ضِدَّ التيّار (6)

يحيى علوان
2015 / 8 / 26




" إنْ ذَبُلَتْ زهـرةٌ في شجرةٍ ، أو ماتَتْ ،
فلا يعني أَبَـداً أَنَّ الشجرةَ قد ماتَتْ ..!"

إحتفَلَ الغرب الرأسمالي ، وما زالَ بـ "نهاية الشيوعية والماركسية ".. بل حتى بـ"نهايةِ التأريخ" ..!
فهل إنتهتْ ، حقَّاً ، أحلامُ البشرية ولم يبقَ منها غَيرَ اللهاث وراء "المال" ؟!
في إعتقادي، أنها لم تنته ، إلاّ إذا فَنَتْ البشرية!، فـ "إنْ ذَبُلَتْ زهرةٌ في شجرةٍ ، أو ماتَتْ ،
فلا يعني أبداً أَنَّ الشجرةَ قد ماتتْ !"
وأذا باعَ البعضُ "مُثُلَه" ، فأنَّ أحلامَ البشرية غيرُ قابلة للبيع أو المُقايضة ! إنْ لم تستسلم
لعمليةِ "التبليـد "! (ي.ع)




فريدريش هولدرلين (Friedrich Hö-;---;--lderlin (1793

حُبي لبني البشر

أُحبُّ الناسَ ، طبعاً ليس المُخرَّبين والمُفسَدين منهم ، ليسَ المُتَذلِّلين ولا الكُسالى ،الذين غالباً ما
نلتقيهم . لكنَّني أُحبُّ الفِطرَةَ الجميلة ، التي فُطِرَ الناسُ عليها ، بمن فيهم المُخرَّبون (...)

إنّنا نشهدُ عصراً يجري صوبَ زمنٍ أَفضل . فبذور التنوير ، تلك الأماني والطموحات الفردية
الكَمونة نحو تعليم الناس ورفع ثقافتهم ، تتَّسعُ وتشتدُّ وتُعطي ثماراً رائعةً . أَلا ترى
يا عزيزي كارل ! هذا بالذاتِ ما يُثلِجُ صَدري ، ويُرفرِفُ له قلبي (...)

وهكذا يا أخا روحي ، فأنَّ هدَفَ تعليم الناس وتحسين مستواهم الثقافي ، هذا الهدف الذي ربما
لن يتحقَّقَ ولن نشهده كاملاً خلال حياتنا فوقَ هذه الأرض .. قـد يشهده المحظوظون ،
ممَّنْ سيأتي بعدنا ، إذا ما واصلنا التحضيرَ والفعلَ الجاد في أوساطنا نحو هذا الهدف .
أَتراني أُُغالي في شَطَطي ، يا أخا روحي !*




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هولدرلين (1770 – 1843 ) من بين أهم الشعراء في تأريخ ألمانيا ،
من رسالةٍ إلى أخيه ، أيلول/سبتمبر 1793





فرانسوا بابيف ( Francois N. Babeuf (1795

أمانٌ ، بلا أَقفالٍ ولا سَرِقات ..

لا سادة ولا مُستَغِلّين ، ولا مُستَغَلّين (...) فالحكومةُ القادمةُ ستُلغي الحدودَ ، تُهدِّمُ الأسوارَ ،
فلا تعودُ ثَمَّةَ حاجةٌ لوضعِ أقفالٍ في الأبواب ، وستنتهي المنازعاتُ والمحاكمات والسرقات
وعمليات السطو والقتل ، بأختصارٍ سيجري إجتثاثُ كل الجرائم . *


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فرانسوا بابيف ( 1760 – 1797 ) ثوري فرنسي ، تأثَّرَ بأفكار روسّو ، مورلي ومابلي ،
فغدا واحداًً من أتباع "شيوعية المساواة ". وبسبب نشاطه إعتُقِلَ عدَّةُ مرّات . في السجن بباريسَ ،
شكَّلَ مع عدد من المتعاطفين ومن يشاطرونه الفكر عُصبة " مؤامرة المتساوين ".
بعد محاكمةٍ ، إستمرَّت ثلاثةَ أشهر، حُكِمَ عليه في 26.05.1797
بالإعدام ، حاول – دون أنْ يفلح – الإنتحارَ بخنجر .. لكن في اليوم التالي تمَّ تنفيذ حكم الإعدام بحقه .
* من كتاب " بابيف ، كتابات مختارة "، برلين 11956، ص 117 ، 123





لأنَّ الأثرياءَ ينهبونَ كلَّ الخيرات ...

