ويسألونك عن الدواعش نظرة عابرة في نهج الغلو والتطرف! !

تيسير حسن ادريس
2015 / 8 / 2




المبتدأ:
صرخة رائد التنوير الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي حاربته قوى الظلام وفرقته عن زوجه مقتدية بعمل الشيطان وإذاقته حنظل المنافي وحِصرِم البعد عن الوطن أطلقها داوية في وجه الدجل والخرافة داعيا للتصدي بحسم لخفافيش الظلام: "الآن وفوراً قبل أن يجرفنا الطوفان" رافضا "سلطة النصوص" وكأني به يقرأ كف واقعنا البئيس.


والخبر:

(1)

في بادرة تتسق مع الفكر والمنهج الذي ظل يحمله زعيم المؤتمر الشعبي الدكتور حسن الترابي طوال عمره يخفيه في مرحلة بفقه التقية ويسفر عنه لغايات يعلمها في مراحل أخرى ذات انعطافات تاريخية حادة أثنى الرجل على تنظيم الدولة الإسلامية المعروف اختصارا بـ "داعش"، قائلا في حوار له مع موقع "أخبار تركيا": (لا أشك في إخلاص الدواعش، نافياً أن تكون صنيعة غربية)، وقد جاء التصريح الصريح، والأكثر صدقا في مسيرة الشيخ الذي يتقن حرفة الحرباء ليكشف عن خطل دواعي التصنيفات التي يروج لها البعض حين يحاولون التمييز بين تيارات الإسلام السياسي ما بين معتدل ومتطرف وهي فروقات طالما ذكرنا أنها شكلية لا تمس جوهر المنهج؛ فجذر الفكر واحد وهو ما يضبط ويحكم المنهج؛ أما التمظهرات الشكلية العارضة يحكمها عاملان أساسيان هما مصلحة التنظيم الآنية والظرف الموضوعي المحيط به في المرحلة التاريخية المحددة ومدى ملائمة ذلك لاتخاذه هذا المظهر المؤقت أو ذاك والدلائل على هذا كثيرة وحاضرة في الأذهان؛ فقد ظل إعلام الجبهة القومية الإسلامية في السودان يعمل بكل جد على تكسير مجاديف التجربة الديمقراطية الثالثة التي تأسست عقب انتفاضة أبريل 1985م على نظام نميري الدكتاتوري؛ وتابعت الجبهة القومية الإسلامية ومن ورائها حاضنتها الحركة الإسلامية الهجمة المنظمة الضارية لنسف التجربة بتحشيد الشارع عاطفيا في مسيرات مسماة مليونية تارة وثورة مصاحف تارة أخرى وبعد الانقضاض على السلطة والتربع علي سرجها بانقلاب عسكري مشؤوم ليلة 30 يونيو 1989م ابتلعت كافة تيارات الإسلام السياسي لسانها وأكلت (سد الحنك) وهي ترى الفساد يمشي على ساقين بين الناس في الأسواق والمفاسد تستشري وتنخر عضد المجتمع الذي كان قبل وصولها للحكم مضرب الأمثال في القيم النبيلة والخلق القويم دع أمر الحرب التي شنتها على الشعب السوداني في البوادي والحضر وفي كل الاتجاهات حتى ذهب الجنوب بأهله وباتت دارفور والنيل الأزرق وربما كردفان على مرمى حجر من هذا المصير الأسيف؛ أما إقليميا فقد فعلت جماعة الإخوان المسلمين في مصر في عام واحد من الحكم ما لم يفعله حسني مبارك طوال فترة حكمه؛ إقصاء للآخر وتمكينا لأفرادها من مفاصل الدولة حتى تنبه شعب مصر واقتلع شرها في 30 يونيو بموجة ثورية عارمة قبل أن يعم ويستشري في الجسد المصري كما استشرى في الجسد السوداني وأصابه بالعطب المستمر لأكثر من ربع قرن؛ وكذا فعلت (حماس مشعل وهنية) من قبل؛ فقد ظلت تدعي مقاومة العدو وتجر على المواطن الفلسطيني ويلات الآلة العسكرية الصهيونية بصواريخها العبثية حتى تربعت منقلبة على قطاع غزة بالقوة العسكرية التي سخرتها بعد ذلك لإذلال شعبها في القطاع وتهديد معارضيها في الضفة الغربية متجاوزة عدائها لإسرائيل؛ فجميع تيارات الإسلام السياسي تتفق في النهج السياسي وقد نهلت من نبع التطرف والإقصاء وتجربة ملالي إيران الذين تحالفوا مع حزب توده اليساري وبقية القوى الديمقراطية واستفادوا من إمكانياتهم التنظيمية والجماهيرية في الانتصار على الشاة ما لبثوا بعد النصر أن قلبوا لها ظهر المجن واستفردوا بالسلطة هو شاهد آخر يدل على أن جميع طوائف الإسلام السياسي في الغدر شرق؛ فسقف طموحات الإسلام السياسي متفق عليه والهدف وأحد؛ هو الوصول إلى السلطة بأي وسيلة وتحت أي دعاوي شعاراتية كانت ومن ثم محاولة الحفاظ على الحكم ما أمكن بكافة السبل وسيان حينئذ إن كان السبيل أخلاقي أو غارق في الخطيئة فمبدأ التقية يحكم خطوات التحفز ساعات الضعف والهوان ومبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) الميكافيللي يصيغ سياسات مرحلة الشوكة والغلبة.

