لِنَكُن أكثر جرأةً على التنوير !

يحيى علوان
2015 / 9 / 6

في العيد الثمانين للصحافة الشيوعية


لنكن أكثرَ جُـرأةً علـى التنويـر !*



الرفيقات والرفاق العاملون في "طريق الشعب"وبقية إعلام الحزب الشيوعي العراقي ،
أشكرُ لكم رسالتكم .. أهنئكم ، ونفسي ، بهذه الذكرى العزيزة . فقد كانت حافزاً لضخِّ
مزيد من دم الحيوية في عروقي ،لأنتشي ـ ولو مؤقتاً ـ وسط خراب عميم يرزح فيه
الوطن والناس ، منذ همجية النظام البائد وما نجم عنه من "تحرير" البلاد أمريكانياً ...
وإنْ كنتم قد أسميتموه " تحريراً على يدِ قوّات التحالف الدولي "، في حين أنَّ الأمم
المتحدة ، نفسها ، وحتى عبد العزيز الحكيم ، سَموّه إحتلالاً أمريكياً ... والحبلُ على الجرّار !

بدايةُ مسيرتي مع الصحافة الشيوعية ، ترجعُ إلى عام 1970 ، حينَ إنتُدبتُ للعملِ مترجماً في
مجلة قضايا السلم والإشتراكية "الوقت" ، في العاصمة التشيكية ـ براغ ـ .. وطالما أننا بصدد
الذكرى الـ 80 للصحافة الشيوعية في العراق ، فلنبدأ وأياكم منها .
حين صدَرَت " الفكر الجديد" عام 1972 ، كنتُ حينها في لايبزك بألمانيا الديمقراطية ، تقَرَّرَ تشكيلُ مكتبٍ صحفيٍ هناك
لرفد الصحيفة بالمواد المختلفة . أنيطت مسؤولية المكتب بالرفيق والمربّي الفذ ، الفقيد د. صفاء الحافظ ، ضمَّ المكتب في
عضويته الرفاق ممتاز كريدي ، زهدي الداوودي وكاتب السطور . وكان المكتب آنذاك من أنشط المكاتب الصحفية في الخارج .

في صيف 1973 أخبرني الرفيق آراخاجادور، هاتفياً ، أنه تم الإتفاق مع البعث على إلغاء المحكوميات الغيابية ... وأن
" طريق الشعب " ستصدر علنية قريباً . لذلك يمكنني تهيئة نفسي للعودة والمساهمة ... إلخ

.................................

وصلتُ بغداد بعد ثلاثة أيام على الإنقلاب الفاشي في شيلي ، الذي سمعنا به ونحن في تركيا . وصلتُ برّاً ، صحبة الرفيق النقابي
البصري ـ كاظم معتوك ـ كان حينها في درزدن ـ بألمانيا الديمقراطية ـ للعلاج مما لحقَ بظهره من تعذيب ، خلال " بغي الثورات "
ـ كما كان يسميها الرفيق الراحل زكي خيري ردّاًً على ما درَجَ إعلام البعث على تسمية الإنقلاب الدموي عام 1963 بـ"عروس الثورات"! ـ

لم أكن أعرف عنوان " الفكر الجديد "، الذي كانَ حينها مقراًً لقيادة الحزب أيضاً . توجّهتُ إلى ما كنتُ
إختزنته في ذاكرتي ، مكتب " الثقافة الجديدة " الكائن في الباب الشرقي .. رحَّبَ بي حينها الرفيقان
أبو شروق ـ ألفريد سمعان ـ له العمر المديد ، والرفيق الراحل أبو كاطع ، الذي أوصلني إلى " الفكر الجديد" ،
في زقاقٍ يتفرّعُ من شارع السعدون ، جهةَ اليسار ، نحو البتّاويين .
دخلتُ مع حقائبي ، ( ذلك أنني لم اكُن قد إتصلتُ بعدُ بعائلتي لأخبرهم بوصولي ) ،غرفةً صغيرة نسبياً . كان فيها
الرفيقان كريم أحمد وآرا خاجادور .. رحّبا بي .. ثم قال ر. أبوسليم (كريم أحمد ) ضاحكاً " شَكو جاي عدنا .. روح بابا ،
روح .. رزاق ينتطرك !" كان يقصد ر.عبد الرزاق الصافي ـ رئيس تحرير "طريق الشعب " آنذاك . بعدَ دقائق كنتُ مع حقائبي
في مطبعة الروَاد عند" القصر الأبيض". في الإستعلامات إستقبلني ر. عبد الرزاق الصافي ـ أبو مخلص ـ معانقاً ، قالَ :" الله جابك !
خَلّي الجُنط مالتك هنا يم ر. أبو مكسيم ( عامل البدّالة والإستعلامات ) تعال ، أعرفك على الملحق الصحفي مالكم ـ يقصد ، مازحاً كعادته ،
الملحق الصحفي بسفارة ألمانيا الديقراطية ـ إثنيناتنا إنكليزيتنا تُشُرُكْ ـ ضعيفة ـ جاب جريدتهم ، كل اللي فهمت منه ، كُلِّش مهم ومُستعجل ..
يرحم والديك ، متشوف إلنه شنو القصة .. تعال ، مكانك يم رشدي وأبو حميد ـ عبد المجيد الونداوي ـ؟!"

