الأخطاء القاتلة لسياسة أنور خوجة

امال الحسين
2015 / 8 / 17

الأخطاء القاتلة لسياسة أنور خوجة

إذا كانت الماركسية اللينينية نظرية الثورة الإشتراكية/عشية الإمبريالية كما سماها لينين فإن اللينينية تطوير مادي للماركسية على جميع المستويات السياسية والإقتصادية والعسكرية والتنظيمية والمعرفية وهي أيديولوجيا البروليتارية في مواجهة البرجوازية، ولم تكن كذلك إلا بوضع ألأسس المادية للثورة في عصر الرأسمالية الحديثة في أعلى مراحلها التي سماها لينين الإمبريالية أي عصر سيطرة الرأسمال المالي على السوق التجارية العالمية. ولم يتوصل لينين إلى صياغة النظرية الماركسية للينينية إلا بدراسته لأزمات الرأسمالية الحديثة في علاقتها بالثورات البروليتارية بنجاحاتها وإخفاقاتها التي شكل فيها الحزب الماركسي ـ اللينيني أداتها التنظيمية الوحيدة الكفيلة بالسيطرة على السلطة، ولم يحقق لينين تأسيس الدولة الإشتراكية إلا بعد الإنتصارات الجبارة في الحرب ضد تحالف الإمبريالية العالمية والبورجوازية الوطنية بروسيا والتي استغرقت أربع سنوات أوصلت البلاد إلى المجاعة، ولم يتم انتصار اللينينية على الإمبريالية إلا بالتحالف العمالي الفلاحي الحربي والإقتصادي معا خلال وبعد الحرب الأهلية.

كان لينين ضد الحرب الإستعمارية فناهض دخول روسيا الحرب الإمبريالية الأولى واستعمارها للبلدان المجاورة، وكان ضد سيطرة البورجوازية على السلطة في الثورة الأولى في فبراير ـ مارس 1917 وثار عليها في أكتوبر 1917 وأوقف دخول روسيا في الحرب وحرر البلدان المجاورة وعقد معاهدة بريشت للصلح. إلا أن ذلك لا يعني أن لينين ضد الحرب الثورية التحررية من الإستعمار الإمبريالي فساند تحرر البلدان المضطهدة من طرف الإمبريالية باعتبار تحررها شرطا أساسيا في وحدة الطبقة العاملة عالميا لتحقيق الثورة الإشتراكية العالمية، ولم يكن لينين ضد كل ما خلفه العالم القديم أي الرأسمالية إنما دعا إلى الإستفادة مما خلفه النظام الرأسمالي من العلوم الحقة باعتبار العالم الجديد أي الإشتراكية هي نتاج تطور العالم القديم، ودعا إلى الإستفادة من التكنولوجية الغربية بعقلية الدياليكتيك الماركسي فطور العلوم الطبيعية في الإتحاد السوفييتي وأسس المنهج العلمي الإشتراكي الذي لا يقبل القديم الذي تجاوزه العصر.

وسار ستالين على درب الثورة الإشتراكية وطور الصناعة والفلاحة وحول الإتحاد السوفييتي إلى قوة عالمية تنافس الإمبريالية العالمية وتشكل نقيضها، وحفاظا على مكتسبات الثورة الإشتراكية وتطبيقا لمبدأ اللينينية الذي ينص ضد الحرب والإستعمار وضد دخول الإتحاد السوفييتي الحرب الإمبريالية العالمية الثانية، عقد معاهدة صالح مع هتلر بعد فشله لبناء التحالف مع الدول الغربية ضد النازية، ولم يتوان في الدفاع عن الوطن الإشتراكي لما هاجمه هتلر في عقر داره واستطاع سحق النازية وتحرير أوربا الشرقية من الإحتلال النازي، وعقد معاهدة الصلح مع الإمبريالية الغربية للتفرغ لبناء ما دمرته الحرب العدوانية ضد الإتحاد السوفياتي وشرق أوربا، وساهم ستالين بشكل كبير في القضاء على شبح الحرب والإستعمار اللذان يهددان أوربا وساعد بلدانها الشرقية في إعادة بنائها ومن بينها ألبانيا.

تعتبر ألبانيا من بين البلدان الصغيرة في أوربا الشرقية والتي تعرضت للإستعمار العثماني والإيطالي وألماني قبل وخلال الحرب العالمية الثانية، وساهم الماركسيون اللينينيون في مقاومة الإستعمار الفاشي والنازي بتحالف مع القوى الوطنية الألبانية المقاومة ونظيرتها بيوغسلافيا، وساهم الحزب الشيوعي الألباني بعد تأسيسه في أواخر 1941 في تحرير البلاد وتأسيس جمهورية ألبانيا الديمقراطية بعد فشل أنور خوجة في تأسيس جمهورية ألبانيا الكبرى التي تمت معارضتها من طرف الحزب الشيوعي اليوغوسلافيا.

