أوهام ومخاطر

مصطفى مجدي الجمال
2015 / 8 / 15


تدور في سيناء معارك طاحنة ضد العصابات الإرهابية المدعومة ماليًا واستخباريًا وإعلاميًا وحتى مقاتلين من قوى خارجية عديدة. والمخاطر المحدقة من غرب البلاد وربما جنوبها لا تقل خطرًا. ولا شك أن الإرهابيين يتمتعون ببيئة حاضنة أو متواطئة أو مرتعشة في المناطق الحدودية والبقاع شديدة الفقر والتخلف في الريف وعشوائيات المدن.. فضلاً عن تحول كثير من العناصر "الإسلامية" اليائسة من "العمل السياسي أو السلمي" إلى صفوف "المجاهدين بالسلاح"

هذا بينما لا تكف جماعة الإخوان وحلفاؤها من السلفية الجهادية عن إثارة القلاقل بالتظاهر العنيف والتخريب، إلى جانب تراجع سيطرة القيادة على قواعد الجماعة، خاصة من الشباب الناقم واليائس الذي يتصور أن معركة بقائه هي قرينة لمعركة حماية "الدين".. ناهيك عن الضغط من أجل الإفراج عن معتقلي الجماعة من الأقارب والأصدقاء والإخوة والدعاة، وذلك في إطار دعوات خارجية للتصالح والحلول الوسطية أو شبه الوسطية بين النظام وجماعات "الإسلام السياسي".. وهي الدعوات التي قد يتعامل معها النظام على سبيل كسب الوقت

في الوقت نفسه ينتهز "السلفيون الدعويون" فرصة "محنة" الإخوان وحلفائهم كي يدشنوا نفوذهم (القيادي) الخاص وسط جماعات "الإسلام السياسي" من خلال مواقف حيادية ونفاقية من النظام القائم، حتى أنهم يستعدون فعليًا لحصد ثمار موقفهم الزئبقي والمتعدد هذا بربع أو ثلث المجلس النيابي المقبل، وحينها يمكن أن تقبل جماعة الإخوان بالمركز الثاني في مكونات الإسلام السياسي، ليس حجمًا فحسب وإنما نفوذًا أيضًا

ومن أهم جوانب قوة السلفيين تنوع ألوانهم بما يمنحهم حرية حركية وتعددية في الخطاب، إلى جانب ما تتمتع به الجماعات السلفية من دعم مالي هائل من السعودية، الممول والحليف الأول المفترض لسلطة 30 يوليو، فضلاً على تركيزها على الاستفادة من الهيمنة الأيديولوجية لفكر محافظ ورجعي يلقى تشجيعًا من قطاعات برجوازية عريضة تنتابها المخاوف من تطور "غير محسوب" في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية قد يدفع باتجاه انفلات كامل أو تزايد لنفوذ القوى الراغبة في تغيير المجتمع جذريًا

ومن المؤكد أن النظام "القديم" (المباركي) يحاول استعادة أو استدامة نفسه بذريعة الإرهاب الزاحف. ومن السفه القول بأن النظام قد خلق فزاعة الإرهاب، ولكن من المفهوم والمنطقي أن يستفيد من مشروعية مواجهة الإرهاب بما يساعد في تقوية دعائم السلطة. ولا شك أن النظام يضطر أحيانًا إلى تمرير و"بلع" تنازلات لبعض الفئات ما كان ليقبلها كاملة إن كانت يداه حرتين. وهذا من أسباب ما نراه من حماقات وتجاوزات من البعض في مفاصل السلطات العامة

