حوارات فلسفية : الدم بين الشكل و الجوهر المقدّس! ج1/2

حمزة رستناوي
2015 / 8 / 21


يعرض هذا النص الحواري و الذي يشارك فيه كلا من رائق النقري و فائز البرازي إضافة الى كاتب هذه السطور, وجهات نظر مختلفة متقاطعة في موضوع ماهيّة الكائن و سؤال الهويّة , تساؤلات تتعلّق بمفهوم الجوهر, هل هو واحد أم متعدد, هل هو ثابت أم متغير؟ و كذلك لتساؤلات تتعلّق بمدى برهانيّة الجوهر ؟ و مدى قدراتهِ على تفسير الكينونة و تغيّرها؟ و يعرض النّص الحواري كذلك للشكل كمفهوم مؤسس في المنطق الحيوي, و قد آثرنا عرض النص عبر صيغة الحوار لكونها تتّسم بالتشويق و لاتّكائها على تراث فلسفي عريق نجده حاضرا في التراث الإغريقي مثلا. و قد جاء النص الحواري في طريقة عرضه مركّزا على التمثيل , محاولين الاجابة على سؤال : ما هو الشيء ؟ ما هو الدمّ ؟ هل هو جوهر أم شكل؟ كتمثيل عن الشيء مقصود حوارنا.
*ملاحظة لا بدّ منها : تاريخ اجراء الحوار هو خلال أيار 2012م, و لقد نشر حينها على صفحات موقع مدرسة دمشق للمنطق الحيوي و الحوار, و لكن بصيغة و طريقة عفوية عشوائية مع استطالات جانبية خارج الموضوع, و لقد قام كاتب السطور بإخراج النص و عرضه مع تعديلات تختصُّ بطريقة العرض و الصياغة اللغوية , لتحسين كفاءة التواصل , و من دون تأثير وازن على روح النص و أفكار المتحاورين.
*فائز البرازي الجوهر متغير نتيجة تأثُّراتٍ بذاتهِ و كذلك تأثيرات تحدث من خارجه , الجوهر يمكن أن يُسمى : المادة – الكينونة – الأصل – العنصر .. الخ و هو ليس "واحدا" فهناك جواهر كثيرة , و حسب ما وصلتُ إليه من مُلخّص أن هناك جواهر غير ثابتة متغيّرة في أشكال متغيّرة , و حتى "الكون هو جواهر مختلفة غير ثابتة" لكل منها طريقة تشكُّل. *حمزة رستناوي
الدلالة السياقية للجوهر المعروضة أعلاه في نص البرازي , تختلف عن الدلالة القاموسية الشائعة في الفلسفة خاصّة الأرسطية ,من حيث أن الجوهر - وفقا للمعجم الفلسفي- هو " الموجود القائم بنفسه حادثا كان أو قديما. و يقابله العرض . و يطلق على الذات القابلة لتوارد الصفات المتضادة عليها , و منها الماهية التي إذا وجدت في الأعيان كانت لا في موضوع " و مقابله العرض المتغير, و لكن أيّا كان الأمر , فالمصالح التي يعرضها النص أعلاه – تُفَسِّر نفسها بنفسِها – و هي مصالح تُماثل وظيفيّا بين " مفهوم الشكل في المنطق الحيوي " و بين "الجوهر - عند البرازي " و لا خلاف جوهري في ذلك , فمقولة الجوهر عند البرازي تبقى صالحة للتفسير و الضبط المنطقي لمصالح الكائن , فالجوهر يعادل هنا الكائن . و المصالح التي يعرضها الاقتباس عند البرازي تماثل بين جوهر الشيء و بين ماهية الشيء , و المنطق الحيوي لا ينفي وجود ماهية , فالماهية هي شكل بقرينة كونها طريقة تشكّل و ليست بجوهر ثابت قائم بنفسه مستغني عن الأعراض و السياق . * فائز البرازي أرى أن هناك الكثير من الجواهر و الكثير من " الأشكال ,فإن تكلّمتُ "علميا " فهناك الكثير من الجواهر : دم , خلايا , تنوع جاذبية, معادن كثيرة.. الخ من المواد " الأساسية الجوهرية " و لكل جوهر منها طريقة تشكّل تؤدي إلى الشكل , لماذا ليس هناك دم في النبات مثلاً ؟ هل الدم شكل أم مادة جوهرية متنوعة التركيب لا العكس .. * حمزة رستناوي النص السابق يطابق بين هوية الكائن أو ماهيّة الكائن بالجوهر , و سأتوقّف عند المثال الذي عرضه كمثال عن "المادة الجوهريّة " ألا و هو الدم قبل اكتشاف المجهر منذ ما يزيد عن ثلاثة قرون مضت , كان من الممكن - نوعا ما - تقبّل القول بأنّ الدم جوهر , و أساسا النظرية الطبية السائدة في العصور القديمة و الوسطى المنسوبة لأبقراط : ترى أن الجسم يتكوّن من أخلاط أربعة مختلفة هي :الدم، و البلغم، و الصفراء، والسوداء. علميّاً الدم هو نسيج ضام مائع يتألف من سائل هو البلازما تسبح فيه كريات بيضاء و حمراء و صفيحات دموية , فهو طريقة تشكل معينة للنسيج , و في الطب و عبر تقنية معينة نقوم بفصل مكونات الدم عن بعضها فيصبح لدينا بدلا من وحدة الدم الكامل , وحدة بلازما ,وحدة كريات حمراء , وحدة صفيحات ..