كان ذلك أول فشل سياسي لأنور خوجة الذي قاده إلى فقدان حليف جار لألبانيا، حيث كانت نظرته التوسع على حساب الشعوب الأخرى التي تملكته بعد انتصار ألبانيا في الحرب على الفاشية والنازية، قد قادته إلى الغرور بقوة الجماهير التي يريد استغلالها لقهر للشعوب، متجاهلا دور الإتحاد السوفييتي في هزيمة الفاشية والنازية، معتقدا أنه محرر يوغسلافيا، مستغلا ما حققه تحالف المقاتلون الشيوعيون في البلدين، في محاولته للهيمنة على إقليم كوسوفو، إلا أن المعارضة الشديدة لشعب كوسوفو للإحتلال من الجديد من طرف دولة كانوا يعتقدون أنها حليف لهم في بناء ما دمرته الحرب قد هزم رغبة الشيوعي الصغير في الإستعمار الجديد، وفضل الكوفوفيون الإنضمام إلى فيدرالية شعوب يوغسلافيا، وهكذا نقض أنور خوجة أحد أسس اللينينية التي وضعها لينين وهو النضال ضد الحرب والإستعمار، فبدلا من أن يعمق التحالف مع شعوب الجارة وتوسيع حلف الماركسيين اللينينيين قام بعزل ألبانيا بعد فسخ اتفاقية التعاون مع يوغسلافيا، ولم ير أمامه إلا اللجوء إلى ستالين لطلب المساعدات التقنية والمالية لإعادة إعمار ألبانيا، مما ساهم في تعميق الخلاف بين الإتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا التي انسحبت من مجموعة الإتحاد السوفييتي.

كانت فكرة التوسع على حساب الشعوب الأخرى لدى أنور خوجة قد أثرت على علاقاته مع رفاقه في الحزب الشيوعي حيث عارض أكوكسي كوتشي سياسته تجاه الحزب الشيوعي اليوغوسلافي في أحد اجتماعات اللجنة المركزية، الشيء الذي دفع بأنور خوجة لتوقيفه وسجنه بتهم العمالة للحزب الشيوعي اليوغوسلافي مما دفع بأكوكسي كوتشي إلى الإنتحار داخل السجن.

وكان للتصور الميكانيكي لتطبيق النظرية الماركسية اللينينية لدى أنور خوجة، الذي يدعي أنه هو الوحيد الذي يقاوم التحريفية وهو الماركسي اللينيني الحقيقي، أن قاده هذا التصور الإنتهازي إلى ارتكاب أخطاء فادحة عزلت ألبانيا/البلد الصغير عن العالم، فسرعان ما اتخذ قرارات صبيانية تجاه حلفائه بدعوى تطبيق الماركسية اللينينية وهو تطبيق ميكانيكي حقا.

وقد رأى في الإتحاد السوفييتي العون بدلا من يوغوسلافيا التي رأى فيها مجالا لتوسعه الإستعماري الجديد في عز مقاومة الإستعمار الفاشي والنازي في البلدين الجارين محاولا تشكيل إلتفاف الوطنيين الألبان حول فكرة ألبانيا الكبرى، وتشبث بالمساعدات السوفييتية بعد فشل تحالفه مع يوغسلافيا إلا أنه لم يضع يوما في الحسبان أن هذه المساعدات ستزول مع وفاة ستالين في 1953، وصدم بسياسات خروتشوف التحريفية بعد تقليص المساعدات المالية لألبانيا وقطعها فيما بعد بصفة نهائية، والتجأ الشيوعي الصغير إلى ماو تسي تونغ فكانت الصين محطته الثالثة بعد يوغوسلافيا والإتحاد السوفييتي طلبا للمساعدات التقنية والمالية فلم يبخل الشيوعي الكبير عن ذلك رغم إمكانيات الصين المتواضعة.

قاد ماو تسي تونغ ومع أنور خوجة مواجه التحريفية بالإتحاد السوفييتي بينما تيتو بنى منظمة عدم الإنحياز بعد طرده من الكتلة الشيوعية من طرف خروتشوف، وأصبحت يوغسلافيا رائدة ما يسمى العالم الثالث محافظة على اتحاد شعوبها في دولة فيدرالية بينما ألبانيا ما زالت تعيش على مساعدات الدولة الكبرى ـ الصين بعد انهيار تحالفها مع الإتحاد السوفييتي، وكانت للسياسة الإقتصادية لأنوار خوجة التي اعتمدت على المساعدات المالية للحلفاء واستيراد الآليات وتصدير الحبوب أثر كبير في تخلف البلاد رغم توسيع شبكة الكهرباء وبناء بعض المصانع، وكان لمزاج الشيوعي الصغير أثر كبير في فشل تحالفاته التي يطبعها تصوره الضيق لتطبيق الماركسية اللينينية باعتبار نفسه الماركسي اللينيني الحقيقي الوحيد الذي واصل نهج اللينينية في أوربا.