(2)

لفهم الحالة (الإخوانية) في الحياة العامة لابد من نظرة عميقة للمنظومة الفقهية الذي بنت عليها الجماعة برنامجها المستمد حصريا من فتاوى الشيخ ابن تيمية كأساس نظري واهم ركيزة فكرية له؛ ففي كتابي الشيخ ابن تيمية «الفتاوى الكبرى» في باب الجهاد و «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» نجد أساس فكر جماعة الإخوان مسلمين وجماعات أخرى سلفية جهادية تناسلت من ذات الرحم الولود؛ وقد لخص ابن تيمية في فتاويه الفقهية فهمه ورؤيته لفكرة الحاكمية لله ودعا بوضوح إلى إكراه المسلمين بالسيف علي الالتزام بأمور الدين، كما يراها هو وأتباعه؛ وقتل من لا يلتزم بالعبادات "كالصلاة أو الصيام" بل وقتل حتى تارك صلاة السنة! ؛ وقتل من بلغته الدعوة ولم يستجب لها! ؛ ففي الصفحة (14) من كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" يدعو إلي أن يضرب بالسيف كل من يعدل عن المصحف فيقول: «إن قوام الدين بالمصحف والسيف»؛ ويشرح ذلك بقوله: «لقد أمرنا رسول الله أن نضرب بهذا - يعني السيف - من عدل عن هذا يعني المصحف» ولابد أن تنظيم الإخوان المسلمين قد التقط هذه الفتوى وهو يصمم شعاره المتمثل في سيفين متقاطعين وبينهما المصحف! ؛ فتاوى الشيخ ابن تيمية عامرة بدعاوي تكفير المخالف والعنف؛ ننتقل مباشرة لدعوته الواردة في نفس كتاب "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" لخطورتها والتي تعتبر من الفتاوى المثيرة للفتن في المجتمعات حين يؤكد حق أي جماعة في مقاتلة غيرها من المسلمين لإلزامهم بما تراه من أمور الدين؛ وأن تقتل كل من يقف أمام دعوتها ولا يستجيب لها وهي الدعوة التي بنت عليها الجماعات السنية المتطرفة نهجها؛ ففي الصفحة (109) من الكتاب المذكور يقول بصريح العبارة: (كل من بلغته دعوة رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى دين الله فلم يستجب له فإنه يجب قتاله)؛ هذه شرعنة واضحة لإستراتيجية العنف والبطش؛ والشيخ ابن تيمية في هذا الغلو له أسانيده الفقهية التي استند عليها لصياغة اجتهاداته من إرث فقهاء الحنابلة في الفترة التي تلت حكم الخليفة العباسي المأمون الذي ازدهرت في عصره العلوم ووصلت الدولة العباسية لذروة مجدها ليبدأ بتولي الخليفة المتوكل عصر جديد استخدمت فيه الدولة الفتوى لتدعيم أركان السلطان والتأصيل للجور والظلم بأسلمه قوانين النظام العبودي بفتاوى مبتدعة تعد عند الضرورة بأوامر سلطانية.