ومن الاستنتاجات المؤكدة هنا أن النظام بمسلكه الزجزاجي قد أفلت/ أضاع "اللحظة البونابرتية" التي واكبت صعود شخصية قائده، وما تمتع به من التفاف شعبي نادر كان مبعثه الأساسي الرعب من نتائج تمكين و"تغوُّل" جماعة الإخوان. فقد لاحت وقتها لحظة تاريخية مثل تلك التي اكتسبها عبد الناصر بعد تأميم قناة السويس 1956، والتي استطاع وقتها البناء عليها لتوجيه ضربات قوية نسبيًا لطبقة كبار الملاك والرأسماليين، وإعادة تشكيل النخبة الحاكمة (بقيادة فئات جديدة مثل بيروقراطية الدولة والشرائح العليا من الطبقات المتوسطة)، والحد من الهيمنة الغربية على الأسواق المحلية، والتطلع إلى التمدد إقليميًا مع الاستفادة من هامش المناورة الذي أتاحته الحرب الباردة... وباقي أركان مشروعه الذي أخذ يتطور بمرور الوقت، وأيضًا بالتطور الذي لحق بشخصيته نفسها، مع الاستفادة في كل هذا من الشعبية الطاغية مصريًا وعربيًا ودوليًا. وفي الوقت نفسه وضع عبد الناصر من القواعد والتشريعات ما يكفي لقمع التبلور النقابي والسياسي المستقل للطبقات الشعبية، والذي يمكن أن يعيق حركته المتفردة.

يحاول السيسي باستماتة، بل يسابق الزمن في هذا، يحاول القيام بمشروعات "قومية" ضخمة على أمل الحفاظ على وحدة أكبر قطاعات جماهيرية ونظامية خلفه، مع الحصول على أكبر مكاسب ممكنة من "تحالفه العربي" قبل أن تحدث تشققات منتظرة فيه جراء اختلاف المواقف بشأن الإرهاب أو الأوضاع في سوريا وليبيا وغزة مثلاً

كما تدفعه الضغوط الدولية نحو إجراء انتخابات قد تأتي ببرلمان- أيًا كان- سيحرمه من وضعية الاستحواذ الكامل على السلطتين التنفيذية والتشريعية. أما بالنسبة للحرب على الإرهاب فهو يعلم أنها تحتاج وقتًا، الأمر الذي سيكلفه بعضًا من سمعته، وسيدفعه غالبًا إلى تفاهمات ما مع بعض الأجنحة "الإسلامية" شرط ألا تضرب سلطته في الجوهر.. خاصة إذا استفحلت الصراعات الإقليمية وطالت نيرانها الثوب المصري بقوة

يعرف السيسي جيدًا أن التحالف الذي جاء على رأسه إلى السلطة كان تحالفًا وقتيًا بين أخلاط يصعب الامتزاج بينها.. ويعلم أنه مضطر لا محالة إلى التغاضي عن مزايدات ومطامع وربما حماقات من بعض القوى المؤيدة له، خاصة من رجال الأعمال والإعلام الخاص التابع لهم، وشرائح من البيروقراطية الفاسدة حتى النخاع، وبعض المسئولين عن إنفاذ القانون والتقاضي.. ناهيك عما يمكن أن يحاك من مؤامرات من جانب بعض العسكريين المتقاعدين وغيرهم الذين يستندون أيضًا إلى نظم عربية حليفة للسيسي لكنها لا تطمئن له كاملاً

أما إذا جاء الحديث إلى نقطة القوى الثورية "الحقيقية" فإنها تعاني من محنة لا تخطئها عين مراقب أو محلل.. ولست هنا بوارد تكرار مظاهر هذه الأزمة، والتي سبق لي تناولتها بشكل مجمل أو مفصل في مقالات سابقة.. وإنما أود هنا التركيز على بعض النقاط المهمة

أولها أن ممارسات ومواقف بعض القوى الثورية تنزلق إما إلى التأييد المطلق لكل ما يقوم به السيسي، وكأنه الزعيم الذي صنعناه نحن، أو الهدية التي جادت بها الأقدار، لا الرجل الذي فرضت علينا تطورات التفاعل الثوري/ الثوري المضاد أن نتعامل معه.. سلبًا وإيجابًا

وبالمقابل تميل قوى ثورية أخرى إلى التعامل مع مواقفه وقراراته وانحيازاته على أنها تعبير كامل وصارخ عن كل معاني الخيانة والدكتاتورية والاستغلال.. وكأن هذه القوى كانت تتوقع منه أن يتماهى مع انحيازاتها هي.. بينما تقول الحقائق أنه قد جاء إلى قلب الأحداث وهو على قمة المؤسسة العسكرية ودون أي ممارسات سياسية سابقة واضحة بالطبع، على العكس من عبد الناصر مثلاً الذي جاء على رأس صغار الضباط وسبق له أن انخرط في النشاط السياسي إن سرًا أم علنًا أيام شبابه