الخ . بل لقد طوّر العلماء مواد ناقلة للأكسجين تشبه الدم وظيفيّا ,و هو ما طلق عليه اسم تشبه " الدم الصناعي " فالدم الذي بدا جوهراً ثابتاً هو في الحقيقة طريقة تشكل لمواد مختلفة في سياق معين , فمثلاً درجة قتامة الدم تتعلق بنسبة الهيموغلوبين و الأكسجين فيه بحيث نجد دم أقرب للسواد أو الصفار مثلا.. الخ , و لا يوجد فروقات جوهرية بين دم حمزة و فائز و رائق و هتلر و نيلسون مانديلا ,و لا يوجد فروقات جوهرية بين دماء البشر و الكلب و الشمبانزي و الطيور من حيث التكوين فكلها تتألف من بلازما و كريات دموية ,و الفروق بينها تتعلق بالتفاصيل و النسب فالكريات الحمر عند الطيور مثلا تحتوي على نواة عكس الانسان , و هذه الفروق ليست جوهرية. و الدم هو دم فقط في درجة حرارة معينة و في ظروف شديدة الحساسية فهو يتخثّر و يفسد و ..الخ و للنباتات بدائل وظيفية عن الدم كالنسغ الذي عبر الاوعية الغر بالية. و لكن ليس لإبريق الشاي أو الكومبيوتر دم ؟ أليس كذلك ؟ هل نستنتج من ذلك أن الدم هو جوهر ؟! فالدم هو شكل للكائن يتشكّل في طريقة تشكل لعناصر و مواد معينة و فق طريقة تشكل معينة بسياقات و وظائف معينة , و هو صيرورة حركية احتوائية احتمالية نسبية تعرض لمصالح أكثر أو أقل حيوية , فالدم عندما تنقص فيه نسبة الكريات البيضاء يصبح أقل صلاحية في وظيفته المناعية مثلا.. الخ. *فائز البرازي
قولكَ " إن الدم واحد في مكوناته" ، فهو مع المعذرة غير صحيح . دم الإنسان كطريقة تشكل يحتوي ويختلف ب O السلبي والإيجابي و الخ وبالتالي لا يمكن نقل دم من شخص إلى شخص آخر إن اختلفا بزمرة الدم . إلا ب O إيجابي المسمى ” بالملكي ” لأنه يعطي ويأخذ من الجميع بأصنافها . ثم هناك فروقات دم بين الإنسان والحيوانات في تركيبة الدم بكل منهما و "العناصر الأساسية " أو بعضها الداخلة في كل منهما . وعلى سبيل المثال : الحيوانات ذات الدم البارد ، والحيوانات ذات الدم الدافئ
*حمزة رستناوي
لا يرى المنطق الحيوي وجود دم واحد هو ذاته عند الكائنات في الطبيعة أو حتى عند البشر أنفسهم , فالدم هو دماء , و الكتاب هو كتب , و السيارة هي سيارات , و الذرة هي ذرات ..الخ و كل الكائنات تتماثل في كونها أشكال و تختلف في طرائق تشكّلها , و كل شكل هو صيرورة حركية احتوائية احتمالية نسبية يعرض لمصالح , فمثلا الدم عند الحيوانات التي تُصنّف من ذوات الدم الحار كالثدييات و الطيور ,تبقى درجة حرارته "حرارة الحيوان " ثابتة في حدود معينة كل الاوقات ,بينما الدم عند الحيوانات التي تصنّف من ذوات الدم البارد, تتغير درجة حرارته " حرارتها " تبعا لدرجة حرارة المحيط. و حتى أنّه في تصنيف علم الحيوان ثمّة حيوانات تصنّف بأنها من ذوات الدم البارد و هي أصلا ليس لديها دم كالإسفنج مثلا. و تصنيف الدم إلى زمر AB أو RH هو تصنيف يعتمد على وجود مستضدات بروتينية من النوع A أو مستضدات من النوع B أو وجود كلاهما أو غياب كلاهما "الزمرة الدموية O" و كذلك يُصنّف الدم بناء على وجود مستضدات بروتينه يرمّز لها ب: RH و الفروقات بينها ليست جوهرية , فرغم أن نقل الدم بطريقة غير متوافقة قد يؤدي للوفاة , و لكن تصنيف الدم إلى زمر , و نقل الدم يخضع لقانون علمي يعرفه أخصائي الدمويات و الاطباء , فالكائنات كأشكال – بما فيها الدم - تخضع للقوننة الحيوية الكونية , فإذا تعرّفنا على تفاصيل الظاهرة و القوانين التي تتحكّم بها عندها يمكن توقّع وجود احتمالات أخرى , فمثلا يمكن توقّع اكتشاف وجود عقار يثبط الارتكاس التحسسي في حالات نقل الدم من زمر مختلفة , و يوجد العديد من الزمر الدموية الفرعية غير AB أو RH و كثيرا ما يحدث ارتكاس تحسسي و عدم توافق في نقل الدم رغم تطابق الزمر AB أو RH. فالدم ليس بجوهر ثابت , حتى الدم عند نفس الشخص يختلف تركيبه بين دقيقة و أخرى وفق احتمالات و ربطا بظروف متعددة , و الدم يعرض لمصالح و وظائف مختلفة فكون الحيوان من ذوي الدم الحار أو البارد هو مصلحة بيولوجية , تتيح له التأقلم مع ظروف حياته ..الخ و كملاحظة: إنّ مصالح الجملة السابقة التي يعرضها فائز : " أنّ الزمرة الدموية 0 + المسمى بالملكي, لأنه يعطي ويأخذ من الجميع بأصنافها " انتهى الاقتباس. منافية لبرهان الحدوث " خاطئة علميا " فالشخص الحامل للزمرة + يستطيع أن يتلقى دم منo+ o- فقط , و يستطيع أن يعطي اشخاص زمرتهم o+ A+ B+ AB+ فقط. و لذلك اقتضى التويه.
&