(3)

لا شك أن مسيرة تناسل الفرق الإسلامية المنحرفة من رحم بعضها البعض قد سبق التاريخ المذكور بتولي المتوكل خلافة الدولة العباسية فظاهرة (الخوارج) في صدر الإسلام تدعم هذه الحقيقة ولكن من شبه المؤكد أن بلورت الفكر التكفيري بالصورة الممارس عليه اليوم واندغامه في الحراك السياسي قد تم في ذاك العهد ومنه انطلقت مسيرته الدامية حتى لا يكاد يخلو عصر من العصور اللاحقة من واحدة أو أكثر من الجماعات (الدين/سياسية) المنحرفة التي تبث الرعب وتعكر صفو المجتمعات المسالمة؛ وعلى مر العصور وجد هذا الفكر من الأفراد من يتلقف بدعه ويضيف إليه هوسا فوق هوسه؛ لأسباب موضوعية كالظلم الاجتماعي وأخرى ذاتية كأحلام البعض في السلطة واستعادة دولة الخلافة؛ في العصر الحديث كان لمجموعة من العلماء ورجال الدين مثل محمد عبده والمودودي وحسن البنا ومن تتلمذ على يديهم القدح المعلى في إذكاء ناره وبث الروح من جديد في هذا الفكر المنحرف، فعلى يد الشيخ حسن البنا تم تأسيس جماعة الإخوان المسلمين؛ التي تعتبر الحاضنة الرئيسة لكافة تيارات الإسلام السياسي؛ عام 1928م في مصر ومنها بدء مسلسل العنف الديني في العصر الحديث وقد بلغت ذروة غلوائها الفكري على يد أهم مفكريها إلا وهو الأستاذ سيد قطب الذي سنتعرض بإيجاز لسهمه الفكري الذي رمي به كبد الأمة وأصابها بقرح عظيم ما زال مع الوقت يتجدد؛ ولد سيد قطب عام 1906م ومر بمراحل عديدة في حياته منها انتمائه لحزب الوفد المصري وملازمته للأديب العقاد ثم توجه للأدب الإسلامي إلى أن صار رائدا من رواد فكر الحركات الإسلامية في خمسينيات القرن الماضي وأحد أكثر الشخصيات تأثيرًا فيها وقد بدأت علاقته التنظيمية بجماعة الإخوان المسلمين بعد عودته من منحة دراسية في أمريكا حيث وضع كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام" وأصبح مسؤولًا للقسم الدعوي فيها؛ ويعتبر سيد قطب من أوائل منظري فكر السلفية الجهادية منذ ستينات القرن الماضي استنادا على مؤلفاته وتوجهات الإخوان المسلمين ونشأة التنظيم الخاص للجماعة؛ وقد واصل هو ومن معه من مفكري الجماعات الإسلامية محاباة إرث الغلو والتطرف واعتماد النقل الحرفي وإهمال عملية البحث النقدي للموروث الفقهي أو محاولة الخروج من جلباب فتاوى السلف التي ثبت تعارضها مع واقع العصر ومقتضيات الدولة الحديثة؛ روح النقل المباشر واستسهال قضايا الفكر انتصر على عزم البحث والتجديد وقاد سيد قطب ومن معه للمكوث في الماضي ومحاكمة الحاضر بإحكامه فكان لابد أن يتم الصدام العنيف بينه وبين المجتمعات الآخذة بأسباب التحضر والتقدم المضطرد لأن عموم المنهج القطبي المستخلص من فتاوى السلف التي استنفذت فعاليتها بانصرام عصرها ظل جامدا ومنافيا لسنن الحياة المتجددة وطبيعتها الديناميكية؛ اكتفى قطب وأقرانه بالتعبير عن حالة العجز الفكري برمي المجتمع بالكفر والجهالة مؤكدا في كتاب الظلال: (إنه ليست على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي) ومتمسكا بإرث الغلو يواصل القول في نفس الظلال ص1057ط. دار الشروق: (البشرية عادت إلى الجاهلية وارتدت عن لا إله إلا الله، فأعطت لهؤلاء العباد «الذين شرعوا السياسة والنظام والتقاليد والعادات والأزياء والأعياد» خصائص الألوهية، ولم تعد توحّد الله وتخلص له الولاء، البشرية بجملتها بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها لا إله إلا الله بلا مدلول ولا واقع، وهؤلاء أثقل إثماً وأشد عذاباً يوم القيام لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد من بعد ما تبين لهم الهدى، ومن بعد أن كانوا في دين الله)؛ وهكذا وبمثل هذا التطرف والغلو الحنبلي أسس مفكري الإخوان المسلمين وعلى رأسهم سيد قطب منهج الجماعة وصاغوا ضميرها الجمعي وشكلوا سلوكيات أفرادها؛ لتتوافق مع مرحلة مفارقة نهج الدعوة وإصلاح المجتمع كنشاط أقل خطر على المجتمع وانغماسها كلية في النشاط السياسي بمعادلة مقلوبة تعمل ضد سنن الكون محاولة جلب الماضي وأدواته العتيقة لمعالجة إشكاليات ومعضلات الحاضر عوضا عن تثوير التراكم المعرفي التاريخي لاستشراف آفاق المستقبل وفق ما تقتضيه سنن التطور والتقدم؛ هذا الفكر المنكفي على عصر فتاوى الفتنة أنتج (الأخ المسلم) العنيف الذي نراه والذي ارتد إلى الأسوأ وفق معادلة الانكفاء منتجا (الأخ القاعدي) المتطرف و (الأخ الداعشي) الأكثر تطرفا والله وحده يعلم أي نوع من الوحوش سينتج بعد.

