الشباب و الإصلاح و مواجهة داعش

مهند البراك
2015 / 9 / 13

يلعب الشباب ادواراً هامة في حياة الشعوب و خاصة في حياة شعوب العالم النامي و بالذات في البلدان التي يشكّل فيها الشباب من الجنسين النسبة السكانية الأكبر و منها بلداننا الشرق اوسطية. و لم يكن من المصادفات ان انتشرت شعارات عكست وحدة شباب العالم من مختلف القوميات و الأديان و المذاهب منذ مطلع سبعينات القرن الماضي كشعارات : " الشباب ضد الإستغلال" ، " الشباب يدينون الإمبريالية " ، " الشباب ضد الحرب و من اجل السلام " فالشباب رغم تنوع قومياتهم و مواقعهم الإجتماعية و معتقداتهم الفكرية و الايديولوجية و الإيمانية و اختلافها . . يشتركون بسمات الشباب و يتوحدون تحت رايات الوطن و من اجل حياة و مستقبل افضل.
و بالتالي يتوحدون بنشاطاتهم الكبيرة و مبادراتهم الشجاعة في مواجهة الأخطار التي تواجه البلاد بمجموعها، لوقوع العبء الأكبر عليهم سواء في الحرب او من اجل السلام، و من اجل الخبز و الحرية و الدولة الاكثر عدلاً . . وقد نشط شباب العراق بجنسيه و حاول و يحاول ان يكون طرفاً مهماً في تقرير مصير البلاد، رغم انواع المخططات و الأعمال التي اهملته و لم تبالِ بتطلعاته و مصائره، و هو يعيش المخاطر الكبرى التي احاقت و تحيق بالبلاد بأنواعها، التي واجهها و يواجهها بأنواع ردود الأفعال و المواقف و يزداد بها مراساً و وعياً . .
فحاول التصديّ لأنواع الإبتزاز و الحيل و المفاسد، بأنواع النشاطات المتفرقة في مدن البلاد التي ووجهت بالعنف و السجون، لتتجذّر أكثر و تتحدى الحكام الظالمين و بجموع اكبر، لتصل قمتها في ربيع عام 2011 ، حين ووجهت بالرصاص في رابعة النهار و تساقطت اعداد كبيرة من الشباب مضرجين بدمائهم الزكية من اجل الخبز و الحرية.
لتتواصل دورات احتجاجاته بمشاركات اوسع، شملت مختلف الاديان و المذاهب و المكونات احتجاجاً على حكم المالكي الفردي الطائفي الذي قاد البلاد الى مهالك، بسوء تصرفاته و قلة آهليته و بالبطانات الفاسدة المقربة منه، و البلاد عرضة لأنواع الارهاب الدموي الواسع و للنشاطات الارهابية لمنظمات القاعدة و ربيبتها داعش الإجرامية، فقاد بلاد النفط الثرية الى الدمار و الإفلاس و الى خسارة ثلث اراضيها على يد عصابات داعش الإجرامية.
و اليوم ينطلق الشباب بوثبة تتسع لتشمل البلاد بطولها و عرضها، جارّة الشعب بكل فئاته و مكوناته الدينية و الطائفية و الإثنية معها، للإصلاح و محاسبة الفاسدين الّذين خرّبوا البلاد بإسم الدين و باسم الطوائف، وهي منهم براء، متوجهاً بندائه الأقوى لمخاطبة اوسع الجماهير، بالحفاظ على الطابع السلمي للإحتجاجات . . من اجل تأمين الخدمات، محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، وتحقيق الاصلاح السياسي ومد الاصلاحات لتشمل السلطات الثلاث، و تحقيق المطالب الجماهيرية الأساسية في ضرب رؤوس الفساد واتخاذ خطوات جادة على طريق الاصلاح السياسي
وسط انواع الخطط للإيقاع بهذا الحراك الواسع ومحاولة التسلل إليه لدفعه باتجاهات معادية للعملية السياسية. كما يلمس كثيرون من التحرك القطري الذي لم يأت بمعزل عن تنسيق خليجي وموافقة امريكية. اضافة الى نشاط دوائر ايرانية لا تقف صراحة ضد الحراك ولكنها تحذر منه وتحاول اجهاضه او استيعابه.