لنقلها بوضوح تام: يضطلع السيسي أساسًا بإدارة أزمة الدولة/ الطبقة البرجوازية، لإخراجها من محنتها التاريخية، أو تقليل خسائرها. أما على المستويات الجزئية والمرحلية فإن ممارساته تتوقف على موازين القوى الداخلية والسياقين الإقليمي والدولي.. وعلى من يريد التغيير ألا يتوقف عند ناصية الهجوم أو الولولة.. وإنما يعمل على تغيير موازين القوى، بإدخال القوى الشعبية المنظمة إلى المعادلة، أي أن يوجه الجهد الرئيسي لحشد القوى على الأرض كعامل ضغط على الأقل لوقف الإجراءات المرفوضة شعبيًا، ناهيك عن حسم القضايا الرئيسية جذريًا

البعض الآخر استلهم تجاربه السابقة والحالية في النشاط الحقوقي والحملاتي، وتصور أن دوره ينحسر الآن في التبشير بالاشتراكية (نشاط دعوي !!) فقط، واهتم بعض آخر بتجيير الأنشطة الديمقراطية والاجتماعية- حتى النضالات العمالية- إلى أنشطة تقوم بها منظمات حقوقية ممولة بالأساس من قوى غربية.. بل إن حركة النقابات المستقلة تشهد الآن حالة مزرية بسبب من هذه المقاربات

هناك حقيقة أخرى يجب النظر إلى الأمور كلها في ضوئها.. ألا وهي حقيقة انحسار الموجة الشبابية والشعبية الهائلة التي ظلت ملتفة لفترة معقولة حول القوى الثورية.. وهي الحقيقة المرة التي يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا في التعامل معها، ومحاولة تفكيك "ألغازها"

أولاً لا يمكن المكابرة إزاء حقيقة المزاج النفسي الشعبي الذي تراجع تأييده للثورة (والثوار) تحت ضغط أجهزة الإعلام المعادية، ولكن الأساس في هذا التراجع كان بسبب الأزمات الحياتية الاقتصادية والأمنية التي عاناها المواطنون الشرفاء، والتي كان من السهل جدًا إلصاقها بالثوار و"حماقاتهم".. ومن هنا ساد الميل إلى البحث عن "المنقذ" والإمساك بتلابيبه وحتى الاستعداد لتبرير و"غفران" أخطائه.. ذلك لأنه من المستحيل أن تحتفظ بحالة التعبئة الثورية للشعب التي أعقبت يناير 2011 لمدة طويلة، خاصة في ظل الاضطرابات والخسائر التي أعقبتها

وبالنسبة للزخم الشبابي الكبير الذي صاحب ثورة يناير، فقد كان من الواضح ضعف الثقافة السياسية لدى أغلب الجموع الشبابية الثائرة، بسبب عقود طويلة من اللاتسييس وغياب الحريات وثقافة الاستهلاك والتجهيل و"الأسلمة".. وبسبب ذلك النقص اندفعت القيادات والاتجاهات الشبابية صوب تحالفات خاطئة بعد "نجاح" الثورة، سواء في اتجاه المؤسسة العسكرية أم جماعة الإخوان أم السلفيين..

ولما كان معظم الشباب الثائر قد دخل العمل السياسي المباشر للمرة الأولى في حياته فلم تكن عنده خبرات متراكمة للتنظيم الجماعي، فضلاً عن صعوبة القابلية للتنظيم أصلاً وسطهم.. حتى أن من دخل منهم الأحزاب لم يطيقوا الانضباط في هيئات حزبية، ولا استساغوا تلقي "التكليفات"، أو نظروا إلى التنظيم الحزبي على أنه بيروقراطية بحتة غير ثورية، لأن النشاط الثوري الذي يطمئنون إليه هو التظاهر والإضراب والاشتباك

وربما كان لهذا جذور ترجع إلى عقد التسعينيات، حيث انتشرت فكرة التنظيم الأفقي والشبكي، وهي الفكرة التي غذتها منظمات "حقوقية" شمالية وتيارات سياسية أوربية ترى في الائتلافات الفضفاضة (عضويةً) والجزئية (قضايا) البديل الثوري الوحيد للأحزاب في عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصال.. فقامت معظم هذه الائتلافات على العضوية الفردية التي تجمع الإخواني مع الليبرالي مع اليساري مع العروبي حول هدف جزئي أو محدود.. ومن ثم غموض الهدف الاستراتيجي أو البرنامج المرحلي العام