(4)

العنف باسم الدين هو أسوأ ممارسة عدوانية لأن كافة الأديان تدعو للرحمة والعدل والتسامح وتسعى لتهذيب الفرد والرقي بالأخلاق ليحسن المرء إلى مخالفيه بقدر إحسانه لأصحابه وقد ناقض منهج الحركات الإسلامية المبنى على فتاوى الغلو والتطرف كل هذه السماحة واعتمد لأفرادها تربية غليظة أساسها الطاعة العمياء والرأي الواحد؛ وهو رأي الشيخ وإن كان رأيا شاذا ومتشددا مما ينتج عن ذلك نوعا من الخطاب المتشنج المترع بالغلظة وسوء الظن بالآخر، يخلو من أي بعد إنساني، فلا غرو أن تحول من يشحن به من بشر لوحش يتلذذ بالدماء والأشلاء والخراب مما نراها اليوم ؛ فالخطاب المتشنج يزين للفرد أنه صاحب الحق ومحتكره دون غيره من البشر وإن كانوا مثله مسلمين فإسلامه هو الإسلام الصحيح ومن خالفه متأرجح ما بين الكفر والضلال والفسوق كيف لا وهو ومن معه فقط الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وباقي المسلمين هالكون ومن الأفضل أن يكون هلاكهم على يده ليدخل وجماعته الجنة ويتمتعون بنعيمها؛ فهم ولا أحد سواهم؛ أهل السنة والجماعة ومتبعي السلف الصالح؛ هذا الاستعلاء موروث من أقوال مفادها أن الأحاديث النبوية التي تبشر بالنجاة تنطبق عليهم؛ لقد انعكست هذه التربية الأحادية على الفكر والوجدان وأدخلت الفرد منهم في حالة من الغربة النفسية؛ فقست القلوب وتحجرت العقول وغدت لا تطيق جدلا أو خلافا وترى المجتمع عدوا أو خصما على أحسن تقدير؛ فالجميع مخالف للكتاب والسنة، لذا فالتعصب للمذهب على أشده ومشاعر الكراهية والبغض للمخالف ولو كان على مسائل فرعية واضحة وطاغية ومن فرط طغيانها زينة للمتطرف أن قتال (العدو الأقرب) وهو المسلم ذو المرجعية المخالفة مقدم على قتال (العدو الأبعد) ولو كان مستعمرا ظالم ؛ وهم من قبل ومن بعد على قناعة بأن الإسلام قد انتشر بالسيف وآية "لا إكراه في الدين" منسوخة بآية السيف ولا أدري كيف يمكن أن يقبل العقل المؤمن وجود آيات محكمة وأخرى منسوخة في كلام الله وقد وصفه جلا وعلا " لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد ".

