لماذا التهجّم على نساء العراق الآن ؟؟

مهند البراك
2015 / 9 / 20

منذ بدء احتجاجات الإصلاح الشبابية، برز الدور الفعّال للمرأة فيها وفق الواقع الإجتماعي لكل مدينة . . دفاعاً عن الشعب و حقوقه في حياة حرة كريمة و دفاعاً عن المرأة و حقوقها و كرامتها، و عن الطفولة و الأسرة، و دفاعاً عن الآلاف من النساء و الشابات و الصبايا الأيزيديات العراقيات، اللواتي اختطفن ظلماً من اسرهن و سيقن بوحشية الى اشد حالات الأسر و الإنحطاط السياسي و الأخلاقي ، و كسبايا يجري بيعهن علناً في اسواق رقيق انشأت لهذا الغرض تحت سمع العالم و بصره ! بل و في قلب العالم .
حيث اقترفت داعش جريمة كبرى و أمثولة خطيرة تهدد ليس العراق فحسب، بل كل المنطقة و العالم في القرن الحادي و العشرين، الذي وصل فيه العالم الى ذروات لا حدود لها في التكنيك و العلم و المعرفة و الإتصال، و في علوم تطوير الأمن و البيئة البشرية و الأنسان و مكافحة الأمراض و العلل، و غيرها من الإنجازات التي حققها و يشارك بها الرجال و النساء . .
فمنذ بدء الإحتجاجات . . استهدفت و تستهدف اوساط حاكمة المرأة العراقية بالهجوم عليها، للدور الذي تسجّله بحضورها في اشاعة روح الشجاعة و الحماس بين الجماهير الشعبية و عموم المجتمع، و لتصاعد دورها فيها كتفاً لكتف مع اخيها الرجل و خاصة في بغداد عند ساحة التحرير، كما تتناقل عدسات المراقبين و وكالات الأنباء المختلفة . .
وكونها خاصة في بغداد . . لجملة واسعة من العوامل التي لايتسع لذكرها المقال، عوامل لا علاقة لها برقي او تخلّف هذه المحافظة او تلك. فالمرأة تساهم ان ظُلمت او ظُلم اهلها و شعبها و قررت، فهي تساهم سواء بحجاب او برباط شعر او دونهما، و بملابس لا تمسّ الحياء العام و لم تمسّه الى اليوم، كما يحاول البعض الإدعاء و التباكي المنافق للنيل من المحتجين و المحتجات اللواتي يشاركن في كل انحاء البلاد.
و يذهب مسؤولون و من كتل حاكمة الى محاولة شقّ الصفوف بالتفريق بين نساء محافظة و اخرى و بينها و بين بغداد تحديداً، و يسعون لأحداث فجوة بين محجبات و لامحجبات و بربطات شعر و دونها. في توسلٍ لأية وسيلة قد تمكّنهم من انتزاع مشاركة المرأة في الحراك الجماهيري بمنظورهم القاصر التعيس، ضمن محاولات اوسع تجري لتجميدها الذي يعني تجميد نصف المجتمع من المشاركة في الحراك الشعبي الهائل الجاري، السند الحقيقي للعملية السياسية و اصلاحها و تطويرها.
و يرى مراقبون ان التهجّم يتصاعد بأشكال متنوعة لايحددها شئ ، وسط انواع التساؤلات عن معاني هذا التخبّط الحكومي لمسؤولين في الظروف الحرجة التي تمرّ بها البلاد، التي تتطلب وحدة الصف الوطني بكل مكوناته البشرية، باصلاح مايجري و الإستجابة لمطالب الجماهير لزيادة القدرة على مواجهة داعش و مواجهة اعتى المخططات الإجرامية الجارية، فيما يتساءل كثيرون عن معاني ذلك من مسؤولين و هم المتحدثون باحاديث مملة طويلة عن المصالحة بلا جدوى، بينما يسعون بكل طاقاتهم لتجميد و استعداء نصف المجتمع ؟؟
ناسين بأن الحركة النسائية العراقية و دور المرأة العراقية لايقلّ عن دور المرأة المصرية و التونسية و اللبنانية اللواتي شاركن بصنع الإنتفاضات التي اطاحت بدكتاتوريات تجبّرت لعقود في المنطقة، ان لم يزد عليها لترافق عنصر الوعي السياسي و الفكري الذي تبلور لدى المرأة العراقية في المشاركة الفعالة في النضال الشاق ضد الدكتاتورية الدموية و الحروب، و نضالاتها و تضحياتها الجسيمة بشهادة اعداد شهيداتها الخالدات، في سوح الاعدام و في المعتقلات البربرية و في جبال و سهول كردستان العراق، امّاً و اختاً و ابنة و زوجة و خطيبة . .