وبالمثل عملت الجهات نفسها على إشاعة ثقافة التناقض والتنابذ بين الأجيال، بهدف خبيث هو حرمان الأجيال الثورية الشابة من خبرات ثمينة وراديكالية.. فضلاً عن الترويج لفكرة الإسلاميين "المعتدلين" وضرورة التحالف معهم.. ووقع كثير من الشباب في مشاكل خطيرة على مستوى التفكير الاستراتيجي والتكتيكي معًا، حينما لم يستطيعوا التفرقة بين ضرورات التقاطع الإجباري أو التحرك المشترك (مثلما مع الجيش ضد مبارك، أو معه ضد مرسي) وبين أخطاء التأييد الأعمى (سواء للمجلس العسكري أم الإخوان)

أما الوهم الأكبر في نظري فهو وهم الحلقة الرئيسية الممثلة في الديمقراطية وحدها، والتي إن أُنجِزت ستكرّ بعدها حبات المسبحة أو أوراق الدومينو لسائر المهام الثورية الأخرى.. وقد سبق أن تطرقت في مقالاتي لهذه المسألة، والتي كان من نتائجها أن وضع الثوار على رأس ائتلافاتهم زعامات ليبرالية (البرادعي مثالاً)، أو اختزال الإنجاز الثوري في إجراءات سياسية كالانتخابات والدستور والقوانين..الخ

وهو وهم يتناقض تمامًا مع طبيعة الثورة المصرية التي تتكامل فيها أربع مهام رئيسية: التحول الديمقراطي، السيادة الوطنية، التنمية وتقليل حدة الاستغلال الرأسمالي، التنوير والثورة الثقافية. وقد تكون إحداها هي الأكثر أهمية في اللحظة أو المعركة المحددة، لكن دون تعميم أو تصور للمهام الثورية يقوم على التوالي.. وكون مهمة ما تحوز أولوية لا يعني بالمرة استبعاد الأخريات

فمثلاً إذا أمعنَّا النظر في اللحظة الحالية سنجد تراجعًا في "الطلب الشعبي" على الديمقراطية.. ولنكن صرحاء.. إذ إن تركيز الجماهير الأكثر الآن هو على حياتها المباشرة، وعلى العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد.. وهو ما يجب علينا أن نراعيه، وفي الوقت نفسه نعمل على تأكيد أهمية باقي المهام الثورية لتحقيق "الطلب الشعبي" ذاته

وفي رأي الكاتب أن المهم الآن حشد القوى الثورية من خلال النشاط الجماهيري، وتوحيدها قدر الإمكان، والعمل من أجل بلورة جبهة ديمقراطية ثورية أوسع، مع عدم استبعاد إمكانية تعدد وتنوع مستويات التنسيق والتجبيه

ومن المهم ثانيًا، أن يكون لدى القوى الثورية القدرة على توقع المخاطر المحدقة والتحسب لمواجهتها.. فإذا لم تكن لدينا الآن رؤية استراتيجية كاملة ومتفق عليها، وقيادة "موحدة"، فلنكن على الأقل مستعدين لمواجهة المخاطر الكامنة أو المفاجئة

وإليكم أمثلة لعينات من تلك المخاطر:
++ إذا جاءت الانتخابات ببرلمان موغل في الرجعية (سلفيين، رجال أعمال، بيروقراطيين، بلطجية، زعامات عشائرية، مخبرين ومرتزقي سياسة..)

++ إذا تفاقمت الحروب الأهلية في المنطقة، وتورطت مصر في حرب في ليبيا مثلاً

++ إذا تفاقمت أزمة مياه النيل، ودخول البلاد مرحلة من العطش الحقيقي

++ إذا أوشكت الدولة على الإفلاس وانفجرت احتجاجات عنيفة غير منظمة

++ إذا وقع انقلاب عسكري، مدعوم من الخارج غالبًا، ودخلنا في حقبة دكتاتورية سافرة

++ إذا انقلب السلفيون على النظام الحالي بدعم خليجي