وارتفعت بعض الأصوات مجدداً محذرة من التأثير السلبي للتظاهرات على المعركة ضد داعش، و كأنها لاتعرف ان الإصلاح هو العماد الأساسي لتشديد و تصعيد المعارك ضد داعش لتحقيق الإنتصار. فيما يحاول البعض تحويلها الى صراع بين مرجعية قم الداعية الى ولاية الفقيه، و مرجعية النجف العليا الداعية الى قيام الدولة المدنية و ضرب رؤوس الفساد بيد من حديد . .
فيما توسّعت المشاركات لتشمل : اضافة الى " المدنيون " من التيار المدني الديمقراطي من كل القوميات و التكوينات و الطوائف و جماهير المستقلين التي كسرت صمتها، مشاركة بعض القوى الإسلامية و خاصة اوساطها الفقيرة، و بشكل اخص من الصدريين و مجاميع واضحة من العصائب رغم وقوف عدد منها بالضد من المطالبات، اضافة الى مجموعات مستقلة ذات اتجاهات اسلامية، من مؤيدي نداءات مرجعية النجف العليا للسيد السيستاني. في مشاركات تتغيّر من يوم لأخر كماً و نوعاً . . وفق مصادر وثيقة من مجاميع الحراك الشعبي.
و يرى خبيرون ان هذا الاصطفاف لايقوم على أسس ايديولوجية، وانما على اسس مكافحة الفساد و رفع الحيف عن اوسع الأوساط الشعبية و معاناتها من الفقر و الجوع و البطالة و الإرهاب على الهوية الطائفية و الدينية، التي تعاني منها و تشترك بها اوسع اوساط الشباب التي يزداد حماسها برؤية بزوغ الأمل الذي يمكن ان ينقذها من مصير مظلم الى غد اسعد.
و يرى مراقبون ان تواصل الإحتجاجات لمدة تزيد عن الشهر اسفر عن تكوّن جبهتين : جبهة الإصلاح الذي دعت اليه المرجعية العليا في النجف و التي يتحرك بها السيد العبادي رئيس مجلس الوزراء وفق الصلاحيات الشرعية الممنوحة له و التي يؤاخذ عليه فيها تحرّكها البطئ الذي قد يهدد بإيقافها لتكالب انواع المعوقات عليه، رغم الدعم الشعبي الواسع المتزايد له الذي ابدته و تبديه كل فعاليات الحراك الشعبي لمحاولة فكّ الطوق عنه . .
و جبهة المتشددين الرافضين للإصلاح بأنواع الحجج من التذرّع المرائي بالدستور، الى التذرّع الكاذب بالحرب ضد داعش الإجرامية التي تتقاعس الحكومة حتى عن صرف رواتب مقاتلي الحشد الشعبي من اللامنتمين الى الأحزاب الحاكمة منذ تشكيله، رغم معاناتهم و انتصاراتهم في القتال ضد داعش . . التي يتحرّك فيها بشكل رئيسي، رئيس الوزراء السابق المالكي و عدد من قادة الحشد الشعبي، اضافة الى رؤوساء القضاء و الكتل المتنفذة الذين استفاقوا من الذهول الذي اصابهم بسبب الإحتجاجات و اجراءات الإصلاح الأولى، لبطء عملية الإصلاح.
من الذين يسعون لعرقلة تنفيذ حزم الإصلاح و التسويف بها و السعي لخلق حالة من اليأس بين صفوف ناشطي الإحتجاجات ليوقفوا احتجاجاتهم، و تسعى اوساط منها الى محاولات شق صفوف الحراك الشعبي بافتعال اسماء مجاميع قريبة و متداخلة باسماء المجاميع الأكثر نشاطاً لتقوم بنشاطات مخلّة تسئ الى سمعة و مكانة الحراك الشعبي او لتقوم بتعليق مشاركتها، الى السعي لأعمال الإرهاب و الإغتيالات بحق الناشطين البارزين منهم . . في محاولة يائسة لإجهاض الحراك الشعبي الذي يتوسع و يتواصل في كل انحاء البلاد، الذي ان خفّ يوماً في مدينة فأنه يزداد قوة و عنفواناً في مدينة اخرى، حاملاً مشاعل الأمل للشباب و لعموم الشعب باطيافه القومية و الدينية و الطائفية و التكوينية، من اجل الخبز و الحرية و الدولة المدنية .

12 / 9 / 2015 ، مهند البراك