ضِدَّ التيّار !

يحيى علوان
2015 / 8 / 9


ضـدَّ التيّـار !

(3)

" إنْ ذَبُلَتْ زهـرةٌ في شجرةٍ ، أو ماتَتْ ،
فلا يعني أَبَـداً أَنَّ الشجرةَ قد ماتَتْ ..!"

إحتفَلَ الغرب الرأسمالي ، وما زالَ بـ "نهاية الشيوعية والماركسية ".. بل حتى بـ"نهايةِ التأريخ" ..!
فهل إنتهتْ ، حقَّاً ، أحلامُ البشرية ولم يبقَ منها غَيرَ اللهاث وراء "المال" ؟!
في إعتقادي، أنها لم تنته ، إلاّ إذا فَنَتْ البشرية!، فـ "إنْ ذَبُلَتْ زهرةٌ في شجرةٍ ، أو ماتَتْ فلا يعني
، أبداً، أَنَّ الشجرةَ قد ماتتْ !"
وأذا باعَ البعضُ "مُثُلَه" ، فأنَّ أحلامَ البشرية غيرُ قابلة للبيع أو المُقايضة ! إنْ لم تستسلم لعمليةِ
"التبليـد "! (ي.ع)



سعدي (حوالي 1250)

البشر أخوة

بنو البشر يشبهونَ أعضاء الجسد ،
قُدُّوا من الطينة نفسها .. إنهم أخوة .
أنْ أَلَمَّ بأحد الأعضاء أَلَمٌ ، تهجُرُ الراحة والعافيةُ بقية الأعضاء ،
فإنْ لم يحترقْ قلبكَ لألم الآخر ،
فَلَستَ جديـراً بصفةِ إنسان ..!





[ شاعرٌ فارسي ، وُلِدَ في شيراز عام (1213 ) تقريباً ، يعتبر أحدَ كلاسيكيي الشعر المسلمين ، واسع الشهرة في بلاده
، وهو من أكثر الشعراء ، الذين يجري الإستشهاد بهم حتى اليوم . ذاعَ صيته عندما نشر عام 1250 مجموعة من
القصائد والنصوص النثرية ( غولستان ) ـ بستان الزهر ـ . المقطع أعلاه مُقتبسٌ من ( بستان الفاكهة ) ، الذي صدرت
ترجمته إلى الألمانية بعدة طبعات منها ما صدر عن دار هردر( فرايبورغ ) 1998 .]









أوسكار وايلد (1891)

لاتقبَلْ بالفُتاتٍ المُتساقطِ من موائدهم
، إِجلِسْ معهم إلى المائـدة نفسها !

فَردٌ واحدٌ يمتلكُ ماكنةً تقومُ بعملٍ يؤديه خمسمئة إنسان . أي أنَّ خمسمئةِ شخصٍ يَصبحونَ بلا عمل..
لأنَّه لمْ تَعُدْ هناكَ حاجةٌ لعملهم ، لذلك يغدون فريسةً لآفةِ الجوع (...) فلو كانت الماكنة مِلكَ الجميع ،
لكانَ بمقدورِ كلِّ فردٍ أنْ يفيدَ منها .

راحت الماكنةُ ، الآنَ تُقصي الإنسانَ . لكن في ظروفٍ صحيحةٍ تكون في خدمته . ومما لا شكَّ فيه
أَنَّ المستقبلَ سيكونُ لها ، تماماًً كالأشجارِ تنمو فيما يغطُّ المزارعُ في النوم ، سيكونُ على الآلة أن
تقومَ بكل الأعمال الضرورية وغير المريحة ، فيما تنشغلُ البشرية بالفرح والإستمتاع أو عمل أشياء
جميلة كالقراءة الممتعة .. أو ببساطة التطلُّع للعالم الساحرِ بنظرة إعجابٍ ، ذلك أنَّ هدفَ البشرية ، ليس
العمل .

فلو كان لدى كل فرد في المجتمع ما يكفي حاجته ، دونَ إزعاجٍ من قبل الآخرين ، لَما إحتاجَ أنْ يكونَ
عالةً على أحدٍ . فالحسدُ ، الذي هو مصدر للبلاء وللكثير من الجرائم المعروفة في عصرنا ، هو شعورٌ
مرتبطٌ بصورة وثيقة بمفهومنا للملكية الخاصة.إنَّ هذا الشعور سيختفي في مملكة الإشتراكية والفردانية ( individualism ).
ومن اللافت للأنتباه أنَّ القبائل الشيوعية ( أقرأ المشاعية ) لاتعرف الحَسَدَ ولا الغيرة .

