طقوس الكتابة لدى الأدباء والكتاب بين الحقيقة والخيال

عصام عبد العزيز المعموري
2015 / 9 / 1

في يوم ما قيل : ان الكتابة فاعل والكاتب مفعول به لأن الكتابة هي التي تمارس سطوتها على الكاتب ليقوم بتنفيذ نص ابداعي على السطور فما هي طقوس المفعول به ليستجيب لسطوة الفاعل ان وجدت تلك السطوة حقا" في وقت لا يعترف فيه بعض المبدعين على اختلاف توزعهم على المشهد الابداعي بوجود طقوس للكتابة ويقولون أنهم قادرون على الكتابة متى شاءوا ؟
في منهج البحث الأدبي والعلمي ..لتسهيل مهمة الباحث يتم تصنيف مادة البحث الى محاور وهنا صنّف المتخصصون طقوس الكتابة لدى المبدعين الى فئات يمكن ذكر بعضها كالآتي :
1- طقوس اللباس 2- أمكنة الكتابة 3- طقوس الورق 4- طقوس الجلوس اثناء الكتابة 5- طقوس الكتابة مع شرب الفنجان والقهوة 6- طقوس الكتابة ليلا" 7- طقوس الكتابة نهارا" 8- طقوس الكتابة شتاء" 9- طقوس الأقلام ..الخ .
- الروائي والسيناريست المصري المرحوم أسامة أنور عكاشة لا يبدأ الكتابة الا عندما يشرب كأسا" من الشاي وبعد الشاي كأس نسكافيه وبعد ذلك كأسا" من العصير وبعد العصير قهوة تركية وحوالي 90 سيجارة ويخصص لكل رواية أو مسلسل قلما" خاصا" يختلف عما كتب به سابقا" ولا يكتب الا في النهار .
- أبو القاسم الشابي الذي توفي عام 1934 وهو في الخامسة والعشرين من عمره كان يقول أن الالهام لا يأتيه الا في الهزيع الأخير من الليل وكان يضطر عنما يلهم الى استخدام فحم الحطب كطبشورة يكتب بها على جدران الغرفة التي يقيم فيها حتى اذا جاء الصباح عمد الى نقل ما كتب على الجدار الى كراس وكان ذلك يتسبب في مشاجرات مع الأهل ولكنه كان يقول لهم أنه مضطر الى التعامل مع العملية الابداعية على هذه الشاكلة .
- أجاثا كريستي تغطس في بانيو الحمام لساعات كي تأتيها لحظة كتابة رواية أو حل عقدة مستعصية فيها .
- شاعر ألمانيا (جوته) فان الطقس الأكثر تفضيلا" له هو أن يكتب وأمامه طبق من التفاح المتعفن .
- الروائية العراقية لطفية الدليمي تصف ظروف كتابة روايتها (سيدات زحل) بالقول :غدت عملية الكتابة بذاتها الوطن البديل الذي يرافقني في كومبيوتري المحمول أينما حللت وكتبت فصول روايتي هذه على مدى ثلاث سنوات وأنا أكابد محنة التشرد بين مدن العالم من فندق الى آخر ومن بيت الى غرفة حتى بلغ عدد السقوف التي نمت تحتها نحوا من ستة وثلاثين سقفا" في مدن مختلفة الأردن وألمانيا وسويسرا وفرنسا ..كنت أتجول بين مدن وبلدان في القطارات ومعي حاسوبي المحمول وأترك في كل مدينة وبيت حقيبة وكتبا" حتى توزعت ذكرياتي وقمصاني وأوراقي بين عشر من الأماكن تركتها جميعا" كما تركت كل شيء في بيتي البغدادي الذي اقتحمه المارينز ودمروا معظم ما فيه وقلت لنفسي :أيتها المرأة ان قدرك رغم كل هذا لجميل جدا وانك لمحظوظة اذ تملكين نعمة الكتابة .
- يصف لنا (حنا مينة) طقوس الكتابة لدى الجواهري بالقول :رؤيتي الاولى للجواهري كانت في أواسط الخمسينيات دخلت غرفته في الفندق الذي نزل فيه ،في الظهيرة كانت النوافذ مغلقة والكهرباء ضعيفة وكان يدور في الغرفة في حالة من الغضب الغضوب وهو يتمتم بما لا أدري من الكلمات ،كان الدخان منعقدا" ،وأعقاب السجائر في كل مكان ،في المنفضة ،على حديد مشعاع التدفئة على الأرض ،وكان قد كتب على ظهر علبة سجائره وعلى أوراق صغيرة وعلى الجدران وقال لي أنه يدون مطلع المورد في القصيدة فقط وبعد ذلك في الملعب البلدي –الذي كان في موقع معرض دمشق الدولي ،ألقى قصيدته في تأبين الشهيد عدنان المالكي والتي مطلعها :
خلفت غاشية الخنوع ورائي وجئت أقبس جمرة الشهداء
هذه الحالة يصفها (أندريه جيد) بقوله : )ان أجمل الأشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل وينبغي التموقع بينهما بالقرب من الجنون حين نحلم وبالقرب من العقل حين نكتب ).
صاموئيل بيكيت مؤلف المسرحية الشهيرة (بانتظار غودو) لا يكتب الا وهو جائع و(آبسن) وهو مسرحي آخر يضع عقربا" فوق منضدة لحظة الكتابة ويضع أمامه صورة للأديب (سترندبرج) وهو أعدى أعدائه وكان يقول :انما أريد أن أغيظه وهو يتفرج على ابداعي قبل نشره على الناس و(جان كوكتو) كان كذلك لا يكتب الا بعد أن يضع عقربا" حيا" في كأس مقلوبة.
