-دعاية الجنرال- والفرح الكاذب

محمود عبد الرحيم
2015 / 8 / 6

"دعاية الجنرال" والفرح الكاذب

*محمود عبد الرحيم:
نعم، من حق شعب مصر أن يفرح، خاصة أنه من الشعوب التعسة التى عانت الكثير من المرارات لعقود طويلة، تحت وطأة الفساد والاستبداد والتبعية، واكتست أيامه، بشكل خاص في السنوات الأخيرة، بالسواد والدماء والقمع غير المسبوق.
لكن ماذا جد ليفرح؟ أم أن عليه أن يخادع نفسه، ويصدق حملات الدعاية الكاذبة التى رُصدت لها المليارات من جيب الشعب، لبيع الوهم وصناعة هالة حول الجنرال "الوطني المخلص" .."صاحب الانجازات".. و"رجل الأفعال .. لا الأقوال"، و"صانع المعجزات والتاريخ".
وما هي بواعث هذا الفرح والاستبشار؟ أم أن علي هذا الشعب أن يتوهم أن بحور اللبن والعسل في انتظاره، وليس عليه سوى أن يغترف منها، أو أن هذا البلد القابع تحت ديكتاتورية عسكرية لا تعترف بأية حقوق أو حريات أو استحقاقات المواطنة، انقلب فجأة إلى واحة للديمقراطية والعدل الاجتماعي، وأن النظام التابع منذ صنعه غير المغفور له السادات ليخدم مشاريع امبريالية وصهيونية ويدور في فلك ممالك الخليج، صار مستقلا، وصاحب ارادة وطنية خالصة يعمل لخدمة الوطن والمواطن، ولا احد غيرهما مثلما فعل من قبل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر صاحب المواقف والسياسات المنحازة حقيقة للشعب، وصاحب الانجازات الملموسة والمشاريع العملاقة الحقيقية ذات التحدي، وذات العائد المباشر على كل المصريين، والتى تربص بها الغرب الاستعماري والكيان الصهيوني لأنحياز للوطن، لا لأجندات أجنبية.
لو كانت نجحت انتفاضة المصريين وتحولت لثورة حقيقية، وأتت برجال يقطعون الصلة مع الماضي، ويسعون لهدم قواعد الفساد والاستبداد والتبعية، وينسفون شبكات المصالح القديمة الممتدة للخارج، كان يمكن أن نقول وقتها إن ثمة أملا، وأن شيئا جديدا قد حدث، أو نصدق أن المستقبل أفضل، وأن أية تحركات وأية مشاريع تأتي لصالح جموع الشعب، لكن طالما هذا لم يحدث بعد، ومازلنا تحت حكم نظام السادات/مبارك بتبعيته لأمريكا وتكريس نفسه لحماية الأمن الصهيوني وخدمة الرأسمالية المستغلة الجشعة.. فماذا ،إذن، ننتظر؟
وماذا يمكن أن نتوقع وسط هذه المعطيات المحبطة، سوى المتاجرة بأحلام الجماهير فاقدة الوعى والمشوشة، وتضليلهم والعزف على الأوتار العاطفية، وابتزاز مشاعر الناس بشعارات الوطنية الزائفة، والانجازات العظيمة والتحديات الكبرى، والانتصارات الكاذبة، وأوهام أعظم شعب وتاريخ يتوقف فقط ليسجل امجادنا الجديدة غير الموجودة اصلا.
إن خبرة السنوات الماضية، والتقييم العقلاني الموضوعي، تخبرنا أن معظم المشروعات الكبرى أو الصغرى التى كرست لها الطاقات والأموال واستنزفت ميزانية الدولة، واحاطتها هالة من التمجيد والتبشير بالرخاء، لم تكن في معظمها سوى دعاية للحاكم الاله "الفرعون" وكهنته، ليخدرا الجماهير بوعود حول إمكانية تخلصهم من البؤس والعوز، لكن واقع الحال أنهم ظلوا يعانون وتتدهور أحوالهم من يوم لآخر، بينما يستمر هؤلاء الفسدة المستبدين جاثمين على أنفسهم ينعمون في خيرات البلاد هم وذووهم فقط ، وحفنة من الانتهازيين تجار الشعارات والمتاجرين بالآم الشعب.
وحتى المشروعات التى لم تكن وهمية كانت تسقط ثمارها فقط في خزائن فئة النصف في المائة من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام وشركائه في الفساد من المصريين والعرب والأجانب، أو يتم نزحها للخارج، ولا يستفيد أبناء الوطن من هذه العوائد التي هي في الأساس ملك لهم، وكان يجب توزيعها بشكل عادل ليستني للجميع الاستفادة من ثروات بلاده.
أخيرا، من السهل أن تستخدم الإعلام في بيع الوهم، وتعظيم الصغائر وتقزيم العظائم، لكن إلى متي يستمر هذا العبث؟
وهل تقام الأمم وتتقدم للأمام بالدعاية والتسويق السياسي لحاكم أو جماعة، أم تنهض بسياسات وانجازات حقيقية يلمسها بنفسه كل مواطن، خاصة الفقراء، ويرى عائدها متحققا في تحسن حياته المعيشية وفي الخدمات العامة من صحة وتعليم وبنية تحتيية، لكن غير هذا خداع وتخدير للجماهير وتلاعب بالعقول.
وحتما سيأتي يوم تنهار فيه جبال الاكاذيب، مثلما حدث برحيل رجل أمريكا والصهاينة السادات، وإبعاد الديكتاتور العجوز مبارك، لكن ساعتها سيكون فات الأوان، ولن ينفع الندم على ضياع فرص، واهدار أموال كان يمكن توجيهها لصنع تنمية حقيقية وطنية تستوعب البطالة وتحرك الاقتصاد المتعثر وتحسن أحوال الغالبية البائسة التى لم تجد من يحنو عليها، فقط من يستغلها ويستغفلها ويستغباها، ويستثمر في تغييب الوعي والجهل، والاستقطاب والانقسام المجتمعي والمكايدة والخوف، ليجني مكاسب مباشرة وغير مباشرة، ويمد في العمر الافتراضي لسلطته الفاسدة.
*كاتب صحفي مصري
Email:mahmoudreheem@hotmail.com