51 يوماً من الحرب على غزة (التدمير والمقاومة)

فضيلة يوسف
2015 / 7 / 29

عشت 46 يوماً أثناء عملية الجرف الصامد في قطاع غزة المحاصر، والجيش الاسرائيلي يهاجم بشراسة. من غرفتي في بناية أبو غليون، وهو مبنى سكني يطل على ميناء مدينة غزة، رغم إغلاق النوافذ الضيقة وصوت المروحة المشغلة بالسرعة القصوى، كنت أستطيع أن أسمع هدير طائرات F16، ويمكن أن أعدّ الثواني قبل عمليات القصف التي تقوم بها ربما لموقع إطلاق للصواريخ أو ربما لمنزل عائلة بريئة. تمكنت من الاستغراق في النوم لبضع ساعات قبل أن أصحو من نومي على أصوات سلسلة من الانفجارات. كانت الساعة السادسة صباحاً والشمس بدأت في الارتفاع فوق البحر المتوسط.
راجعت الحسابات المحلية من غزة على تويتر للحصول على معلومات حول التفجيرات ، وجدت أن معظمها كتبت عن هجوم على منزل من أربعة طوابق يملكه أبو حسين القلاب، وهو رجل أعمال من مدينة رفح تم تدمير مصنع له في هجوم منفصل. تم انتشال أكثر من 12 جثة من تحت الانقاض، ونجت طفلة صغيرة وفمها مملوء بالشظايا. أوحت ضراوة الغارة الجوية بهجوم يستهدف محمد ضيف، التركيز المفرط للقوة ضد منزل واحد أوحى بوجود هدف رفيع المستوى من الداخل.
وفي وقت متأخر من الصباح، علمت باستخراج جثث ثلاثة من كبار قادة كتائب القسام من تحت الانقاض تجمعوا داخل المبنى لتنسيق استراتيجيتهم. كانوا رائد العطار، قائد منطقة الجنوب في كتائب القسام الذي أشرف على العمليات في رفح، وزميله محمد أبو شمالة ، ومحمد برهوم ،الذي قاد العديد من العمليات ، بما في ذلك كمين النفق التي يطلق عليها اسم "الوهم المتبدد" والذي أسفر عن أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شليط ، ومن المعتقد أن أبو شمالة كان الخليفة المحتمل لأحمد الجعبري عندما تم اغتياله في عام 2012. ويعتبر العطار، من مدبري عملية أسر شاليط جزئياً، احتفل الفلسطينيون عند عقد صفقة إطلاق سراح شاليط في جميع أنحاء فلسطين، ولكن بشكل خاص في قطاع غزة، حيث تم إطلاق سراح أكثر من ألف سجين فلسطيني من السجون الإسرائيلية وإعادتهم إلى أسرهم. أصبح العطار بطلاً، كما قُتل (استشهد) بطلاً.
من جانبه، كان برهوم ناشط القسام المخضرم الذي ساعد في تنسيق عمليات نقل الأسلحة عبر شبكة الأنفاق في رفح. لعب القادة الثلاثة دوراً يمكن القول أنه أكثر أهمية من دور محمد ضيف المشلول جزئياً. قاد الثلاثة العمليات الميدانية لكتائب القسام يوماً بيوم في الواقع، وقد يكون العطار أشرف على عملية القبض على الملازم هدار غولدن وتردد أنه قد يكون واحداً من عدد قليل من الناس في غزة الذين يعرفون مكان وجود غولدن ( حياً أو ميتاً).
ويبدو ان الحرب سوف تطول إلى ما لا نهاية مع هذه الاغتيالات، . لم يعد معي كمية كافية من النقود ومع استمرار سقوط القنابل مرة أخرى، أصبحت حريتي في التنقل في خطر شديد. بعد ظهر ذلك اليوم، أخذت سيارة أجرة إلى معبر إيرز استعداداً لمغادرة غزة لبضعة أيام.