فالكمالُ الحقيقيُّ للأنسان ليس في ما يمتلكُ ، بل في ما هو عليه . ذلك أنَّ الملكية الخاصة قضَتْ
على " الفردانية " الحقّة ، وأحلَّت أُخرى مَغلوطةً محلها . فبسبب التجويع حُرِمَ جزء من المجتمع
من إمكانية التمتع بـ"فردانيته"، فوضعته على السكةِ الخاطئة واثقلَتْ كاهله . وبذلك جرى إختزالُ
شخصية الأنسان تماماً ، إلى ما يمتلك . فالقانون الأنكليزي يعاقبُ بشدة التعرُّضَ لملكية الفرد ، أكثر
من التعرُّض والأعتداء على الأفراد .

غالباً ، يُقالُ أنََّ الفقراءَ مُمتنّونَ للحسنات والصدقات . لا شكَّ في أنَّ بعضهم مُمتنّونَ فعلاً ، لكن الأفضل
منهم مَنْ لا يشعرُ بالأمتنان ، يبقى عنيداً يقاومُ الخنوع . لهم الحق كله في أنْ يكونوا كذلك .
لأنهم يشعرون أن "الحسنات" ما هي إلاّ جزءٌ مُضحكٌ وزهيدٌ جداً مما يستوجبُ إسترداده ، أو أنه تبرُّعٌ
مُحسنٌٌ ، ومحاولة وقحة للتدخُّلِ في حياتهم الخاصة . لماذا يتعيَّنُ عليهم أن يكونوا شاكرين للفُتاتِ
المتساقطِ من موائد الأغنياء ؟! عليهم أن ْيجلسوا معهم على الطاولة نفسها ويتعلموا كيف يأكلون !

إنَّ ما يقوله بعض كبار الصناعيينَ ضدَّ المُحرضينَ أمرٌ حق . ذلك أنهم يزرعون الشغبَ بين الناس ،
مما تحصده الحكومة نقمةً ضدها . وهذا ما يجعلُ من المُحرضين ضرورةً لا يمكن الإستغناء عنها .
فبدونهم لا يمكنُ لمجتمعنا الناقص والقاصر أنْ يدنو من الثقافة .

وأعترف أنني تعرّفتُ على عددٍ من الرؤى الإشتراكية ، فتبيّنَ لي أنَّ لديهم تصورات غيرُ نقية عن
السلطة الكليّانية ( توتاليتارية )، إنْ لَمْ أَقُلْ مسكونون بالجبر والقهر . فلا مكان للعنف والقهر. وكل
الإتحادات والجمعيات يجب أنْ تكونَ طوعية . ذلك أنَّ جمالَ الإنسان وطاقاته تَتَفَتّحُ في التنظيمات
الطوعية .



(...) لَمْ تكُنْ لدى المسيحِ أيةَ خطّةٍ لبناءِ المجتمع من جديد ، لكن عالمنا المعاصر لديه مثل هذه الخطط ،
التي تقومُ على إلغاءِ الفقرِ وبالتالي إنهاء الآلام الناجمة عنه . والسبيل إلى ذلك هو الإشتراكية والعلم .
فجُلُّ ما ترمي إليه ، بلوغ " الفردانية "، التي تتجلّى بالفرح . وفي ظلِّ الظروف الجديدة ، ستكون " الفردانية "
أكثر حريةً وغنىً وأشدُّ عمقاً وتأثيراً ، من أية فترةٍ سبَقَتْ .





[وُلد المسرحي والشاعر والقاص أوسكار وايلد في أيرلنده عام 1854 ، درس في دبلن وأوكسفورد. ومنذ عام 1879
إنتقلَ إلى لندن وحاز على شهرة واسعة بفضل المسرحيات العميقة فكرياً ، التي قدمها هناك . عام 1891 نشرت له مجلة
" فورت نايتلي ريفيو" نصاً / مقالة بعنوان " روح الإنسان في ظل الإشتراكية "وقد تُرجم إلى الألمانية من قبل
غوسستاف لانداوَر، الذي أشار في ملاحظة، أشبه بمقدمة للنص ، "الآن يمكننا ان نفهم لماذا راح المجتمع الإنكليزي
يكره هذا الإنسان كُرهَ الموت ، بعد أن كانَ قد عشقه كما ليس مثله من قبل ."وبسبب من ميوله المثلية ، أرادوا تدجينه
فحُكِمَ عليه بالسجن عامين ، قضّاها بالأشغال الشاقة مما تسبَّبَ في تدهور صحته . وبعد إطلاق سراحه ، رحلَ إلى باريس
ليعيشَ الإملاقَ حرفياًً ويموتَ هناك في 30.11.1900 فقيراً لا يملك شروى نقير!
المقطع أعلاه مستلٌ من النص المذكور ـ الإشتراكية وروح الإنسان ـ زيوريخ 1970]