(5)

إذن اهتمام الشيخ حسن البناء مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ببناء (تنظيم سري) في بداية التأسيس؛ لم يكن صدفة وقد ظل هذا التنظيم السري يعمل في الظلام دون أن يعلم بوجوده سوى عدد قليل من القيادات، إلى أن انكشف سره بعد أن قام أعضاؤه باغتيالات عدة تطبيقا لأوامر المرشد حسن البنا؛ منها اغتيال النقراشي باشا رئيس وزراء مصر في الأربعينات، وكذلك المستشار الخازندار مما يكشف بوضوح طبيعة الفكر الإرهابي للجماعة ويدل دلالة قاطعة على تبنيها العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة؛ ولا علاقة بين استخدامها العنف ومبرر الملاحقة والتضييق على نشاطاتها الذي ظلت تسوقه والشواهد من الواقع كما ذكرنا آنفا ماثلة في استمرار عنفها وهي مشاركة في برلمانات حسني مبارك في مصر وانقلابها على السلطة المشاركة فيها بغرض الاستفراد بحكم قطاع غزة في فلسطين وهنا في السودان انقلابها عسكريا أيضا على السلطة الديمقراطية التي كانت تتمتع فيها بتمثيل نيابي وتنفيذي مقدر كواحدة من ثلاث أحزاب متحكمة في مفاصل الدولة فلم يغرها هذا الوضع بمواصلة شراكة الآخرين ولم تهدأ وتقر لها عين حتى انقلبت عسكريا وأحكمت قبضتها على الحكم منفردة بالقوة؛ إذا العنف في نهج جماعة الإخوان المسلمين؛ يمارس لذاته؛ وبلذة عجيبة تكشف عن عمق العلل الفكرية وخطأ نهج استقطاب وتربية العضو المنتسب إليها؛ فالشحن المفرط بأوهام التميز وامتلاك الحقيقة المطلقة دون سائر البشر في مجتمع متهم بجهل والكفر من قبل منظريها ؛ يفقد الأخ المسلم الثقة في المجتمع وتتحول العلاقة بينه وبين الآخر المخالف لعلاقة صراع تناحري عنفي لا مجال فيها للتعايش السلمي إلا بقدر ما يسمح للجماعة بالاستعداد بالقوة ورباط الخيل في انتظار يوم غلبة موعود؛ مما يؤكد أن فكر العنف ليس عارضا أو طارئا بل أصيل يحتمل التأجيل (تقية) ولا يقبل التبديل (شرعا)؛ وتصريح الدكتور (محسوب) أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين المصرية وعميد كلية الحقوق بجامعة المنوفية السابق يحسن شرح هذا الأمر وهو يصف الأعمال الإرهابية التي تقوم بها جماعته بعد 30 يونيو بأنها سلمية ويضيف "أن السلمية درجات كما أن العنف درجات"؛ ففي عرف أستاذ القانون المبجل أن نسف أبراج الكهرباء عمل سلمي وتعبير عن رفض الجماعة لـ“الانقلاب” الذي حدث ويتمادى رجل القانون في الغي ويقرر أن هذه الأعمال العنيفة نوع من العقاب لشعب مصر الذي أيد الانقلاب! هذا يعني وبصريح العبارة أن لجماعة الإخوان المسلمين هدفا مقدسا لا تحيد عنه هو الوصول إلى السلطة والمحافظة عليها ومن ينازعها الحكم يجب عقابه وتأديبه ولو كان شعبا كاملا في تعداد شعب مصر، أما الحجاج الجماهيري بشعار (الشريعة) فما هو إلا حيلة سياسية تتوسلها لتحقيق الهدف المنشود ومن بعد تحكم شرعيا أو وضعيا لا يهم، وقد وضحت هذه الحقيقة في تجربة حكم الجماعة للسودان؛ الذي امتد حتى الساعة لأكثر من ربع قرن؛ دون أن تنفذ شعار الحكم بالشريعة، أو تبدي مجرد رغبة في ذلك، وأقصى ما فعلته هو خداع الشعب ودفعه نحو المساجد، فحين أطلقت هي ساقيها للريح لا تلوي على أحد نحو الأسواق والتدافع بالمناكب على سقط المتاع الدنيوي.

** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 02/08/2015م