سلمت جواز سفري إلى مسؤولة شابة داخل الصالة التي تديرها اسرائيل ، بدأت الشابة بالطرق بشكل محموم على زجاج مضاد للرصاص يفصل بيننا، وطلبت مني الاحتماء. وبعد ثوان قليلة، سمعت شيئاً تنفجر في مكان قريب، من المرجح أن يكون قذيفة هاون أو صاروخ أُطلق من بيت حانون. كانت مشاهدة الذعر بين الجنود الإسرائيليين تجربة سريالية بعد أن مشاهدة الدمار الذي قاموا به في أنحاء قطاع غزة.
واعترضني طاقم صحفي إسرائيلي من القناة 1 في موقف للسيارات خارج إيرز تخلله أسئلة حول ما رأيته داخل قطاع غزة. هل رأيت الصواريخ التي تطلق من مناطق مدنية؟ هل تستخدم حماس المدنيين كدروع بشرية؟ ماذا عن الأنفاق؟ كانت جلسة تحقيق واستجواب أكثر من مقابلة، وسرعان ما وجدت سيارة أجرة وتوجهت مباشرة إلى رام الله.
بعد ظهر ذلك اليوم نفسه ، سار 15000 من المشيعين في شوارع مدينة رفح الجنوبية التي مزقتها الحرب يحملون جثث ثلاثة من القادة ملفوفة في أكفان الدفن الخضراء. بكى الرجال علناً على الأرصفة وفي الساحات لفقدان من اعتبروهم الأوصياء على مدينتهم في حين تقدم زملاؤهم من القادة بتحد تحية لهم في مسجد محلي.
نجا العطار وأبو شمالة من محاولة اغتيال في عام 2003 بمساعدة المزارعين المحليين الذين أخفوهم في بستان زيتون حين طاردتهم طائرات الأباتشي. وبعد ذلك بعام، داهمت القوات الخاصة الإسرائيلية منزل أبو شمالة ، وساعده جيرانه على الفرار خلال الممرات الضيقة في وسط رفح. هذه المرة، ومع ذلك، شخص ما في الحي قاد الشين بيت الاسرائيلي إلى الرجل. أجبرت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية هذا الشخص ليكون "متعاوناً".
"لقد قضى والدي حياته يقاتل من أجل تحرير فلسطين واليوم، قتلوا والدي "، هذا ما قالته ربا الفتاة المراهقة ابنة أبو شمالة لطاقم تصوير محلي في جنازة والدها ، والدموع تنهمر على وجهها، وأضافت الفتاة بذهول، "الأمر كله بسبب المتعاونين والجواسيس! وأنا أقول لروح والدي، رحمه الله، سنلاحقهم، وسوف نقتلهم. "
تحوّل الغضب الموجه نحو المحتل في زمن الحرب فجأة نحو الخونة في الداخل. بعد يوم واحد من اغتيال أبو شمالة ، العطار، وبرهوم، تم جلب مجموعة من خمسة وعشرين من المتهمين بالعمالة بينهم امرأتين أمام حشد جماهيري في ساحة الكتيبة في مدينة غزة ، مقنعين لإخفاء هوياتهم وحماية أسرهم من الغضب المجتمعي. واصطفوا في مواجهة حائط وأُطلقت النار عليهم حتى الموت على يد عناصر من كتائب القسام.
نُشرت صور تنفيذ حكم الإعدام للعملاء فوراً في وسائل الإعلام، على أمل أن تقمع الصور الغضب الشديد في أنحاء قطاع غزة، وأيضاً بمثابة تحذير للمتعاونين الآخرين. استخدم مكتب نتنياهو مشاهد الإعدام لتصوير حماس بأنها عصابة من المتعصبين من العصور الوسطى وأنها لا تقل همجية عن داعش. واستكمالاً لذلك تم تصوير نتنياهو نفسه على أنه زعيم الخط الأمامي الغربي في مواجهة ما وصفه لاحقاً بأنه "شبكة عالمية واسعة من الإسلاميين المتشددين الأصوليين" الذين لديهم طموحات جامحة وأساليب وحشية ".
صورة قتل الجواسيس والعملاء رمياً بالرصاص شائعة على مر التاريخ، وخاصة بين الحركات الثورية والمناهضة للاستعمار. ولكن إعدامهم في غزة محبط ويناقشه الناس همساً. أولئك الذين أُعدموا على الأرجح من بين الأكثر يأساً من سكان غزة المحرومين. وقبل أن يصبحوا جواسيس، تجسست عليهم وحدات المراقبة والحرب الإلكترونية الإسرائيلية المعروفة باسم الوحدة 8200.
