بي بي سي وتحيزاتها ل-ملكية مصر-

محمود عبد الرحيم
2015 / 9 / 8

"بي بي سي" وتحيزاتها ل"ملكية مصر"

*محمود عبد الرحيم:
تقرير الزميل عطية نبيل بقناة بي بي سي حول " الحنين للملكية في مصر" مثير للجدل، وإن كان جيدا من الناحية الشكلية، سواء ما يتعلق بالإيقاع السريع أو استضافة أكثر من صوت (عينة من الشارع ومتحدث باسم ابن الملك المخلوع, قائمون على صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي تدعم فكرة ان الملكية كانت حقبة افضل، وكاتبة صحفية يسارية)، ومحاولة تفسير سبب الاهتمام بهذه الفترة التاريخية، غير أني متحفظ بشدة على المضمون وعلى التحيز وأخطاء في التوصيفات.
فالتحيز يأتي من المساحة المعطاءة لمؤيدي الملكية على حساب المعارضين لها، ومن وجود أكثر من صوت مؤيد، وصوت واحد معارض، وفي تجاهل صوت أنصار الجمهورية أو بالأحرى أبناء ثورة يوليو وكوادر الناصرية، والأهم من ذلك لم يكن ثمة صوت محايد يتمثل في مؤرخ تاريخي يقوم بعمل تقييم موضوعي لهذه الفترة الجدلية، علاوة على توصيف الكاتبة فريدة النقاش أنها ناصرية في حين أنها شيوعية، ولها أيضا موقف من ثورة يوليو، ولكن من منظور آخر، ولتحيزات أخرى غير تحيزات الملكيين.
وهذا التحيز أو عدم الموضوعية في المعالجة تكرر في الأستديو، حيث قامت الزميلة رشا قنديل باستضافة المتحدث باسم عائلة الملك الفاسد المخلوع فاروق في مقابل منسق جبهة الدولة المدنية، وهو المصطلح الذي يشير لدولة غير عسكرية ولا دينية، من منطلق خاطئ أيضا يفترض أن ثورة يوليو ما زالت تحكم، وأن حكمها كان عسكريا، في حين أن
ثورة يوليو انتهت برحيل ناصر، وتوجهات من جاءوا بعده مناقضة تماما بل ومعادية، ثم أنها كانت مرحلة يتم تصنفها بالمدنية المعززة بالقبول الشعبي غير المسبوق، لأن ناصر قاد ثورة من شباب ينتمون للمؤسسة العسكرية نعم، لكنهم كانوا منضوين في حركات سياسية واستغلوا الظرف التاريخي ووضعهم المهني في تحقيق حلم المصريين الذي فشل فيه من قبلهم، وحظوا بتأييد شعبي حقيقي وواسع، ثم خلال سنوات قليلة تم حل مجلس قيادة الثورة وحكم ناصر بارادة شعبية وبحكومة من التكنوقراط.
وهو ما لم يظهر في الاستديو كما في التقرير لانه لم يتم الاتيان بصوت معبر عن ثورة يوليو وانحيازاتها في مواجهة التشويه التاريخي وادانة غير مباشرة للمرحلة الناصرية وتبرئة حقبة الاستعباد والفساد والاحتلال، حيث كان الشعب ذليلا ومهانا لا يملك من امره شيئا ويتحكم في مصر البلاد الخارج وعصابة القصر وبعض الاقطاعيين ونخبة في معظمها تلعب مع المحتل أو الملك الفاسد.
وأيضا اختفى صوت مؤرخ موضوعي في الأستديو كما في التقرير وهو ما يطرح علامة استفهام كبيرة.
ثم أن فتح هذا الملف استنادا على صفحة تواصل اجتماعي غير موضوعي، حيث أن الانضمام لصفحة علي الفيسبوك أو الاعجاب بها، لا يعني وجود توجه مؤيد للملكية أو حنين لهذه الحقبة، فالكل يعرف أن البعض ربما يدخل هذه الصفحات لتصفح صورة براقة لجمال القاهرة ونظافتها أو من باب الفضول.
وهذه تقليعة تحدث كل فترة، وليست بالشئ الجديد، مرة قادها احمد المسلماني بحثا عن دور تحت مسمى "المؤرخون الجدد" أو اعادة كتابة التاريخ، وأيضا لميس جابر المتقلبة في المواقف والانتماءات.
ومحاولة تفسير الحنين استنادا أن الاوضاع سيئة، فالناس تذهب لحقب اكثر عدلا وراحة ايضا تصور فيه مغالطات كبيرة، حيث ان الوضع الراهن لا يختلف كثيرا عن وضع ما قبل ثورة يوليو حيث الفساد والاستبداد والتبعية ووجود عصابة تسيطر علي الحكم على غير الرضاء الشعبي تابعة للخارج وطبقية تناهض حق غالبية الشعب من الفقراء والمهمشين في حياة كريمة، واحزاب ونخب فاسدة تتربح من خدمة اجندات خارجية أو اللعب مع القصر الجديد، واقطاعيون جددون يزدادون غنا في مقابل ازداد ملايين المصريين فقرا ودولة بمؤسسات هشة ضعيفة.
ثم أن ثورة يوليو التي توجه لها الاسهم بشكل مباشر وغير مباشر تم ضربها وتصفيتها بوصول السادات واعلانه ما يسمى بثورة التصحيح أو الثورة المضادة التى عبرت عن نفسها بوضوح في مناهضة ثورة يوليو وانحيازاتها بكامب ديفيد ورهن الارادة الوطنية لواشنطن وتل أبيب، والانفتاح الاقتصادي اي فتح الباب للرأسمالية المستغلة الفاسدة.
*كاتب صحفي مصري
Email:mahmoudreheem@hotmail.com