قُلتُ قبلَ أنْ أشرَع بأيِّ عمَلٍ ، أَعطني بضعَ ساعاتٍ أسوحُ فيها في منابع الذكرى الأثيرة لدَيَّ ... أَنْ
أَقطَعَ شارع الرشيد [ حوَّله الهَمَجُ إلى محلٍّ للنفاايات وخرائب بناياتٍ ، في حين أنَّ آباءهم الروحيين
إكتفوا بتبديلِ" خيابانِ بهلوي " إلى " خيابان وَلي عصر"، فبقي أبهى شارعٍ ليس في طهران
وحدها ..!!] أقطع الشارع من " الباب الشرقي" ، حتى " باب المُعَظَّم" مشياً .. ومن هناك أركبُ إلى الكاظمية ،
إلى "باب قر يش" من الصحن الكاظمي ، حيث بيتُ جََدّي ـ عبد الصاحب ـ وملاعب الطفولة وشقاوتها...
وافقَ ، وإنْ خايلَ نظرَه شيءٌ من الإستغراب ...

أرَدتُ بدافَعٍ لَمْ أكُنْ واعياً له ، وقتها ، أنْ أسوحَ .. أَسترجعَ صُوَرَ الأشياءِ والأمكنة ، التي غابَتْْ ،
أو غِبتُ عنها .. أستَرِدُّ فضاءاتها ، دونَ " ضمانٍ " أَنْ لا ترتخي إنشوطة الدمع ...

عُدتُ عصراً إلى "طريق الشعب ". تبيَّنَ لي أن الأمرَ يتعلَّقُ بأولِ بيانٍ يصدُرُ عن الحزب الشيوعي التشيلي
بعد إنقلابِ السي .آي.إيه ضدَّ حكومة سلفادور ألليندي .. البيانُ كانَ صفحةً كاملةً في جريدة " نويَس دويتشلاند "
.. موقعاً من قبل ر. فالوديا تيتلبويم (عضو م.س وأحد أهم مثقفي الحزب ، نجا صدفة ، إذ كان وقتَ الإنقلاب في جولة
بأوربا لحشد الدعم لحكومة ألليندي). قيلَ لرشدي العامل أَنْ يتركني وحيداً ... في الغرفة ـ الكابينة ، كي أُنجز الترجمة بأسرع وقتٍ ممكن .
جوارنا كان الرفيق غانم حمدون ينتظر فراغي من الترجمة ، لتدقيقها سوية مع الراحل الروائي غائب طعمة فرمان ، الذي سيعُجَبُ لاحقاً ،
في رسالةٍ أعدَّها ليبعثها لي بعدَ عودتي من " كردستان " عام 1988 وإطلاعه على بعض نصوصي ، سيعجبُ بـ "اللغة " التي أَستخدمها ...
( أحتفظ بالرسالة ، وبخط يده ، أَنقذها ـ بعد رحيل غائب ـ الصديق والرفيق الراحل سعود الناصري)
.
كانت "طريق الشعب" أول مطبوع باللغة العربية ، ينفرد بنشر البيان / الوثيقة .. وعنها سيجري الإقتباس لاحقاً في الكتابات ، التي تمسُّ
الموضوع في الكتب والدوريات العربية .. بالإشارة إلى " ترجمة طريق الشعب " .
منذُ ذلكَ اليوم ، غدوتُ مُتفرغاً ، كليةً ، للعمل الحزبي والصحفي ، إلى الحدِِّ الذي سكنتُ في مقر الجريدة ،
وليس مع أهلي في الكاظمية ، حتى وفاة والدي عام 1976 .


