حوار مع دوير

مصطفى مجدي الجمال
2015 / 9 / 2

ليس من عادتي الدخول في مساجلات. لكن أحدث مقالات الصديق العزيز محمد دوير (الداعية إلى مقاطعة الانتخابات النيابية) على صفحته في موقع الحوار المتمدن.. تدفعني دفعًا لمناقشته، لعل هذا يكون مفيدًا للمهتمين بالشأن اليساري.. فأنا أقدر الكاتب وجهده والشهرة التي أصبح يتمتع بها.

بداية لم أسترح للعبارة التي صدر بها دوير مقاله في فقرته الثانية، وخصوصًا قوله: " مائة سنة من نضال الاشتراكيين المصريين علي أرض هذا الوطن كحصاد الهشيم" وأن القرن الماضي كان أشبه "بساعات قليلة". صحيح أن حالة اليسار المصري أقل بكثير من تضحياته وطموحاته وواجباته والتحديات الاجتماعية والوطنية والثقافية التي يواجهها.. ولكن لا يمكن إنكار أن هناك يسارًا له منظماته (بعيوبها) وكوادره (المتنوعة) وشعاراته (التي تكتسب أرضية معقوله في المجتمع) ورصيده من الخبرات (السلبية والإيجابية) والمعارف بالوطن والطبقات والعالم والإقليم والعصر.. وكل هذا ليس "هشيمًا" بالطبع، لأن الهشيم يقارب "العدم"..

وعمومًا ما يهمني هنا تأكيد أنني لا أحبذ هذا المنظور شبه العدمي، والذي يكاد أن يتضمن دعوة إلى "البدء من الصفر".. وكأنه من المقدور لليسار المصري أن يبدأ كل فترة من الصفر، فلم يسبق أن كان هناك شيء يعتد به، وكأن المطلوب هو تفريخ جيل "جديد تمامًا" ومن "العدم" المزعوم (جيل منقطع الصلة بما سبق من أجيال) فعليه أن يعدم كل "الأوراق القديمة" ويبدأ "البداية الصح".. وهي الرؤية التي تنكر وجود أي شيء يمكن البناء عليه.. رغم أن دعوة وحركة الرسالات السماوية ذاتها لم تفعل هذا !!

وضع محمد دوير ثلاثة شروط لخوض الانتخابات البرلمانية أختصرها في الآتي: حزب يحمل رؤية وتصور لمستقبل الوطن وتقييم اللحظة + كادر مؤمن بقضيته متواجد بها في مفاصل المجتمع + رموز تقدمية جماهيرية ذات وزن نسبي في المجتمع المحلي وتحمل رؤية واضحة لمشكلات الواقع المحلي والقومي ويمثل رمزية معلومة بوصفه تعبيرا عن صورة الاشتراكي في المجتمع..

وبالطبع فإن هذه الشروط تحمل تصوره الخاص الذي يجب أن نحترمه.. لكني أرى أنها شروط "مثالية" لا تتمتع بالمنظور الجدلي التطوري.. ولا أصل حد القول بأنها رؤية ميكانيكية تقوم بتحقيب للمراحل والمهام وأشكال النضال حسب رؤية ذهنية بالأساس.. فما هي المؤشرات التي يمكن الاستناد إليها للقول بأن هذا الشرط أو ذاك قد اكتمل؟ وألن نختلف مع بعضنا في تقييمها في الواقع الزمني؟ بل لماذا نستبعد أن المعارك الانتخابية ذاتها يمكن أن تسهم في خلق هذه "الشروط".. أي بناء الحزب والكادر والرموز؟

ووردت في المقال عبارة لم يتسع ذهني لفهم مكنونها ولا مراميها.. حيث يرى الكاتب أن المشاركة في الانتخابات في ظل غياب الشروط- التي يراها غائبة- يصبح "إما مجرد قضية شكلية أو تحويل لمسار الفكر لصالح مدارات السياسة ، وفي تقديري تصبح إشكالية تمثل خطورة علي الفكر، ذلك أنه من المفترض أن يقود الفكر السياسة لا العكس"

وفي ظني أنها مقولة تحتاج إلى تفسير، وبالأحرى مراجعة، وتحديد لما هو المقصود بالفكر والسياسة، والعلاقة بينهما.. وكيف تعمل المشاركة الانتخابية في هذه العلاقة؟ وهل هناك توزع "لأفراد اليسار" على مجالي الفكر والسياسة؟


