الإنسان بين الله والحاكم

ريم شطيح
2015 / 9 / 18

لعب الدين الدور الأهم على الإطلاق في حياة البشرية بعد ظهور الأديان السماوية الثلاث، وتأتي التبعية للدين وللأشخاص المُقدَّسين كعامل مُساعِد ودافِع مُقنِع للإنسان أن يكون له ربٌّ حاكمٌ على الأرض أيضاً ابتداءً من سلطة رجال الدين، إلى سلطة الحاكم أو الرئيس. ويخشى الناس الفِكر الديني والذي يختلف باختلاف المجتمعات؛ فللمجتمعات المُتطوِّرة مفهوم مختلِف للدين عن المفهوم الذي تتبنّاه المجتمعات المتخلِّفة، حيث أن الدين الواحد ليس واحداً في العالم بل يتبع المستوى الثقافي للمجتمع.


ارتبطَتْ التبعية للسلطات والحكام وتأليه الأشخاص بالتبعية للدين ومُمَثِّليه على الأرض وبالخضوع لله وطاعته بصورة الإنسان الخاطئ. حيث لم يكن البشر يوماً إلاّ خَطَأَة بحسب الكتب من اليوم الأول للإنسان؛ يسعون إلى المغفرة والتوبة وإرضاء الله بعِبادته و تقديم فروض الطاعة له واتّباع رسله وأنبيائه ومُمَثِّليه على الأرض. وكل هذا كان بسبب رغبة حواء معرفة ما وراء تلك الشجرة فيما لو أكلَتْ منها، وما هو سرّ المعرفة بين الخير الشر.


ولا شكّ أن هذه الرواية باختلاف مصادرها إلاّ أنّ معظم المراجع والكتب السماوية قد أجْمَعوا على هذه القصة وهي أنّ حواء/المرأة استدرجَتْ آدم/الرجل للأكل من تلك الشجرة التي حرَّمَها الله وبالتالي دفَعَتْه للمَعصية وكان هذا سبباً لوقوع الإنسان بالخطيئة ولاكتشاف سر معرفة الشر والخير.


ورغم أنّ بعض المُعتقَدات الدينية لا تصلح لكلّ الأزمنة؛ بل تتطوّر لتتناسب مع المعرفة والعلم، وتسقط معها الأفكار الخرافية. مع هذا، فإنّ تلك الرواية رغم التساؤلات الكثيرة في مدى صحّتِها ومَنطقِيّتِها؛ إلاّ أنها ما زالت العامل الأول في اعتبار الإنسان ساقِطاً، وإنّها في أغلبها تَخصّ المرأة بذلك القَدْر من الشر وتُعطي الرجل دور المُتلقّي والضحية، وفي كِلتَي الحالتين هما ساقطان في نظر الله لأنهما سعيا للمعرفة بغض النظر مَنْ أقنَع مَنْ للأكل من تلك الشجرة.


وإذا ما أمْعَنّا النظر في هذه الرواية نجد أنها معادلة لا يمكن أن تصلح وأن يكون الله عادلاً في آنٍ معاً. ولأنّ الديانة اليهودية كانت أول مَن نشر وروّج لهذه القصة، فبالنظر لها بحِيادية؛ نجد أنها ديانة عنصرية دنيوية بل ديانة بدائية لأنّ إله اليهود أولاً خاص باليهود فقط وهو ضد كل مَن هو غير يهودي، ثانياً لأنّ موقف هذه الديانة كان ينتقص كثيرا من قدر المرأة في قصة الخلق آدم وحواء.


وإذا ما نظرنا من زاوية أخرى، نرى أنه كان الأجدر بالمفكرّين والباحِثين أو حتى رجال الدين أن يَعتبِروا عمل آدم وحواء هذا بأكلهم من الشجرة اكتِساباً للمعرفة وبالتالي هو ارتفاعاً بالعقل والتفكير السليم وليس سقوطاً كما أرادَتْه الكتب أن يكون. وإنّ المرأة في هذه الحالة هي مُسبِّب للمعرفة والإرتقاء بالإنسان إلى مراحل التطور الفِكري والإنساني في اكتساب الحقيقة والنمو البشري الحضاري.


وبالأخذ بعين الإعتبار هذا التوصيف وهذه المعادلة مقارنةً مع الصبغة التي صبغوها للمرأة مند ظهور الأديان السماوية، نجد أنّ المرأة كانت سبباً للنهوض بالبشرية واستمراريتها وتمييز الإنسان عن الحيوان برغبة الأول للمعرفة والفصل بين الخير والشر، وليست وصمة عار على البشرية ودلالة للعِصيان والخطيئة. وإنّ الجنس بالتالي كان سبباً للحياة واستمرار البشرية وليس سبباً للموت والخطيئة.


