ثوار الداخل وثوار المهجر

حاتم الجوهرى
2015 / 8 / 25

سعدت مؤخرا بلقائى مع أحد الأصدقاء المصريين العاملين بالخارج، واتسم اللقاء بالحميمية الشديدة والذكريات المتبادلة، ناهيك عن تبادل وجهات النظر ولحظات الحنين! الحقيقة أن العديد من ثوار مصر (الداخل) تشغلهم حسابات المستقبل؛ ومسئوليات المواجهة المقبلة مع زيادة الاستقطاب القيمى الحاصل فى المشهد.. فى حين يدور جهد المصريين فى الخارج حول الترتيبات السياسية لما بعد المواجهة ويتحدثون بكل حماس واحتشاد للآمال المبهجة المشرقة.

الاستقطاب الهش ومشهد البلاد الراهن:
فى المشهد الداخلى، تم تقسيم البلاد لأربع كتل رئيسية، أولا: قوات مسلحة يتم شراء ولائها للنظام السياسى عن طريق زيادة الرواتب والمزايا العينية، ثانيا: قطاع وظيفى يتم وضعه أمام الأمر الواقع كمواطنين من الدرجة الثانية بقانون يسمى: الخدمة المدنية (على اعتبار أن الخدمة العسكرية لها درجة المواطنة الأولى)، ثالثا: نخب السلطة (كبار موظفين) يتمتعون برواتب بلا حد أقصى ومميزات شراء ولاء بالجملة، رابعا: رجال أعمال أصحاب ثروات متراكمة تتعامل معهم الدولة بفكرة الجباية عند الحاجة مقابل غض الطرف..! خامسا: نخب سياسية وسيطة لا تملك أدوات مستقلة فى العمل تمكنها من اتخاذ مواقف حاسمة، لذا فينظر لها النظام نظرة وظيفية، ولا يهتم كثيرا بالتباين فى الشعارات التى ترفعها، لمحدودية الأدوات التى تستخدمها فى الاتصال الجماهيرى فى شتى أنحاء البلاد.

السلطة والفرز القيمى:
هذا الاستقطاب الرباعى (باستثناء المجموعة الأخيرة مؤقتا) يعود فى أصله، لفكرة "الدمج والتسكين" التى تعتمد على قبول منظومة التكيف وقيمها، حيث البناء المجتمى يتوقف على العلاقة مع السلطة ومدى التكيف والخضوع مع منظومة القيم التى تفرضها؛ حيث أرى أن التقسيم المجتمى وآليات الدمج والتقسيم تخضع عبر التاريخ -فى الأساس- لمعيار قيمى، وليس لمعيار مادى كما فى الفكرة الطبقية التى قدمها ماركس والتى ناسبت – جزئيا- مرحلة التصنيع والتحول الصناعى كثيف العمالة فى أوربا! (راجع كتابى المصريون بين التكيف والثورة).. لكن ذلك الاستقطاب الذى يفتقد للمعايير الموضوعية ويقوم على علاقة بالسلطة؛ سرعان ما سيتفكك من داخله مع تقدم الوقت، وصولا للحظة انتهاء الحجج والمبررات من جعبة السلطة وانكشافها أمام البسطاء.

المسئولية القادمة:
ينشغل ثوار الداخل بسيناريوهات تفجر الصراع القيمى الأشد! ويبحثون فى آليات تحمل المسئولية المقبلة، فى ظل مستجدات توريط المؤسسة العسكرية فى المشهد (حسب إحدى وجهات النظر: وقفت الثورة المصرية عند يوم 28 يناير وحين تعود سوف تعود لتستكمل يوم 29!)، هناك من يملك يقينا خاصا بأن معارضة ما تتشكل داخل المؤسسة، معارضة وطنية مستقلة غير محسوبة على أحد سوى على فكرة الثورة! وهناك من يقول بأن الخبرات الماضية سوف تتطور فى الموجة الثورية القادمة؛ نحو قرارات وفعاليات أكثر تحملا للمسئولية السياسية وراديكالية من جانب الثوار!