أما بالنسبة لاستشهاده بمواقف لينين من الانتخابات البرلمانية، فإننا لسنا بصدد ممارسة "القياس" كقاعدة فقهية، فتناول النصوص والتجارب الأخرى يجب أن يتم بمراعاة سياقها التاريخي.. يقول محمد دوير إن لينين استخدم الانتخابات "كمنصة للدعاية الثورية لا أكثر".. وأتساءل عما يمنعنا من ذلك الآن.. وفي الوقت نفسه يجب أن نحترم الديمقراطيين الثوريين الذين قد يخوضون الانتخابات من مواقع إصلاحية، شرط أن نقدم نحن البدائل الثورية التي تحد من خطورة تفشي الأوهام الإصلاحية.

الأساس في الإجابة على تلك التساؤلات هو هل نحن في مرحلة مد أم جزر ثوري؟ وبينهما بالطبع حالات وسيطة مثل تراجع الجزر وبداية المد.. وأظننا في مرحلة أشبه بتلك الحالات الوسيطة، وفيها يجب المزاوجة بين الأنشطة الإصلاحية والنضال الثوري بنسب قابلة للتغيير..

عند حديث محمد دوير عن أسباب المقاطعة يورد أولاً تصاعد الاعتصامات والإضرابات العمالية "فلم تزل قضايا الطبقة العاملة معلقة لا ينوي النظام الحالي حلها أو تجاوز حدوده الطبقية".. وبالتجاوز عن عبارة "لا ينوي النظام حلها".. فإن السؤال هنا هو: هل يمكن أن تؤثر المشاركة الانتخابية في وتيرة الاحتجاجات والتحركات العمالية، أم أن للأخيرة عوامل موضوعية وذاتية أخرى أيضًا؟ وألا يمكن افتراض استخدام المشاركة في خدمة هذه الاحتجاجات، أم أن المشاركة ستضعف الاحتجاجات.. وهنا نتساءل عن الجدل مرة أخرى..

يتحدث دوير أيضا عن سبب آخر للمقاطعة هوغياب مناخ الحريات، ويعدد ظواهره وظواهر أخرى.. ولا اعتراض لي هنا.. لكن أليست المشاركة وسيلة ممكنة (قد نختلف أو نتفق في مدى فاعليتها) لتوسيع هامش الحركة وفضح التزوير وانتهاك الحريات..

ويضيف "أن الانتخابات البرلمانية ستقوي السلطة الحالية بانحيازاتها الواضحة ضد مصالح الفقراء والمهمشين، وستكسبها مشروعية مضافة الي ما يملكه من مشروعية ما بعد 30 يونيو".. والسؤال هل ستؤدي مقاطعة اليسار إلى منع هذه "المشروعية" المرشحة للزيادة بفعل الانتخابات كما يرى.. وهل سيشعر الجمهور بغياب اليسار الذي يفترض الكاتب أصلاً أنه أقرب إلى "الهشيم"؟ وإذا كانت فعالية اليسار في المشاركة ميئوس منها فما هو الأساس الموضوعي لتوقع أن تكون هناك فعالية للمقاطعة؟

يقول دوير إن "خوض انتخابات ما ونحن غير مؤهلين لها هو مضيعة للجهد والوقت والسمعة السياسية واحباط للروح المعنوية للكوادر المحدودة أصلا ويولد مزيدا من الشعور بالاغتراب عن المجتمع".. وهو للأسف كلام مرسل وخاطئ.. كيف يمكن لحملة انتخابية يسارية أن تكون مضيعة للجهد والوقت حتى لو أديرت بشكل سليم من حيث البرنامج الانتخابي والدعاية وسط الجماهير؟ ولماذا افتراض أن المشاركة في الانتخابات بطريقة يسارية قويمة لا يمكن أن تساعد في تحسين ما يسميها "السمعة السياسية"؟ أما الغريب حقًا هو الحديث عن أن المشاركة سوف "تحبط الروح المعنوية للكوادر" فأي "كادر" هذا الذي لا يقبل الاعتراف الموضوعي بالهزيمة حينما تقع والتعلم من أخطائه؟ وغني عن الذكر أن التعلم من الممارسة هو من أهم سبل "بناء الكادر" ولا يقل أهمية عن "التلقين الأيديولوجي" مثلاً..