فيالق الاستخبارات جزء لا يتجزأ داخل الجيش الإسرائيلي، تتكون وحدة 8200 من عدة آلاف من المتعلمين جداً، أكثر الجنود تطوراً من الناحية التكنولوجية في الجيش. هي، في الواقع، أكبر وحدة في الجيش ويمكن مقارنة حجمها ووظيفتها بوكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA). يستلزم معظم العمل في الوحدة 8200 التجسس على جميع العناصر من حزب الله وحماس وحتى على المواطنين الأمريكيين " قالت وكالة الأمن القومي أنها ضبطت الآلاف من رسائل البريد الإلكتروني والاتصالات الهاتفية بين الوحدة 8200 والعرب والفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الأميركية، وفقاً للصحفي جيمس بامفورد. وفي قطاع غزة، تعمل الوحدة 8200 مع الشاباك لزراعة الجواسيس بين سكان القطاع الذين يعانون من ظروف صعبة.
أعلنت مجموعة من المحاربين القدامي في رسالة مشتركة في أيلول 2014 رفضهم العمل لفترة أطول في الجيش، وصف أعضاء من الوحدة 8200 بالتفصيل كيفية افتراس الوحدة للفلسطينيين الأبرياء، واستغلال نقاط ضعفهم وابتزازهم. قال أحدهم لصحيفة الغارديان :"اذا كنت مثلي الجنس وتعرف شخص يعرف شخص مطلوب، فإن إسرائيل سوف تجعل حياتك بائسة،" وأوضح :"إذا كنت بحاجة للعلاج الطبي في إسرائيل والضفة الغربية أو في الخارج فنحن نبحث عنك، وسوف تتركك دولة إسرائيل تموت قبل أن تسمح لك بتلقي العلاج دون إعطاء معلومات عن ابن عمك المطلوب. إذا أثرت انتباه الوحدة 8200 وليس لديك أي علاقة مع أي نشاط معاد، أنت (لا تزال) هدفاً. "
"يتعرض جميع الفلسطينيين إلى مراقبة بدون توقف دون أي حماية قانونية،" تقول الرسالة : "أي فلسطيني قد يكون مستهدفاً وربما يعاني من عقوبات مثل الحرمان من التصاريح والتحرش والابتزاز، أو حتى الإصابة الجسدية المباشرة."
لم يكن هناك أي نوع من التعاطف في أي مكان في غزة مع الفقراء الذين دفعتهم الظروف للتعاون. على الرغم من ذلك أدان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة إعدام الجواسيس المتهمين، وهناك إجماع واضح في غزة بدعم أحكام الإعدام. لم أسمع أي آراء مخالفة في جميع أنحاء قطاع غزة، وإذا سمعت فإن الأصوات كانت تدعو ليس إلى إعدامهم فقط بل وتعذيبهم.
مرة أخرى، يتم تحريض الفلسطينيين ضد بعضهم البعض من خلال دسائس المحتل. فلسطينيون يقتلون الفلسطينيين الذين تسببوا بقتل فلسطينيين ، بينما يحاول رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تقويض الموقف التفاوضي لحركة حماس. مرة أخرى في تل أبيب، ينهال نتنياهو بالثناء على رئيس الشاباك يورام كوهين المسؤول عن تدبير الاغتيالات، في حين كتب عاموس هرئيل، المراسل العسكري لصحيفة هآرتس المعارضة لنتنياهو: "اغتيال قادة حماس يصنع من نتنياهو بطلاً."
ولكن إسرائيل أنهت الحرب بصعوبة. مع دخول الحرب في الأسبوع الأخير من آب، قام الطيران الإسرائيلي بسلسلة من الغارات المثيرة التي استهدفت قلب مدينة غزة. هذه المرة كان الهدف هو تهيئة المسرح لأعقاب الحرب من خلال إثارة الطبقة الوسطى في غزة ضد حماس.
مقتطفات من كتاب "51 يوم من الحرب على غزة " ل Max Blumenthal
مترجم