لقد وََهَبَت الطبيعة كلَّ فردٍ الحقَّ في التمتُّعِ بكل خيراتها . من هنا يتوجب أنْ يكونَ هدفُ المجتمع
الدفاع عن هذه المساواة . فاللامساواة تعني الإضطهاد . والقهرُ والعبودية يتأتيانِ من اللامساواة ،
وهذه بدورها تنبع عن المِلكية . لذلك فأن الأخيرة أسوأُ قيدٍ للمجتمع ، بل هي في الواقع جريمة
ضد عامَّةِ الناس . ففي مجتمعٍ حَقٍّ ، يجب ألاّ يكونَ هناكَ أثرياءٌ ولا فقراء .الثورةُ لم تصل بعدُ
إلى مُبتغاها ، لأنَّ الأثرياء بيدهم كل الخيرات ، وبالتالي يملكونَ القرارَ، في حين أنَّ الفقراء يشتغلون
كالعبيد وليس لهم مَن يؤثِّرُ في سلطة القرار بالدولة . *


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* " هويبنر : من بابيف إلى بلانك "، لايبزك 1975 ، ج2 ، ص 92



لورد بايرون (Lord Byron (1812

دائماً عقوباتٌ أَشدُّ قسوةً ضد الفقراء

في كلمته الأولى أمام مجلس اللوردات (الشيوخ) وقف اللورد بايرون(1788 – 1824 ) ، كان عمره آنذاك (24) عاما ً،
ضد قانون يقضي بقمعِ حركة اللوديتيين – نسبةً إلى المناضل نَدْ لُود – ويحكم بالإعدام على كلِّ مَنْ يُحَطِّمُ آلةً / ماكنةً .
كان اللوديتيون يريدون من خلال تحطيمِ أيةَ ماكنةٍ جديدة في صناعة الغزل والنسيج ، وقفَ تدهورِ أوضاع العمال ، لاسيما
تفاقم البطالة ، قال بايرون في كلمته تلك :

في الوقت الذي يجدُ فيه المجرمون والمُستهترون الوسائلَ للتحايُلِ على القانون وتحدّيه ، يتعيَّنُ على
العمّال الفقراء ، الذين إبتلوا بآفة الجوع والديون ، أنْ يتجرعوا وجبة جديدة من عقوبات الرأسمال ،
إنشوطاتُ موتٍ جديدة . كانوا سيواصلون الحَفرَ ، لكن المسحاةَ كانت بأيدي غيرهم ... فوقَ ذلك
لا يأنفون أنْ يستعطفوا ، لكن ليس هناكَ مَنْ يتصدَّقُ عليهم !

مررتُ بسوحِ الحرب ، في بعض الأقاليم الأشدُّ ظلماً وقهراً في تركيا ، لكنني لم أشهد ، حتى في
ظلِّ أكثر الحكومات إستبداداً في عالم الكفّار، ما وقعت عليه عينيَّ من فقرٍ وسخٍ مثلما رأيته بعد
عودتي إلى قلب العالم المسيحي . أي علاجٍ أوجدوه لهذه الحال ؟! فبعد أشهرٍ من الجمود والصمت
تفتَّحتْ القرائح عما هو أسوأ ، بِيعَ على أنه العلاج السحري ، وما كانَ أطباء الدولة يبحثونَ عنه
منذ عصور التِنّين حتى يومنا هذا .

