حين يكون الاحتجاج وطنيا.. لا طائفيا

محمود عبد الرحيم
2015 / 8 / 23

حين يكون الاحتجاج وطنيا.. لا طائفيا

*محمود عبد الرحيم:
ان تخرج جماهير لبنانية غالبتها من الشباب، بعد العراقيين، في احتجاجات مطلبية ترفع العلم اللبناني فقط، فهذا شئ جدير بالاهتمام والتقدير معا، في بلد تحكمه التجاذبات الطائفية مثله مثل العراق، خاصة في مثل هذا التوقيت الصعب من عمر المنطقة الذي يتم فيه تغذية النزعات المذهبية والأثنية أكثر وأكثر، وتفتيت المجتمعات العربية من الداخل باللعب على التناقضات الداخلية، وتحويلها لصراعات مدمرة تصرف النظر عن معارك البناء والتنمية، أو عن عدو العرب الرئيس الكيان الصهيوني الذي يتقوى وضعه أكثر، وينفذ كثير من مخططاته العدوانية في غفلة منا.
والملفت في الحراك اللبناني الأخير، والذي لا يمكن النظر إليه دون مقاربة مع مثيله العراقي، أن يعمل الشباب على المزج بين المطلبي والسياسي اللذين لا يمكن فصلهما، وألا يتم الرهان على فصيل بعينه، وتوحيد الموقف الاحتجاجي، وأن يترتب على هذا التحرك غير المتوقع قوته وأثره، هزة قوية في الشارع السياسي الذي تسيطر عليه طبقة نصف في المائة، وعائلات متوارثة تلعب لمصالحها الخاصة أو الطائفية أو لحساب قوى خارجية،
وهذه إضافة أخرى للوعي بمدخلات الأزمات الصغرى والكبرى التى يتحملها الساسة من كل الأطراف الذين لا يبالون بمطالب الجماهير البسيطة والعادلة التى لا تتوقف عند النفايات أو حتى أزمة الطاقة والكهرباء، وغلاء الاسعار والبطالة .. الخ، والذي آن الأوان ليتم التخلص منهم جميعا، بصرف النظر عن خلفياتهم، وإتاحة المجال لوجوه جديدة أكثر حيوية وشبابا وأكثر انفتاحا ووطنية وأقرب لتطلعات الجماهير.
صحيح ان رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام ألقى الكرة في ملعب الأخرين (البرلمان والقوى السياسية)وثمن مطالب المحتجين وزايد عليهم بوصف الساسة ب"النفايات السياسية، وانتقد التعامل الأمني المتجاوز في حق المتظاهرين، وحذر من خطورة الفراغ السياسي إن بقى لبنان بدون رئيس وحكومة، وهذا خطاب ذكي، وفيه كثير من الحقيقة، لكنه لا ينفي تحمله الجزء الرئيس من المسئولية، كما أن مثل هذا الخطاب المنمق لا يكفي لإمتصاص الغضب القابل لمزيد من الاشتعال والانفجار.
وكان عليه ان يقدم وعودا جادة وحزمة اجراءات عاجلة تستجيب لمطالب الجماهير، ولو في حدها الأدنى على غرار نظيره العراقي حيدر العبادي، ويشرع للتواصل مع رئيس البرلمان لدعمه هو وقادة الكتل السياسية الرئيسة، خاصة أن الأمر لا يستأهل الخلاف أو التصارع أو التأجيل.
في ذات الوقت، نقول إن دعوة استقالة الحكومة مطلب شرعي، لكن لا يجب ان تتجاوز ورقة الضغط دون وضع بدائل وخريطة طريق للانتقال السياسي الديمقراطي، حتى لا تتكرر أزمة الفراغ الرئاسي، وبدلا من تعقد الوضع أكثر، خاصة في ظل التشكيل المتعثر الذي تواجهه كل حكومة لبنانية، والتوتر الاقليمي والتدخلات الخارجية التى لا يمكن أن ينكرها أحد.
ونعود ونؤكد أن لبنان في حاجة فعليا لتنامي قوة الضغط المجتمعي وهذه الروح الثورية الشبابية التى تعلي النزعة الوطنية واستحقاقات المواطنة، وتعمل على إزاحة الطائفية من المشهد، لكن أي حراك ينبغي أن يتحلى بالواقعية ويحكمه العقل السياسي الراشد، والنفس الطويل والتفكير الشمولي الذي يأخذ كل الأبعاد بعين الاعتبار.
ولو نجحت الأجيال الجديدة في مواصلة هذا النضال، واكتسبوا زخما شعبيا، لإزاحوا "النفايات السياسية" من كل التيارات، بحسب تعبير رئيس الحكومة اللبنانية ذاته، ولقدر للبنان أن ينعم بالاستقرار وحياة افضل، وديمقراطية اجتماعية حقيقية، ويبتعد عن الصراعات الاقليمية والدولية التى يتورط فيها دون أن يكون له ناقة فيها ولا جمل.
فتحية لشباب لبنان ومن قبلهم الأشقاء في العراق، الذين يذكروننا بأيام مجيدة عشناها في 2011 ، وقت أن كان يسيطر علينا حلم الثورة، لكن عليهم أن يتعلموا من درسنا، وهو أن الاحتجاج بدون رؤية وأفق للتغيير وتصورات واضحة يمكن القفز فوقه، وتفريغه من محتواه وهدفه المشروع، وأن يتحول إلى طاقة وجهد مهدرين، بدلا من وقود للتغيير، وسرعان ما ينتهي ويبقى الوضع محلك سر، وربما أسوأ.
لكن في كل الأحوال، صحوة الشعوب وخروجها دفاعا عن حقوقها أو حرياتها، وإعلاء راية الوطن وليس الحزب أو الطائفة شئ جديد بالفخر والتقدير.
*كاتب صحفي مصري
Email:mahmoudreheem@hotmail.com