فبينما تقول اللينينية بانفتاح الدول الإشتراكية على شعوب العالم من أجل توحيد الطبقة العاملة عالميا بقي أنور خوجة حبيس تحالفاته الضيقة الأفق التي تعتمد بالدرجة الأولى على المساعدات التقنية والمالية، كان الهدف الأساسي من تحالفاته هو مساعدة ألبانيا اقتصاديا بشكل انتهازي لا علاقة له بالمنظور الماركسي اللينيني للتحالف كما وضعه لينين، إنما تحالفاته يتوخى منها الإستفادة من جانب واحد بدل مساعدة الشعوب للتخلص من الإمبريالية والتحريفية، وهو يتجاهل أن اللينينية تنص على المساومة والمناورة ولكن بشرط واحد أن تكون في صالح الطبقة ومصالح الطبقة فوق مصالح الحزب، وهو يجهل العلاقة بين الحزب والطبقة والجماهير فتشبث بالحزب بشكل ميكانيكي تاركا مصالح الطبقة رهينة بتحالفاته الضيقة مع أحزاب شيوعية أخرى متجاهلا مصالح الجماهير في عدائه التام لجماهير شعوب يوغسلافيا، وهو يقاطع الحزب الشيوعي اليوغسلافي باعتباره حزبا تحريفيا بسبب موقفه من الحياد ضد الإمبرالية والتحريفية، بينما يترك الماركسيين اللينينيين اليوغسلافيين والشعب اليوغسلافي لاستغلال التحريفية، ولم يقدم شيئا للماركسيين اللينينيين بالإتحاد السوفييتي ضد التحريفية بعد موت ستالين.

ووقع الشيوعي الصغير في خطإ ثالث كبير وهو تسليمه بأن ماو تسي تونغ هو الحليف الأبدي فاعتمد على مساعداته التقنية والمالية مكبلا بذلك الطبقة العاملة الألبانية بتحالفاته الإنتهازية الضيقة الأفق، فرغم ادعائه أنه يقاوم التحريفية السوفييتية واليوغسلافية حافظ على كرسيه في حلف وارسو الذي يقوده خروتشوف وبعد بريجنيف ولم ينسحب من الحلف إلا بعد غزو تشيكوسلفاكيا في 1968، إن ما قام به أنور خوجة لا يعدو أن يكون ما يمكن تسميته بالماركسية اللينينية الإنتهازية أي الماركسية اللينينية قولا والإنتهازية ممارسة، فضاقت الهوة بينه وبين ماو تسي تونغ بسبب موقف ماو من العلاقة بالإمبريالية فانفصل أنور خوجة عن تحالفه بالصين كاستمرار لإخفاقاته السياسية فعزل الطبقة العاملة والجماهير ألبانية عن العالم، في تطبيق ميكانكي تام لتصوره الماركسي اللينيني الإنتهازي.

رغم أن التحريفية بالإتحاد السوفييتي والصين قد حولت هذين البلدين عن الخط الماركسي اللينيني وتم إعادة الرأسمالية إليهما إلا أنهما أصبحا اليوم قوتين اقتصاديتين كبيرتين، ورغم أن التحريفية بيوغسلافيا قد فشلت في تحويل البلاد إلى قوة اقتصادية إلا أنها حافظت على وحدة شعوبها إلى أن تم إشعال الحروب العرقية بها، ورغم أن أنور خوجة يدعي أن ماركسي ليني حقيقي بأوربا إلا أنه فشل في بناء دولة اشتراكية نظرا لتصوره الماركسي ـ اللينيني الإنتهازي فأصبحت ألبانيا بعد موته دولة فقيرة.

لا يكفي القول بالماركسية اللينينية حتى يصبح المناضل ماركسيا لينينيا إنما الماركسية اللينينية نظرية وممارسة، فبينما يبقى بعض المناضلين يجادلون في قيادات الأحزاب الشيوعية خاصة السوفييتية والصينية والألبانية بشكل ميكانيكي، ينحاز الواحد منهم لقائد دون غيره في الوقت الذي يجهل فيه تاريخ هذا الحزب أو ذاك في علاقته بالطبقة والجماهير، إنها النظرة المثالية الذاتية الحديثة التي تسيطر على المناضل في جهل تام للماركسية اللينينية نظريا وممارسة.

فالتشبث بالقائد بشكل فج إنما ينم عن ضعف في المعرفة وجهل للتاريخ، ومن أجل سد ثغرة هذا الضعف وهذا الجهل، يتم الهجوم على أعداء أشباح يصنعها هذا الصنف من المناضلين، فلا يحق للمناضل الثوري الرد عن الممارسات المثالية الذاتية الحديثة.