جبرا ابراهيم جبرا يقول أنه استوحى اغلب أعماله الأدبية من السير على الأقدام في شارع النهر في بغداد.
نزار قباني كان ينام على بطنه اثناء الكتابة ولا يكتب الا عندما يكون في منتهى الشياكة والأناقة وكأنه مستعد للقاء حبيبة وكذلك الكاتب الألماني (توماس مان ) فانه لم يكن يجلس أمام الورقة البيضاء الا بعد أن يحلق ويتعطر ويلبس بدلة فاخرة حتى لكأنه ذاهب الى حفل رسمي .
الأديب الكبير (نجيب محفوظ) قبل بدء عملية الكتابة يميل الى الاستماع لمقطوعة موسيقية ثم الانصات الى السيدة (أم كلثوم) وهي تشدو بصوتها وهو يسير في منزله قبل أن يتوجه الى غرفة مكتبه للبدء في الكتابة كما أن له عادة أخرى حيث كان لا يتوقف عن التدخين طوال الكتابة ولا يكتب الا في النهار شأنه شأن الصحفي مصطفى أمين في وقت لا يكتب فيه هيكل مقاله الاسبوعي الا بعد العاشرة مساء "والأديب مصطفى صادق الرافعي لا يكتب الا في الليل وأنيس منصور لا يكتب الا في الرابعة صباحا" أما الروائي الفرنسي بلزاك فانه لا يبدأ في الكتابة الا عندما يضع جواره سطلا" كبيرا" من القهوة وكان يشرب من 20 الى 30 فنجانا" من القهوة .
الكاتب (أوسكار وايلد) لا يستطيع الكتابة الا بعد تزيين غرفته بريش الطاووس.
الأديب (توفيق الحكيم) لا يكتب الا بعد أن يشرب عدة فناجين من القهوة و(محمد الماغوط) لا يكتب الا عندما يشعر بالعزلة والوحدة .
أما (مارك توين) فقد كان روتينه بسيطا" فكان يذهب للعمل صباحا" بعد فطور غني ومغذ ليكتب حتى وقت العشاء في الخامسة مساءا" ولم يكن أحد من أفراد عائلته يجرؤ على طرق باب غرفته وكانوا ينفخون في بوق لمناداته عند الضرورة ..وفي الأيام الحارة كان يترك باب الغرفة مفتوحا" ويثبت أوراقه بالطوب ويكتب بلا توقف حتى عند الأعاصير مرتديا" ملابس خفيفة مصنوعة من نوع خاص من الحرير وبعد العشاء يقرأ (توين) ما كتبه خلال اليوم على أفراد عائلته وكان يحب الحصول على جمهور ودائما" يكسب موافقتهم وكان يدخن بشراهة من الفطور حتى وقت النوم وكان منزله بحاجة دائمة للتهوية .
طاغور كان يتحدث للبحر قبل الشروع بكتابة قصيدة وكذلك الروائي (غبريال غاسيا ماركيز) لا يكتب الا عندما يشعر بأن الحزن يساوره ..أما الشاعر العربي (أبو تمام ) فانه يكتب في غرفة حارة بعد أن يرش أرضها بالماء ..و(أميل زولا)لا يكتب الا على نور شمعة واحدة .. و(فكتور هيجو)لا يكتب الا على طاولة واحدة قديمة ومتواضعة و(باولو كويلو) يقول أنه لا يكتب الا بعد أن يصافح الناس في الطرقات ..أما (عزيز ينسين) فانه يكتب عندما يشعر بصداع الرأس. في حين أن (جيمس جويس) الكاتب والشاعر الايرلندي صاحب (عوليس)وصورة الفنان كشاب يكتب واقفا" وكذلك(ألبير كامو)يكتب وهو واقف بحيث تكون أمامه شرفة مفتوحة ..أما (فلوبير)صاحب رواية(مدام بوفاري) وهو مستغرق في الكتابة يجب أن يروح ويجيئ في الغرفة المغلقة ضاربا" الأرض بقدميه متفوها" بكلمات يرغب في التعرف على مدى موسيقيتها وصداها لدى القراء لاعنا" باكيا" مطلقا" الأنين والصراخ مرددا" لأبيات من الشعر القديم تعينه على نحت جملة وعندما سأل الخدم زوجته عما يحدث في غرفة السيد فلوبير أجابت : السيد بصدد تهذيب اسلوبه! أما العقاد وأنيس منصور لا يكتبان الا عندما يرتديان البيجامة. ومن أغرب طقوس الكتابة كانت للكاتبة الأمريكية (دانيال ستيل)فهي تكتب أعمالها على آلة كاتبة قديمة وتعمل على خمسة كتب في آن واحد.
وهكذا نرى تباين طقوس الكتابة لدى الكتاب والأدباء وما يهم المتلقي هو الحصول على أدب جميل وابداع حر وعلم ينتفع به وفكر خالص.
المصادر
1- روتين الكتابة عند مارك توين ..ترجمة هيفاء القحطاني ..(موقع تكوين).
2- طقوس الكتاب والروائيين اثناء الكتابة ..أحمد عامر
3- طقوس الكتابة ..حكايات مختلفة. موقع جسد الثقافة ..مقهى الجسد ..28/2/2008
4- (كتابتي تشبهني وحريتي هي مسؤوليتي الكبرى في الحياة) –لطفية الدليمي – مجلة الأديب العراقي شتاء 2015.