زيادة مساحة الكتلة الحرجة:
هناك من يقول بأن تكتيك حرق البدائل السياسية وتوظيفها من قبل النظام القديم، قد يطل علينا مرة أخرى، وأن المرحلة الثورية التى سيتحمل فيها الثوار المسئولية لم يحن وقتها بعد! تتعدد السيناريهوات! لكن ثوار الداخل المصرى إجمالا فى حالة انشغال بالمسئولية الثقيلة التى قد تأتى مع الموجة الثورية القادمة! خاصة وأن الوعى الثورى هذه المرة سيشمل بعض الفئات الجديدة من البسطاء والمطحونين! الذين كان أملهم بلا حدود فى النظام الحالى! وعلى قدر الأمل الذى كان على قدر الغضب الذى سيكون! سيناريهوات تطور الكتلة الحرجة ومكوناتها فى الموجة القادمة وآليات عملها؛ هى ما يشغل ثوار مصر بالنظر للمسئولية التى يتحملونها أمام أنفسهم وتجاه البلاد..

ثوار مصر فى الخارج:
لكن الجديد أننى وجدت المصريين الذين يعملون بالخارج والمهمومين بالثورة ومستقبلها؛ مشغولين بمساحة أوسع وأبعد مما يواجهه الثوار على الأرض! وجدت عندهم تصورات وسيناريهوات سياسية واقعية لحد بعيد.. وسيناريهوات لأفكار ما بعد الموجة الثورية؛ هم مشغولون –بطبيعة الحال- بمساحة أخرى من العمل والفكر..
تبدأ سيناريهوهاتهم الطموحة والآملة من أفكار ما بعد الموجة الثورية القادمة، يتحدثون عن أشياء وتفاصيل كبيرة وصغيرة، ربما لم تخطر –فى هذه المرحلة- على بال ثوار مصر! يتحدثون عن أفكار بمنع ترشح فرق الدين السياسى لمدة ثمان سنوات، وعن كيفية منع تكرار حالة الفوضى والبلطجة التى تكررت مع الموجة الرئيسية للثورة وشرارتها الكبرى فى 25يناير، وعن مسودات لدستور أكثر عدالة ونضجا، وعن أهمية سيناء كحائط دفاعى أول عن الوطن.. وضرورة ربط المرحلة الثورية القادمة بمصالح مادية تعود على الناس لتغيير الصورة الذهنية التى يراكمها الآن النظام القديم وامتداداته، والعديد والعديد من الأفكار المبهجة.

الخاتمة:
النظام السياسى الحالى يزيد من درجة الاستقطاب المجتمعى القائم على زيادة مميزات "الدمج والتسكين" لمن خضع وتكيف مع منظومة القيم التى يقدمها، ولكنه يهمل المعادلة الأساسية لدى الطرفين.. الطرف الذى يتعرض لعملية "التهميش والاستبعاد" لن يظل فى حالة الصمت للأبد، والطرف الذى يتم شراء ولائه بمميزات "الدمج والتسكين" لم يخلّ من الثوار الكامنين، المهمومين بحالة البلاد وبالمصلحة العامة بغض النظر عن مصلحتهم الخاصة..
يهمل النظام السياسى الحالى أفكار العدالة والحرية والتكافؤ فى الفرص، ويعتمد على تكتيك "القطيعة والصدام" الذى أوضحته سابقا فى مقالى ردا على ملف "مجلة السياسية الدولية" فى تناوله لفكرة التكيف وصراع الأنماط القيمية فى كتابى، بعنوان: السياسة الدولية بين التكيف والثورة.
يحتشد المصريين فى الداخل والخارج بالأمل والصمود، وينظرون لثورتهم بهدوء وثقة ويقين. ويثقون فى أن الموجات الثورية ستنتصر بمرور الوقت على أبنية الاستبداد التاريخية، وأن المسئولية السياسية للبلاد سوف يتحملها المخلصين وستتكاتف جهودهم فى موعد قادم لا ريب فيه.