يضيف الكاتب "أن النظام نفسه سيكون أحرص علي دخول بعض الشرفاء (إلى المجلس) ليكونوا مصلا مضادا للانفجار".. وهذا ممكن طبعًا إذا افترضنا أن هؤلاء "الشرفاء" سيكونون موالين للنظام أو مروجين أو مهادنين له.. وساعتها سيكونون منقلبين على اليسار وخونة لماضيهم اليساري أو الوطني.. وهو احتمال ذاتي أساسًا ووارد في كل الحالات حتى لو توافرت "الشروط الثلاثة" التي يقتضيها دوير لدخول الانتخابات.. لكن هل كان الدكتور محمود القاضي وأبو العز الحريري وكمال أحمد وقباري عبد الله والبدري فرغلي وغيرهم "مصلاً مضادًا للانفجار" أم معجلاً للمخاض الثوري ومقاومة الثورة المضادة؟
***

أما إذا تحدثنا في الموضوع نفسه، بغض النظر عن مناقشة الصديق العزيز، فإنني أوجزها في النقاط التالية:

(1) إن مراقبة وتقييم المزاج النفسي/ الجمعي للطبقات الشعبية هو من أهم عوامل اتخاذ قرار المشاركة في الانتخابات من عدمه (وهو بالطبع- كمزاج-غير ثابت وقابل للتغيير البطيء والمفاجئ على السواء). فهل يميل هذا المزاج الآن (أي في هذه الشهور على الأكثر) للفعل الثوري؟ ويجب أن نتساءل بصراحة: هل ينظر جمهورنا إلى السنوات الماضية منذ 2011 وإلى القوى والائتلافات الثورية بصورة إيجابية أم سلبية أم رمادية؟

(2) من المهم أن يصوغ اليسار خطابًا ثوريًا ومرنًا ومبسطًا يمكن أن يمارس العملية الانتخابية على أساسه، ويلزم مرشحيه به، وأن يعمل على أن تصبح شعاراته مسموعة في النزال الانتخابي.

(3) من واجب اليسار أن يحدد لأعضائه والمتعاطفين معه والجمهور بشكل عام.. ماهي المهام المحددة له في واقعه المحلي، سواء كان القرار بالمقاطعة أم المشاركة.. وليس معنى المقاطعة أن يتصرف الكادر اليساري وكأن الأمر كله لا يعنيه، ذلك أن قطاعات معتبرة من جمهوره المفترض ستشترك في المعركة الانتخابية، ولن يستطيع "منعها" من ذلك. ومن يقاطع الانتخابات من الجمهور فلن يقاطعها مقاطعة إيجابية انطلاقًا من وجود حراك ثوري بديل لإسقاط النظام ككل. بل سيذهب الكثيرون إلى الانتخابات بتأثير عوامل متعددة- ومتناقضة- مثل الأمل وقوة العادة والدعاية والعشائرية والطائفية والمال السياسي أيضًا.. وإذا كان اليساري مقاطعًا فماذا سيقول لجمهوره الذي يتبارى أمامه مرشحون للفلول والسلفيين والليبراليين وربما بعض الديمقراطيين الثوريين وعليه الاختيار بينهم؟ ألن نكون هنا مثل الملاكم "الذي يرمي الفوطة" وقبل بدء النزال؟ وبالأحرى نمنح القوى الرجعية فرصة الانتصار السهل واقتسام الغنائم فيما بينها؟


(4) إن كل التقديرات تشير إلى برلمان قادم موغل في اليمينية (مباركية وظلامية وليبرالية).. ولا بد من انتزاع مكان داخله يعبر منه الديمقراطيون الثوريون عن طموحات الشعب وأوجاعه.. فرجعية البرلمان أدعى لأن يكون لنا تواجد داخله أكثر من أن نتباهى بالابتعاد عن المعركة.. والحملة الانتخابية نفسها ستكون فرصة جيدة لترويج البرنامج وتقديم "الرموز" واكتشاف طاقات جماهيرية كامنة.. وخاصة من خلال تسييس المعركة الانتخابية في مواجهة قوى الثورة المضادة..

(5) توحي كل المؤشرات بأن نتيجة الانتخابات لن تكون جيدة لأسباب كثيرة.. ومع ذلك فإننا لم نستطع بعد شق طريق ثوري بديل يقنع الجمهور بالمضي فيه.. ومن ثم فلا بد من خوض النضال على أكثر من جبهة وميدان.. الثوري منها والإصلاحي.