كأنَّ قوانينهم لا تحوي كفاية من العقوبات ،التي تحكم بالإعدام ، وكأنه لم تجرِِ إراقةُ ما يكفي من
الدماء فوقَ مدوَّنات العقوبات الجارية ، لذلك يريدون أَنْ يوغلوا أكثر حتى تصل الصرخاتُ إلى
السماء؟! أتُراهم يريدون نصبَ المشانقَ في كلِّ حقلٍ ،كي تتدلَّى منها جُثُثُ الناس لتكون فزّاعاتٍ
للطيور ؟! أم أنهم بصَدَدِ تقديم عُشرٍ ، فقط ، مما ينوونَ القيام به ، أي وضع كامل البلاد تحتَ
طائلة قوانين الحرب ؟! أيريدونَ إخلاءَ كلَّ ما حولنا من البشر ، منتزه شيروود وغاباته التي
كانت مربَعاً لنشاطاتِ روبن هود ، وتحويله إلى صحراء قاحلة ؟ أم تُراهم يريدون إستعادة الدستور
السابق ، الذي يعتبر التاجَ ( المَلَكيَّة ي.ع ) هِبَةً مُنَزَّلَةً ، وتحويلِ البلاد إلى مَراحٍ للصيدِ الملكي ومَلجَأ
لكلِّ مُتحايلٍ على القوانين ؟ فهل يصلُحُ هذا علاجاً لجيلٍ يائسٍ يرفُلُ بالرذيلة ؟

لقد ألحقوا خسائرَ كبيرة بأصحاب الحِرَفِ . فالمكائن منحتهم الإمتيازَ بالإستغناء عن خدمات عدد من
من العمال الحرفيين ، وتركتهم فريسةً للموتِ جوعاً . ذلك أن ماكنةً واحدةً يمكنها أن تؤدي عمل ما
يقوم به العديدُ من العمَال ، وبذلكَ تُنتجُ فائضاًً من الأيدي العاملة ، تبقى من دون عمل ... وبما أن
العمال المطرودون من المصانع ما كانوا يستوعبون ، أَنَّ عليهم الإبتهاج بما أُنجِزَ من فنونٍ وعلومٍ مفيدة ،
إعتبروا أنفسهم ، على الضد من ذلك ، ضحيةً لها . فقد رأوا أنَّ طعامَ الشغيلة الفقراء، وهو
كل ما يملكونه من مُتَعِ الحياة ، أهم بكثيرٍ من ثروة حفنةٍ من الأثرياء ، تطمحُ إلى مواصلة تطوير الآلة
وسلب العمال حقهم في العمل وتقليص الأجور إلى حدودٍ مهينة .

فهل تُدركون قيمةَ هذه الجمهرة ؟ إنهم من يزرع حقولكم ، يؤدون الخدمةَ في بيوتكم ، يُحمِّلون بواخركم
، إنهم إحتياطي جيوشكم ، التي مكَّنتكم من تَحدّي العالمَ بأسره ، لكنهم في الوقتِ نفسه يستطيعون تحدّيكم ،
لأنكم أَسرفتم في إذلالهم !


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
درس بايرون عام (1805 ) في جامعة كيمبرج ، وكان عمره آنذاك 17 سنة . وحينَ أنهى دراسته ،
سافر بعدها خلال الأعوام 1809 – 1811 ، إلى العديد من بلدان أوربا والشرق الأوسط .
ذاعت شهرته الشعرية بملحمته المسماة "رحلةُ حجِّ الفارس هارولد". كان في كلِّ كتاباته داعياً لأفكار
الحرية والثورة . وعندما سئم من جوِّ القنوط في إنكلتره نتيجةً لحروب نابليون ، هَجَرَ بلاده عام 1816
إلى الأبد . حطَّ رحاله في سويسره ، بدايةً ، وإستقَرَّ بعدها في إيطاليا ، حيث عقَدَ صلاتٍ مع الحركة
الثورية هناك . عام 1823 أراد مساندة اليونانيينَ (بأرسال السلاح والأدوية والمال) في كفاحهم للتحرُّرِ
من السيطرة العثمانية ، قبلَ أَنْ ينخرطَ شخصياً لاحقاً في ذلك الكفاح ، ليموتَ ، من البرد ، هناكَ عام 1824 .
وبعد مئة عامٍ كتبَ المسرحي الألماني إرنست تولر ، الذي كان يقضي محكوميته بسجن القلعة في شونََفَيلد السُفلى
إثرَ مساهمته النشيطة في جمهورية مجالس ميونخ ، كتب مسرحيته"مقتحمو المكائن "، التي تبدأ بخطاب بايرون هذا .