* * *

على ذِكر النزاهة والفساد ، المفردتان الأكثر تضخماً ( Inflationary ) في التداول بالشأنِ
السياسي العراقي اليوم !! بداية عام 1974 عيَّنتْ وكالة نوفوستي للأنباء تشيمودين مديراً
لمكتبها في بغداد . من ضمن مهمات هكذا شخص أن يقيمَ أحسنَ العلاقات مع الجهات الإعلامية
في البلد ، الذي يعمل فيه ، لترويج ونشر أكبرعدد ممكن من مواد الوكالة .. إلخ مرّةً جاء إلى مقرِّ
الجريدة ، في القصر الأبيض .. صعد الدرج المؤدي إلى غرف التحرير ، كان الوقت ظهراً . لمْ يكن
هناك أحدٌ سوى رئيس التحرير ، كانت غرفته في آخر الممر ، وفي غرفة المصممين كان الرفيق
محمود حَمَدْ ، وفي غرفة" شؤون عربية ودولية" كنتُ وحيداً بعد أن خَرجَ الباقون ( عبد المجيد الونداوي ،
رشدي العامل وفالح عبد الجبّار) . أقولُ صعدَ تشيمودين يحمل صندوقاً بدا ثقيلاً ، وضعه على طاولتي وناولني
، نشرة خاصة من "نوفوستي" قال: "الصندوق لك إنْ نشَرتَ مادةً معينة ( لا أتذكرها الآن) غداً . الصندوق كان
مليئاً بقناني الفودكا الروسية . مزموم الشفتين ، تركته واقفاً ، نهضتُ وتوجهتُ إلى رئيس التحرير .. أخبرته بما
فعل تشيمودين معي . على غير عادته ، إنتفض "أبو مخلص" مسرعاً إلى غرفتنا ، حيث كان تشيمودين ينتظر عودتي ،
تناول َ أبو مخلص صندوقَ الفودكا ، وضعه على صدر تشيمودين وسحبه إلى الدرج مودعاُ(كي لا أقول طارداً) قال له
:" هذه الطريقة يمكنك إستخدامها في أماكن أخرى ، ليس في طريق الشعب .. نحن رفاق .. نقرِّر متى نشاء وأية مادة ننشرها ...
ولسنا بحاجة إلى فودكا أو أي شيء .." كانت نبرته حادة عكست إنزعاجه الشديد من صفاقة مدير مكتب نوفوستي في بغداد . م
وقفٌ أنعشني وأثلجَ صدري ، ذلك أنني أعرفُ بوجود بعض الرفاق في قيادة الحزب ، من الذين ما كانوا سيجرأون على موقفٍ كهذا
"إحتراماً للرفاق السوفيت .. كذا!!"

* * *

في ربيع عام 1978 ، كانت حملة البعث ضدنا قد أخذت شكلها المفضوح بأعدام كوكبة من الرفاق
بتهمة العمل في الجيش ..إلخ ، ذات ليلة كنتُ فيها المحرر الخفر، في حوالي الساعة العاشرة ليلاً
فوجئتُ بزيارة الرفيق عزيز محمد - سكرتير الحزب آنذاك – سألني عمّا سيكون في الصفحة الأولى
وأهم موادها ، قلتُ له أن الجريدة على وشك الجاهزية للطباعة ، لكنني أنوي حشرَ خبرٍ مهم عن
السلفادور ، حيث قامت السلطات هناك بحملة إعتقالات ضد المناضلين ... وأطلعته على صياغتي
للخبر ، قال لي :" نعم رفيق ، عاشت إيدك ، خليه بالصفحة الأولى ، شبَك وبالأحمر ، إذا ممكن ..
خلّي الناس تعرف شديسوّون السَفَلة بالمناضلين .. إحنه مهمتنا تنوير الناس .. مو هيجي؟! وغمزني
مبتسماًً ".