فالمرأة العراقية عربية و كردية و من كل الاديان و الطوائف و المكونات ساهمت بفاعلية نادرة في النضال من اجل التحرر و الديمقراطية، وفي وثبات و انتفاضات الشعب العراقي طيلة عقود، و قدّمت من اجل تلك الأهداف انواع التضحيات و كانت ضمن عشرات الآلاف ممن اقتيدوا الى مذابح الدكتاتورية و الى جرائم موتها الجماعي، و لاتزال ضحية من ضحايا مذابح الإرهابيين سويّة مع كل ابناء الشعب العزّل.
من ذلك و غيره و اثر مناقشات حامية و صراعات، ثبّت الدستور حقوقها التي لم يكتمل تسجيلها، الاّ ان الدستور ثبّت حقّها في الانتخابات و الترشيح لها و الترشيح لكل مناصب الدولة، و ثبّت حقها بنسب أُقرّت في مؤسسات الحكم وصولاً الى الكوتة . . اضافة الى حقّها بابداء الرأي و بالمشاركة بالفعاليات الشعبية و فعاليات المجتمع المدني، التي منها تعمل الأحزاب الإسلامية الحاكمة على اشراكها بفعالياتها الجماهيرية و ندواتها الموسعة، و منها تشارك في المسيرات الطقوسية . .
و يشير سياسيون و قانونيون الى ان احقاق حقوق المرأة ليس صدقة او رحمة من جهة ما، و انما هي قضية اساسية ـ و ليست ديكور ـ لتحرر و تمدّن المجتمع بأسره، و ان ما تستحقه من حقوق هو نتاج قرون طويلة من صراعات انسانية من اجل العدالة الإجتماعية و من اجل عائلة و طفولة سعيدة، ثبتت بنودها في العهود و المواثيق الدولية التي تجبر الدول على الالتزام بها.
و يلاحظ ان مسؤولين في كتل حاكمة ينسون او لايعرفون ان تحرر المرأة و نصرة قضاياها، يعني تحرر طاقة هائلة من شعبنا تدفع نحو الحداثة و التطور و التمدّن و الى التفاعل مع تطورات عالم اليوم في جعل بلداننا اكثر تحرراً و اكثر كسباً لدول العالم لدعمنا في معاركنا القاسية . .
و ان حصولها على مواقع فاعلة في المجتمع، مكسباً و تعزيزاً كبيراً للطاقات الثورية الخلاقة في المجتمع و دفعاً لعجلة تجديد حقيقي و اصلاح . . الأمر الذي قد يبدو انه صار يرعب الجهات الأكثر تطرفاً من احزاب الاسلام السياسي، التي وصلت الى مراكز القرار بتوازنات و دفع من مصالح متغيّرة لقوى اقليمية و دولية.
ان سعي الكتل المتأسلمة الى قضم و تغييب قوانين حقوق المرأة، لايعني الاّ انحيازاً اعمى الى (ذكورية المجتمع) و الى العودة الى العهود الحجرية و ازمنة الصيد . . واضافة الى التدهور الاخلاقي الذي حصل و يحصل على يد ميليشيات الاسلام السياسي المسلحة السنيّة و الشيعية و عصاباتها، و ممارساتها اللاخلاقية بحق المعارضين ـ وفق تقارير منظمات العفو الدولية ـ . .
و عودة صيغ الرقيق الابيض. . و صيغ و عقود (زواج المتعة) و (المسيار) و التبشير بها ـ و تقنين النشاط و العلاقات الاجتماعية العامة بين الجنسين ـ ، اضافة الى الفتوى المقرفة "جهاد النكاح" علناً و بكثافة متواصلة و باموال فلكية، و بصيغ مثيرة لغرائز شباب الجنسين على وجه الخصوص، و غيرها . . فانه لايعني الاّ التبشير بالعودة الى ماض سحيق، تثبت شهادات مواقع التواصل على الأقل ان البلاد تخلصت منه منذ زمان طويل . . فمن اجل الوقوف امام هذا التدهور و غيره الا يحق للمراة ان تشارك بفاعلية بالاحتجاجات الساعية الى الإصلاح و ايقاف تدهور البلاد و المجتمع ؟؟ و الا تستحق من الجماهير الشعبية و المسؤولين، كل الإحترام و التشجيع ؟؟

18 / 9 / 2015 ، مهند البراك