)
وفي حنايا قصة المستعصم توظف القاصة تناصا دينيا بقولها : (ثمّ مرّ على قوم يبنون بيتاً صغيراً جدرانُه من الطين والزينكو إلى جانب أنقاضٍ مبعثرة، فوجد فيها جداراً يريد أن ينقضّ فأسرع وأقامه معهم، فشكروه... ) . يحيلنا المتن السردي إلى قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح في قوله تعالى : ((﴿-;- فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ﴾-;-(الكهف: 77( . وإذا أخذنا برأي بعض المفسرين أن العبد الصالح الذي رافق موسى عليه السلام هو الخضر فإن شخصية المعتصم تتحول من شخصية تاريخية حقيقية إلى شخصية " الخضر المثيرة للجدل ؛ إذ يضيف بعض الرواة والإخباريين ظلالا أسطورية على شخصية الخضر ، فيظهر في رسومات ومنحوتات راكبا حصانا وهو يطعن برمحه تنّينا مرعبا ، وهذه الصورة امتصتها القاصة لتقارب بين صورة التنين الذي تغلب عليه الخضر ، وصورة المغول - الأمريكان . ويصور الخطاب الثقافي العربي الخضر وليا أو قديسا يملك قوة خارقة على مواجهة المخاطر التي تهدد الإنسان ، ويرمز إلى انتصار الخير على الشر ، ويبشر بالقيامة والنصر .بعض الموسوعات العلمية وصفت شخصية " الخضر " بأنه شيخ الزهاد والمتعبدين ، ويقدر على التشكل بأشكال مختلفة ، وهو معمّر وخالد ( الموسوعة العربية الميسرة . م 2 ، ص 1046 ) . واستئناسا بهذه الرؤى وبصرف النظر عن صحتها فقد جاءت خاتمة القصة مناظرة لهذه الرؤى في وصف القاصة لشخصية المستعصم الذي تحول إلى رمز: (فنظر إليه الجميع بذهول، هتف أحدهم: يا لله! إنّه "صلاح الدّين" الجديد! وهتف آخر: بل "قُطز" الجديد! فردّ آخر: بل هو "السفاح" الجديد! فاختلفوا وتناحروا بالسكاكين والأيدي، فانطلق المستعصم ممسكاً بشقّ التمرة في معدته، ولحق به النّاس حيث اختفى.)
إن الجمع بين التناص التاريخي والديني ، وتحول شخصية المستعصم إلى شخصية " الخضر " يجعل التناص في القصة رمزا دالا على انتظار المخلص لينهي معاناة الإنسان . ويحول القصة من سياقها السياسي العراقي إلى سياق فلسطيني ، بل إلى سياق كوني ينشد الحرية والسلام .

6-النص الغائب ( الحذف )
كل نص مكتوب أو منطوق يتشكل من بنية دلالية سطحية وأخرى عميقة ، أما السطحية فهي ما يطفو على السطح من دلالات تتقافز إلى ذهن المتلقي ، وهي في الغالب دلالات خادعة غير مقصودة ، وقبولها والاكتفاء بها يفضي إلى وضع المتلقي في الهامش الدلالي . وأما العميقة فهي الدلالة المضمرة التي لا يقولها ظاهر النص ، فهي تحتاج إلى مهارة تفكيك الغلاف اللغوي ، والاستئناس بقرائن لفظية وسياقية . وهاتان البنيتان تشكلان الخطاب السردي للقصة القصيرة . ويغلب على قصص " خطأ مطبعي " البنية العميقة التي تحتاج- إضافة إلى ما سلف – إلى مهارات تأمل التقنيات السردية الحديثة .
ويتجاوز البناء السردي في " خطأ مطبعي" تقنية البنية العميقة إلى تقنية النص الغائب أو تقنية الحذف ، وهي التي أميل إلى تسميتها بـ " لغة البياض " التي تتجلى في غير قصة من المجموعة ، نحو بوح الشخصية في قولها : (كنتُ سعيدةً كالأخريات بخفّة يديك اللتين تلهوان بقطع الحلوى دون أن تسقطها، وتمنّيت أن ... .) ( حنين ص 17 ) إن الحذف الذي ورد بعد (تمنّيت أن ... .) يعد لغة مكثفة ومتوترة ومثيرة ، تمنح المتلقي مساحة تأمل وتوقع غير محدودة ... فلا شيء يحدد أفق التوقع اللامتناهي ، ولا شيء يكبح خيال المتلقي الذي يعبئ الفراغ وفق ثقافته وحاجاته النفسية ، بل وأمنياته الوجدانية ! .
وهذا الحذف أو النص الغائب هو "حضور حميم " لمتلق وجد فراغا سرديا لاحتقان نفسي . وهذه المساحة البيضاء في النص السردي تتحول إلى لوحة يشكلها المتلقي باللون الذي يريد .. إنها " قوس قزح " يظلل ذلك البياض في بنية السرد . وبناء عليه فإن لغة الحذف أو لغة البياض من أكثر أساليب التشويق والإثارة في القصة القصيرة التي أجادت إسراء كلش اختيار موضعها ، وتوقيتها في بنية الزمن السردي .