خلال تلكَ الفترة من تكثيف حملة البعث ضدنا ، إزدادَ التضييق على "طريق الشعب"، إستُخدمت فيه
وكالة الأنباء العراقية (واع) ... إذ كانت تؤخِّر،عن عمدٍ ، بثَّ الأخبار والتقارير " البروتوكولية "
ـ أخبار البكر وصدام .. ـ التي كان لزاما على الصحف نشرها على الصفحة الأولى مع صورة مما تُهيؤه (واع)،
في حين تُرسل مبكراً إلى جريدتي "الثورة" و"الجمهورية"، وبخلاف ذلك كان طارق عزيز ومكتبه بوزارة الإعلام ،
نشطاء في متابعة ما تنشره أولا تنشره " طريق الشعب"!
خلالً ذلك التوتر ، كان الجدلُ يتصاعد داخل قيادة الحزب والمكتب السياسي ، الذي قرَّرَ إنتداب مهدي الحافظ ـ عضو ل.م
وسكرتارية الجبهة ـ إلى عضوية هيئة التحرير ليكون "ضماناً ضدَّ أي شَطَطٍ تقوم به الجريدة فيستفِزَّ الحلفاء ..كذا!!"
فقد كانَ "البعضُ " يرى في "طريق الشعب " غيرَ "جبهويّة بما يكفي .. " مِمّا تَسبّبَ في إحراجات لقيادة الحزب ...كذا
مثلُ هذا الرأي بقيَ ، حتى بعدَ إغلاق الجريدة وبلوغ الحملةِ ضدنا ذروتها عام 1979 . في أيلولَ من نفس العام زارَ مهدي الحافظ
برلين الشرقية ، فـ "حَجَّتْ " له في فندق " شتات برلين " الشهير ، كُلُّ لجنةِ تنظيم ألمانيا ، حتى مَنْ لَمْ يكنْ عضواً فيها، كان متدرباً
سيلتحقُ بها لاحقاً ـ إلاّيَ ـ . أخبرهم الحافظ "أنَّ الإمكانية متوفرةٌ للعودة إلى التحالف مع البعث ، لو أننا قَلَّلنا من التزَمُّتِ ..!!"
هذا ما نقلته لي رفيقةٌ في اللجنة ، التي كنتُ عضواً فيها .. وأضافَتْ أَنَّ أبي خيّأمَ( مهدي الحافظ) سألَ عن سبب عدم حضورك بقوله
" يحيى بعده خشمه يابس ؟! .. قُلتُ لها "هو في زيارة شخصية ، وليست حزبية رسمية ..."!!
في الإجتماع اللاحق للجنة تبنّى الكُلُّ ، إلاَّ كاتب السطور، موقف مهدي الحافظ !!

أعود إلى ربيع عام 1978 ، أقولُ ضمن تلك الأجواء كان يجري التعرُّضُ لسائقي السيارات ، التي تنقل الجريدة إلى المحافظات خارج بغداد ،
لعرقلة إيصال الجريدة إليها ، كانَ من بينها ما تعَرّضَ له ر. محمد( أبو ثائر) ، في الحبيبية ـ عند أطراف بغداد ـ عادَ بعدها إلى المطبعة
مُدمّىً ، مليئا بالكَدَمات الزُرق... إثرَ ذلك ونظراً لشكوى الرفاق والموزعين ، قرّرَت هيئة تحرير الجريدة ، سوية مع إدارة "دار الرّواد" أن
ينتهي العمل في التحرير الساعة التاسعة ليلاً ، كي تبدأ الطباعة في العاشرة مساءً ، في كلِّ الأحوال . وفي الحالات "الإستثنائية " تجري
إستشارة رئيس التحرير أو مدير التحرير... في تلك الأجواء صَدَرت قائمة بمنع السفر إلى الخارج تضمُّ ثلاثين من مثقفي الحزب ، يحضرني
من بينهم زهير الجزائري ، فاطمة المحسن ، فالح عبد الجبار، نبيل ياسين ... وكاتب السطور. ولم تشفع لي ولفالح عضويتنا في لجنة العلاقات
الخارجية بنقابة الصحفيين ، التي كان يرأسها ضياء حسن .. !
كُلِّفَ الرفيق مكرَّم الطالباني بمتابعة الأمر مع طارق عزيز. إلاّ أن الأخير أخبره بأنَّ الأمرَ خارجٌ عن صلاحياته ...
يمكن لعامر عبد الله أنْ يتدخّل لدى البكر أو بالأحرى لدى صدام حسين ... فلم تفلح المحاولة ! إذ عادَ ر. عامر عبد الله
يومها إلى الجريدة لتبليغ هيئة التحرير بنتائج محاولته .. إلتقيته صدفةً عند السُلَّم نحو غُرَفِ التحرير في الطابق الأول من
مبنى الجريدة في شارع السعدون ، كانَ مُمتعضاُ ومهموماً ، أشارَ لي بكفٍّ مضمومةٍ وإبهامٍ نحو الأسفل .. أَنْ فَشِلَتْ المهمَّة ..!!