من هنا يمكننا أن نستنتج المفاهيم الخاطئة التي بُنِيَتْ عليها نَمَطية معينة من التفكير لدى الكثير من الشعوب التي ما زالت تعاني تحت وطأة سيطرة الدين؛ فيأتي الخضوع للحاكم متلازِماً ومُرتبِطاً مع فكرة أن الإنسان خاطئ إذا ما خضع لهذه الأفكار فهو بهذا يُطيع الله كما أقْنعوه.


وتأتي الثورة الفرنسية خير مثال لضياع الإنسان بين الله ورجال الدين والحاكم، حيث قامت هذه الثورة ضد رجال الدين في القرن الثامن عشر، وكان الوضع مشابهاً نسبياً لِما هو الحال في الكثير من البلدان اليوم وأخصّ بها العربية؛ الدين يحكم وبإسم الكنيسة يتم السيطرة والتدخُّل في شؤون الدولة والفرد والمجتمع، وما كان من الإنسان الخاطئ أصلاً ـ كما أقْنعوه ـ إلاّ أن يخضع لهم حتى يرضي الله ورجال الدين والحاكم على حَدٍّ سَواء.


قامت الثورة الفرنسية ضدّ كل هذه المعتقدات والممارسات واستغلال حالة الإنسان الساعي لإرضاء الله من جهة ورجال الدين والحاكم من جهة أخرى. لقد استغلَّ رجال الدين الشعب وأقنعوه بالأفكار والمواعظ التي تخيّره بين الجنة أو القبول بوضعه البائس، ولعبوا دور اللعبة والدعاية الديماغوجية للعهد القديم لإقناع الشعب باتّباعه وعدم الثورة عليه. ومن أهم الأفكار التي استخدمها وسلّطها رجال الدين لتطويع الشعوب هي: [إنّ الثورة على الحاكم تعني الثورة على الله لأن مَلِك فرنسا هو ظل الله على الأرض].


كل هذا يدعونا لنفكّر كيف تَمَّ تصنيف الإنسان على أنه خاطئ، وكيفية نظرتِهِ لنفسه وعامل الخوف من الله/السلطة العليا بالمُطلَق، وإنّ التبعية الناجمة عن وضع الإنسان تجاه الله بهذا الشكل البائس والمهزوم قد ساهمتْ كثيراً بجعل الإنسان قابِلاً أكثر ومُتقبِّلاً لأنْ يكون تحت سيطرة الحاكم وتأليهه بصيغة تُقارِب العبودية، وبدخول الدين في كل شيء وعدم فصلِهِ عن شؤون الدولة والسياسة في الكثير من البلدان العربية إلى يومِنا هذا.


إنّ المهزوم لا يمكنه أن يقومَ بتغيير، وإنّ الله بمفهومه الكُلّي الخير والكُلّي المحبة لا يمكن أن يريد البشَر عبيداً أو أذلاّء؛ بل يكفي أن يكونَ الإنسانُ إنساناً، وأن يُمثِّل الله الكُلّي الخير على الأرض بأعماله وفِهمه للخير وبحثه عن المعرفة والتطور في سبيل الإرتقاء بالبشرية والنهوض بالحضارة الإنسانية.


من هنا، لا بُدَّ من إعادة صياغة وهيكلة للمفاهيم القائمة على الفِكر الديني بما يخصّ الإنسان عموماً والمرأة خصوصاً وقيمتهم و وجودههم على الأرض بصدَد بحثهم الدائم عن المعرفة والتطوير تِباعاً. وإنّ الثورة على أي ظلم؛ فكرة كانت أو حاكم هي حق طبيعي وصِحّي للإنسان، فضلاً عن أنّ الإنسان لن يتوقّف عن التمرُّد على مَن يحاولون تنميطه في قوالب جاهزة ان كان بإسم الله أو بإسم الحاكم رغم عروض تلك الجنة المَنشودة و وعيد جهنم. ولا بُدّ أيضاً بهذا من التأكيد على فصل الدين فصلاً تاماً عن السياسة والقانون من أجل حماية الإنسان والمجتمع والدين على حَدٍّ سَواء.


ريم شطيح - كاتبة وباحثة سورية

Author Reem Shetayh
لمتابعة الكاتبة، صفحتها على الفيس بوك
https://www.facebook.com/R.Reem.Shetayh