وتأتي لغة البياض مكثفة وعميقة حينما يتعدد المحذوف ، وتتعدد مرجعيات الضمائر التي تعود على المحذوف ، كقول الشخصية التي جلدت ذاتها ، وصمتت عن المحظور الاجتماعي بقولها : (أما أبي، فأنا ... إنّه ... هو ليس ... ولن يكون.) (الأخوات 48 ) في هذا النص ثلاث مساحات بيضاء ؛ الأولى : ( فأنا... ) نص مسكوت عنه يفتح شهوة التوقع ، ماذا يمكن أن تصف نفسها بعد سيل الصفات النابية التي وسمت نفسها بها أم أنها ستروض انفعالاتها الحادة ويتحول البوح إلى سكينة وطمأنينة ؟ . والثانية : ( إنه ... ) ، والضمير يعود إلى والدها ، ولغة البياض تشير إلى حزمة صفات تتوزع على ثنائية القسوة والرحمة . والثالثة : ( هو ليس ... ) التي تشكل فضاء يشكله المتلقي من مدارات وعيه الخاص أو من وعيه بالبنية العميقة للقصة .
7-اللغة الدارجة ( توابل اللغة الفصيحة )
يحرص البناء اللغوي في مجموعة " خطأ مطبعي " على الاستحقاقات التي يقتضيها الخطاب السردي في القصة القصيرة ، وبخاصة كثافة الإيحاء في الجمل القصيرة ، وتنوع الأساليب اللغوية وفق التموجات النفسية والتشكلات السياقية ، وسلاسة اللغة وانسيابها وتتابع إيقاعها بنسق لغوي لافت .
ويرتبط اختيار اللغة في المستويين الإفرادي والتركيبي بحزمة من الاعتبارات ، كالتناغم بين سياق الحدث والمستوى النفسي والثقافي للشخصيات ، ولهذا فإن استخدام بعض الألفاظ والتراكيب من " اللغة الدارجة " أو من " اللهجة العامية " يعد استحقاقا فنيا يقتضيه الخطاب السردي في بعض المواضع ، ولا يعد قدحا في لغة القصة ، بل إن أي محاولة استبدال لغوي تؤثر سلبا على السياق الدلالي والجينات النفسية للموقف . فحينما نقرأ الكلمة الشائعة ( بالفعل ) في قول الكاتبة (لكنّ تلك الرواية، بالفعل، كانت أجملَ ما قرأت) ( حكاية الرواية ص 15 ) وهي فصيحة الأصل لكن ألسنة العامة حولتها إلى لهجة عامية ، نجد أن أي مناظر لها لا يفي بالدلالة التي يقتضيها السياق . كذلك فإن التعبيرات الشعبية نحو : ("جو قديم".) ("حيّة من تحت تبن".) ( محاولة ص 19 ) تختزل من الدلالات ما تعجز عنه النظائر اللغوية الفصيحة . ومنها عبارة (عملت تحت يدي؟) في قول الكاتبة على لسان أحد الشخصيات (هي أولُ موظفةٍ سابقةٍ تزورني، كم موظفة عملت تحت يدي؟ آخ!) ( لقاء ص 25 ) .
ولم يقتصر استخدام بعض المفردات والتراكيب العامية على متن السرد ، فقد ظهر أحد العناوين بلهجة عامية لافتة وهو عنوان قصة ( ما لهمش كبير ) ، والمتأمل للتعالق الدلالي بين العنوان والبنية العميقة للقصة يجد أن العنوان على الرغم من إغراقه بالعامية ينهض بالأبعاد النفسية للشخصيات المتنافرة نفسيا وسلوكيا في القصة .
وأرى أن توظيف بعض الألفاظ العامية في العمل الإبداعي عامة يناظر ما اصطلح عليه النقاد في معاينتهم للغة الشعر وهو ما يُعرف بـ " الضرورات أو الضرائر في الشعر " ؛ فخروج الشاعر عن معايير اللغة لا يعد عجزا لغويا ، ولا يعد مراعاة للوزن العروضي كما يتوهم بعض النقاد ؛ وإنما الخروج عن اللغة في الشعر مرتبط بحاجة النص إلى كلمة دون غيرها من النظائر اللغوية الفصيحة ، وكذلك الأمر في لغة القصة التي تقتضي تعبيرا محددا لتحقيق اندغام نفسي ودلالي بين اللفظ المختار والسياق العام . ومن المفيد أن أنبه إلى أن الألفاظ والتراكيب العامية تعد انزياحا لغويا عن نمط مألوف وفق الرؤية الأسلوبية ، وهي أيضا أيقونات لغوية فاعلة وفق الرؤية السيميائية؛ لأنها تعد منبها بصريا وذهنيا لدلالة ما .