في يومٍ من أيام أيار / مايو من عام 1978 ـ كنتُ فيه المحرّر الخفر أيضاً ـ فاجأتنا(واع) ، في ساعة متأخرة ببثِّ تقرير عن زيارة
لصدام لأحدى المؤسسات وحديثه المُطوَّل ، وفيه غمزٌٌ واضح ضدَّنا .. عملياً لو أردت أخذ تقرير الوكالة ، لكانَ عليَّ أن أَقْلبَ الجريدة وأُلغي
صفحة كاملةً ، على أقَلِّ تقدير.. إتصلتُ برئيس التحرير ومدير لتحرير عدة مرّاتٍ ولم أفلح . كان الوقت متأخراً جداً. إذ كانت السيارات
تنتظر لنقل الجريدة ، ولم نكن قد بدأنا الطباعة . قرَّرتُ نشرَ خبر مطوَّل فقط بدون صورة... كي أتحاشى تعريض صدّام بنا ! وقّعتُ النسخة
، التي جهّزتها للمطبعة .. وكنتُ بين نارين .. أنْ تتأخَّرَ طباعة الجريدة وأتحمّلَ الإنتقاد والملامة ، أو أنْ أنقلَ ما بثّته (واع)، وهو ما كان يمثله ا
لبعض في قيادة الحزب وهيئة التحرير بحجة " خلّي عليه واع وخلّصنه من شرهم ! "، وهو ما فعلناه غير مرة . لكن ليس في ما يتعرَّضُ لنا بالتجريح
والتعريضٌ ... فننشره في جريدتنا . كانت محاولة مفضوحة من جانب البعث لتركيع الحزب وإذلاله أمام الجمهور، بأجباره على أن ينشر
في صحيفته ما لايليق بسياسته وتأريخه .
..................................................
..................................................

وصلتُ البيتَ فجراً . ولمَّاعدتُ إلى مكاتب الجريدة ضحى اليوم التالي ، وجدتُ في لوحة الإعلانات
إنذاراً موجهاً إلى يحيى علوان وغرامةً مالية بعشرة دنانير،"لتصرُّفه بشكلٍ فرديٍّ "؟! ممتعضاً سألتُ حينها
ماجد عبد الرضا ـ كانَ عضواً في هيئة التحريرـ عن مغزى ذلك . فقالَ لي بابتسامةٍ عريضة :
" لايهمكِ ، إنه للبعث ..علَّقناه في لوحة الإعلانات ، كي يصل إلى وزارة الإعلام . فهناكَ من سينقل الخبرَ
إليهم اليوم " ، وأشارِ غامزاً إلى غرفة قسم " التحقياقات والمحلَيات "ـ حيثُ كانَ أحدُ العاملينَ فيه مُستخدماً
في وزارة الإعلام وتحومُ حوله شكوكً كثيرة ..! قلتُ له " جعلتموني ، إذاً ،كبش فداء ، ولقمةً سائغة للأمن
والإستخبارات" كي لا يتعكَّر مزاج الحلفاء"!! . ردَّ عليَّ ضاحكاً:"إذا كانَ الأمر يتعلَّق بالعشرة دنانير سأعطيها لك ، بس هَدّي روحك !"


* * *


مع كل التحفظات ... كانت " طريق الشعب " مدرسةً وفضاءاًً / رئةً تنفَّسُ من خلالها المئات ،
إن لم أقل الآلاف من المثقفينَ والمبدعين وأصحاب الفكر، فوجدوا فيها ظالَّتهم ، لنشر الفكر العلمي
والإنساني بشكلٍ عام . وساهمت إلى حدٍّ بعيد في فتح آفاقٍ رحبة ... كانت نافذةً للقراء يطلُّون من
خلالها للتعرف على التراث الإنساني العظيم ومجريات الأحداث في العالم العربي والعالم أجمع .

ويبقى لي ما أتمناه بمناسبة العيد الثمانين للصحافة الشيوعية في العراق ، أنْ تكونَ أكثر جرأة
على نشر فكرِ التنوير ، كي تكونَ مشعلاًً هادياً في ظُلُمات الراهن ، وتهجُرَ التبرير ، لأنه ، فقط :
" إنْ إمتلَكتَ لِجـامَ الغوايةِ والتبرير ، سٍلِمتَ من محنةِ تأويلِ المُسمَّيات المُلثَّمة !!(ي.ع)






ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أرسلتُ المادة للنشر في "طريق الشعب ".. بعدها أستفسرتُ مرتين فيما إذا كانت المادة قد
وصلتهم .. وما من مجيب حتى الساعة ..! على أية حال فمثلما لهم الحق في نشر ما يرتأون
أو العزوف عن نشر ما لا يرتأونه مناسباً .. من حق الكاتب ، أيّاً كان ، أن يتصرف بمادته دون
إحتسابٍ لما يُمكنُ أن يُغيظَ " مَنْ وَضعَ نفسه في خدمةِ اللهّافينََ ، من القطط السمان في عمّان" .. !!